الرئيسية | الصحيفة | خدمات الإستضافة | مركز الملفات | الحركة الانتقالية | قوانين المنتدى | أعلن لدينا | اتصل بنا |

أفراح بن جدي - 0528861033 voiture d'occasion au Maroc
educpress
للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :

فعاليات صيف 2011 على منتديات الأستاذ : مسابقة استوقفتني آية | ورشة : نحو مفهوم أمثل للزواج

العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > منتديات الثقافة والآداب والعلوم > منتدى الثقافة والفنون والعلوم الإنسانية > الفلسفة العامة والفكر الإسلامي



إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 2014-10-15, 19:28 رقم المشاركة : 21
خادم المنتدى
مدير التواصــل
 
الصورة الرمزية خادم المنتدى

 

إحصائية العضو








خادم المنتدى غير متواجد حالياً


وسام المشاركة السيرة 1438ه

وسام المشاركة في مسابقة السيرة النبوية العطرة

العضو المميز لشهر فبراير

افتراضي دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية


دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية

الدكتور محمد الناصري


* دكتوراه في الفكر الإسلامي وحوار الأديان والحضارات، المغرب.

الكتاب: دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية.

المؤلف: زكي الميلاد.

الناشر: النادي الأدبي بالرياض.

سنة النشر: الطبعة الأولى 1432هـ/ 2011م.

* مدخل

لم يكن حظ الفلسفة من التأليف شبيهاً بغيرها من المعارف والعلوم في تراثنا المدون بالعربية، الذي تنعقد الريادة فيه إلى علوم التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه وأصوله، واللغة العربية وآدابها، وعلم الكلام وغيرها. بينما لا نعثر بالكم نفسه على مدونات مستقلة تعنى بالفلسفة وقضاياها في فترات التدوين قديماً وبالأخص حديثاً؛ إذ تعد الكتابات والمؤلفات في مجال الفلسفة، ضئيلة ومحدودة جدًّا، يسهل عدها وحصرها والإحاطة بها.

وعلى قلة التأليف فيها، فلقد عانت الفلسفة الإسلامية كثيراً من القراءات المتعسفة والأحكام المسبقة فضلاً عن الظلم والارتياب الذي لازم الكثير من أعلامها وموضوعاتها. إذ لم تواجه فلسفة من الفلسفات مشاكل وصعوبات كالتي واجهتها الفلسفة الإسلامية عبر تاريخها، سواء من أهلها أو من غيرهم من الدارسين الغربيين وخاصة المستشرقين الذين أثاروا جملة من الشبهات تتعلَّق بتسمية هذه الفلسفة وأصالتها وأهميتها، وبمصدرها وظروف نشأتها، بل بوجودها على وجه العموم. فأصدروا في ذلك أحكاماً جانبها الصواب؛ حيث انتهوا إلى نتائج لا تتسق والمعطيات العامة لتلك الظاهرة الفلسفية المتميزة في تاريخ الفكر الإنساني.

ومرد هذا التعسف في إصدار الأحكام يرجع إلى تصور خاطئ في الرؤية وخلل في المنهج، فأكثر الأحكام المتعسفة والأخطاء التي عمت دراسات المستشرقين ناجمة عن هذا الخلل المنهجي الذي يمكن تحديد خصائصه العامة والأفكار النظرية التي تشكل صلب جوهره في:

أولاً: نظرية المركزية الأوروبية، التي ترى أن أوروبا هي مركز التاريخ والحضارة، ورائدة العلم والفلسفة قديماً وحديثاً، على ضوئها يقرأ تاريخ الإنسانية ويقاس تطور الحضارة. ويعد الفيلسوف الألماني هيجل من أبرز المبشرين بهذه النظرية، من خلال دعوته المتكررة بأن تشطب الفلسفة الشرقية من تاريخ الفلسفة؛ لأنها مستندة إلى الدين وممتزجة به. وتاريخ الفلسفة عنده لا يشمل تاريخ الأديان، ولأن الفلسفة تمثل المرحلة النهائية من خط تطوري صاعد يبدأ بالفن فالدين فالفلسفة في صورتها العقلية الخالصة التي لم تظهر إلَّا عند اليونان قديماً، وفي الفلسفة الغربية الأوروبية منذ عصر النهضة حديثاً. فماذا يبقى من تاريخ الفلسفة؟ لا يبقى-بحسب هذه النظرية- غير الفلسفة الأوروبية بشقيها القديم والحديث، وتظل أوروبا هي المركز العقلي في هذا العالم.

ثانياً: النظرية العرقية، والذي يعد إرنست رينان من أبرز دعاتها، حيث يصرح بأن الجنس السامي أدنى من الجنس الآري، وعلى هذا الأساس ينفي أن يكون للجنس السامي أي أثر فلسفي خاص به، وما الفلسفة عندهم إلَّا اقتباس خارجي صرف من اليونانيين، لذا فإن الفلسفة الإسلامية هي الفلسفة اليونانية منقولة إلى العربية، وينفي رينان بإصرار أي أثر للعقيدة الإسلامية في نشأة هذه الفلسفة .

لقد كانت هذه الأفكار سبباً في الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها المستشرقون. وأمام فداحة هذه الأخطاء كان لا بد من ظهور كتابات تهتم بدراسة الفلسفة الإسلامية وتبرز أصالتها وأهميتها وتفرد موضوعاتها، وفي سياق التعريف ببعض الكتابات المنشورة حول الفلسفة الإسلامية، يأتي الكتاب الماثل بين أيدينا، وهو أحد كتابات المفكر السعودي الأستاذ زكي الميلاد التي صنفها ضمن خطابه التجديدي الذي يشتغل عليه منذ فترة ليست بالقصيرة.

والكتاب هو حصيلة مطالعة الأستاذ الميلاد في موضوع تاريخ الفلسفة الإسلامية، وهو يغطي ستة مؤلفات، تعد من أسبق وأبرز وأهم المؤلفات، والأكثر شهرة في القرين العشرين في المجال العربي، والتي باتت تمثل اليوم مراجع أساسية في موضوع تاريخ الفلسفة الإسلامية.

وهذه المؤلفات بحسب ترتيب تاريخ صدورها، هي:

1- تاريخ الفلسفة في الإسلام، للمستشرق الهولندي دي بور، الصادر باللغة الألمانية سنة 1901م، وفي ترجمته الإنجليزية سنة 1903م، وفي طبعته العربية سنة 1938م.

2- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، للشيخ مصطفى عبد الرازق، الصادر سنة 1944م.

3- في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيق، للدكتور إبراهيم مدكور، الصادر سنة 1947م.

4- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، للدكتور علي سامي النشار، الصادر سنة 1954م.

5- تاريخ الفلسفة الإسلامية، للمستشرق الفرنسي هنري كوربان، الصادر باللغة الفرنسية سنة 1964م، وفي طبعته العربية سنة 1968م.

6- تاريخ الفلسفة الإسلامية، للدكتور ماجد فخري، الصادر باللغة الإنجليزية سنة 1970م، وفي طبعته العربية سنة 1978م.

وقد جاء الكتاب في شكله العام يضم ستة فصول ومقدمة، حيث خصص الأستاذ زكي فصلاً مستقلاً لكل واحد من المؤلفات الستة، مرتبة بحسب تاريخ صدورها، وتشرح هذه الفصول الستة أهمية كل كتاب وقيمته ومنزلته الفكرية والتاريخية والمنهجية، وتعرف بالمؤلف منزلته ومكانته، أثره وتأثيره، وتعرض مواقف الآخرين ووجهات نظرهم الوصفية والتحليلية والنقدية، مع تركيز أستاذنا الميلاد على جانب المنهج، ومن هذه الجهة يقول زكي: «فإن هذا الكتاب هو أقرب ما يكون إلى بحث في المنهج، وتحديداً في منهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية». (ص: 10).

(1)

دي بور.. ومنهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية

كان هذا هو عنوان الفصل الأول من الكتاب، الذي خصصه الأستاذ الميلاد إلى مؤلف (بفتح اللام) دي بور، «تاريخ الفلسفة في الإسلام»، ولم يأت هذا التقديم اعتباطاً وإنما فرضته اعتبارات موضوعية أجملها الميلاد في عاملين متعاضدين:

العامل الأول: كونه أول كتاب صدر مع مطلع القرن العشرين، إذ صدر باللغة الألمانية سنة 1901م، الأمر الذي جعله يمثل حدثاً فكريًّا يؤرخ له في مجال الكتابة الحديثة عن تاريخ الفلسفة الإسلامية.

والكتابات الأولى لها أهميتها بطبيعة الحال..، وبهذا اللحاظ يكون كتاب «تاريخ الفلسفة في الإسلام»، هو أول كتاب يرجع إليه مع مطلع القرن العشرين عند الحديث عن تاريخ الفلسفة الإسلامية، وهذا ما حصل في الكتابات والمؤلفات التي أرخت لتاريخ الفلسفة الإسلامية من خلال تتبع الدراسات والأعمال التي تناولت هذا الشأن.

العامل الثاني: كون أن هذا الكتاب هو أول كتاب شامل في تاريخ الفلسفة الإسلامية، إذ تتبع منازع واتجاهات التفكير الفلسفي عند المسلمين، وتطور هذه المنازع والاتجاهات منذ النشأة حتى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، وكتب بطريقة منظمة ومركزة، جعلت منه واحداً من أفضل ما كتبه المستشرقون حول تاريخ الفلسفة الإسلامية من هذه الجهة المنهجية. (ص: 15-16).

ويشترك الأستاذ الميلاد في هذه الملاحظة مع العديد من الباحثين المعاصرين، الذين يجمعون على أهمية الكتاب، وعلى أنه أفضل عرض مجمل للفلسفة الإسلامية باللغتين الألمانية والإنجليزية، في نظر أحدهم، وأحسن ما كتب في الفلسفة الإسلامية من المستشرقين في نظر آخر.

بيد أنه ورغم الشهرة الواسعة للكتاب وأهميته الفائقة في مجاله وعند الباحثين العرب، يسجل الأستاذ الميلاد وباستغراب شديد غياب دراسات مستقلة تتناول الكتاب بالدراسة والنقد، باستثناء إشارات عابرة ومتكررة في ثنايا بعض الكتب، وهو ما لا ينسجم وأهمية الكتاب وشهرته (ص: 16-17).

الأمر الذي يعد في نظري عاملاً ثالثاً من العوامل الذي شجَّعت أستاذنا الميلاد على تصدير فصول كتابه بمؤلف دي بور، أملاً في إعادة الاعتبار إلى باحث قدَّم خدمات جليلة للفلسفة الإسلامية. منوهاً في الوقت نفسه بالجهد الرائع الذي بذله الدكتور أبو ريدة في ترجمته للكتاب إلى العربية، وأبو ريدة باحث مصري وأستاذ جامعي متخصص في الفلسفة الإسلامية، وهو الحقل الذي ارتبطت به سيرته العلمية والفكرية من المرحلة الجامعية وبداية التخصص، إلى نهاية مشواره (ص: 18).

وقد عرف عن الدكتور أبي ريدة أنه كان يتقن عدة لغات أجنبية منها: الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والفارسية، وحتى بعض اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية. وهو ما أعطى لترجمات أبي ريدة عموماً وترجمته لكتاب دي بور خصوصاً، درجة عالية من العلمية والإتقان والموثوقية والتميز. إلى درجة يشعر بها من طالع الترجمة وكأن الكتاب كتب بلغة المترجم لضبطه وإحكامه، وتواتر العبارات والجمل بطريقة سلسة (ص: 22).

ويبدو لولا هذه الترجمة لما عرف دي بور في المجال العربي، ولما نال كتابه هذه الشهرة الواسعة، وبهذا يكون الدكتور أبو ريدة قد قدَّم خدمة جليلة لدي بور حين عرف به وبكتابه وعلى هذا النطاق الواسع، وبشكل يتمناه كل مؤلف لنفسه، ولم يعرف دي بور في المجال العربي إلَّا بهذا الكتاب فحسب، دون غيره من المؤلفات الأخرى (ص: 23).

وتظهر قيمة العمل الذي قام به أبو ريدة من خلال التعليقات الكثيرة التي ضمّنها ترجمته. ولأهميتها فقد أشار إليها الأستاذ الميلاد تحت عنوان: «تعليقات المترجم.. مواقف وانطباعات»، وقد قسّم الميلاد هذه التعليقات إلى قسمين: الأول: يتعلق بالإشارة إلى المصادر والمراجع التي أغفلها دي بور والتي لم يأتِ على ذكرها، والثاني: يتعلق بالتوضيحات والشروح والإضافات والاعتراضات التي تراوحت بين الإيجاز والإسهاب بحسب ما يقتضيه كلام دي بور. وقليلة جدًّا هي الصفحات التي خلت من تعليقات المترجم شرحاً وتوضيحاً، أو إحالةً وتذييلاً لمصادر ومراجع عربية أو أجنبية (ص:33).

وقد لاقت هذه التعليقات استحساناً لافتاً من لدن الذين طالعوا الكتاب، أو الذين رجعوا إليه بصورة من الصور، حيث أثنوا على الجهد الذي بذله أبو ريدة، إلى درجة اعتبر أحدهم التعليقات بمثابة كتاب منفصل عن الكتاب الأصلي، وهي في نظر آخر علمية لدرجة القول بإمكانية نسبة العمل إلى الاثنين معاً أبوريدة ودي بور (ص:34).

ولقد كان لأستاذنا الميلاد بعض الملاحظات حول تعليقات أبي ريدة، جاءت إحداها متعلقة بالطريقة المتبعة من لدن أبي ريدة في تعليقاته، حيث اعتمد طريقة قام من خلالها بتوزيع ملاحظاته على طول صفحات كتابه بحسب الاقتضاء والحاجة. وهي الطريقة التي لم ترق لأستاذنا الميلاد مفضلاً تصدير الكتاب المترجم بنص واحد، فتنفصل الملاحظات والتعليقات عن نص الكتاب، لما تتيحه هذه الطريقة من إمكانية التعرف إلى مجموع ملاحظات المترجم في نص كلي موحد ومتواتر، كما أنها تمنع من تشتت ذهن القارئ بين متن الكتاب وتعليقات المترجم...(ص: 36).

وجاءت الثانية مسجلة غياب ترجمة للمؤلف، بحيث إن أبا ريدة لم يذكر شيئاً عن سيرة المؤلف، وتكتسب هذة الملاحظة شرعيتها من أن دي بور ليس اسماً معروفاً في الدراسات الفلسفية، الأمر الذي كان سبباً في اختلاف المهتمين بحقل الدراسات الفلسفية عربيًّا بشأن تحديد دي بور، فهناك من اعتبره ألمانيًّا، وهناك من اعتبره هولنديًّا (ص: 37).

أما الثالثة: فخصصها الميلاد لتلك المفارقة الكمية والنوعية بين تعليقاته عن الغزالي وتعليقاته عن ابن رشد، إذ سجّل الأستاذ زكي، أن تعليقات أبي ريدة عن الغزالي جاءت دفاعاً مطولةً وشرحاً وتوضيحاً على امتداد صفحات الكتاب، وهذا بخلاف الحال في تعليقاته عن ابن رشد التي اكتفى فيها بالإشارة إلى المصادر والمراجع، ولم يظهر دفاعاً واضحاً حتى في المواقف التي تستدعي الدفاع والتوضيح والشرح (ص: 38).

ولتكوين معرفة بكتاب «تاريخ الفلسفة في الإسلام»، قدَّم الميلاد سرداً لمحتوياته، فهو يتألف من مقدمة وسبعة أبواب، كل باب يتضمن فصولاً عدة.

الباب الأول: حمل عنوان «مدخل» واحتوى على ثلاثة فصول، الفصل الأول، جاء بعنوان: «مسرح الحوادث» تطرق إلى بلاد العرب ما قبل الإسلام، والعرب ما بعد الإسلام، مارًّا على عهد النبي ﷺ، وعهد الخلفاء الراشدين، ثم عهد الأمويين في دمشق ومتوقِّفاً عند مراكز الثقافة العقلية في البصرة والكوفة، وصولاً إلى عهد العباسيين ببغداد، وسقوط الخلافة.

والفصل الثاني جاء بعنوان «الحكمة الشرقية» تطرق إلى النظر العقلي عند الساميين، ثم الديانة الفارسية والدهرية، وانتهاء بالحكمة الهندية. وجاء الفصل الثالث بعنوان «العلم اليوناني» تطرق إلى المدن والمراكز التي وصل إليها العلم اليوناني، وتحدث عن السريان والكنائس النصرانية، وعن مدن حران وجنديسابور، وعن المذهب الأفلاطوني الجديد، ومعرفة أرسطو عند العرب.

الباب الثاني: حمل عنوان « الفلسفة والعلوم العربية»، واحتوى على أربعة فصول، الفصل الأول جاء بعنوان «علوم اللغة» تطرق إلى أنواع العلوم اللغوية، وعلاقة هذه العلوم بالقرآن وبالمنطق والفلسفة، والفصل الثاني جاء بعنوان «مذاهب الفقهاء»، تطرق إلى مواقف وآراء الفقهاء تجاه السنة والحديث والفقه والقياس والرأي، وجاء الفصل الثالث بعنوان «المذاهب الاعتقادية - مذاهب المتكلمين»، تطرق إلى العقائد النصرانية، وتحدث عن علم الكلام، ثم عن المعتزلة، وأشار إلى أربعة من أئمتهم الكبار هم أبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، والجاحظ، وأبو هاشم، كما تحدث عن الأشعري وعن التصوف.

والفصل الرابع جاء بعنوان « الأدب والتاريخ»، تطرق في جانب الأدب إلى أربعة من أئمة الأدب العربي، هم أبو العتاهية والمتنبي وأبو العلاء المعري، والحريري، وفي جانب التاريخ، تحدث عن السعودي والمقدسي.

الباب الثالث: حمل عنوان «الفلسفة الفيتاغورية»، واحتوى على فصلين، الفصل الأول جاء بعنوان «الفلسفة الطبيعية»، تطرق إلى مصادر هذه الفلسفة، وتحدث عن علوم الرياضيات والعلوم الطبيعية، وعلم الطب، والفصل الثاني جاء بعنوان، «إخوان الصف بالبصرة»، تطرق إلى «القرامطة»، وتحدث عن إخوان الصفا، في ميادين العلم والرياضيات والمنطق وفلسفة الدين والأخلاق.

الباب الرابع: وحمل عنوان «الفلاسفة الآخذون بمذهب أرسطو متأثراً بالأفلاطونية الجديدة بالشرق»، واحتوى على خمسة فصول، تحدث كل فصل عن واحد من فلاسفة المسلمين الأوائل، وهم حسب الترتيب: الكندي والفارابي ومسكويه وابن سينا وابن الهيتم.

الباب الخامس: حمل عنوان «نهاية الفلسفة في المشرق»، واحتوى على فصلين، الفصل الأول تحدث عن الغزالي، والفصل الثاني تحدث عن أصحاب المختصرات الجامعة.

الباب السادس: وحمل عنوان «الفلسفة في المغرب»، واحتوى على أربعة فصول، الفصل الأول، تحدث عن بواكير الفلسفة في عصر بني أمية بالأندلس، والفصل الثاني تحدث عن ابن باجة، والفصل الثالث تحدث عن ابن طفيل، والفصل الرابع تحدث عن ابن رشد.

الباب السابع والأخير: حمل عنوان «خاتمة»، واحتوى على فصلين، الفصل الأول تحدث عن ابن خلدون وعصره وثقافته، والفصل الثاني، تحدث عن العرب والفلسفة النصرانية في القرون الوسطى.

كانت هذه هي الخريطة التفصيلية لمحتويات الكتاب الأبواب والفصول، والتي تظهر أن حديث دي بور عن الفلسفة الإسلامية يمتد إلى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري، مع إشارة موجزة في نهاية الكتاب إلى التفاعل الثقافي الذي حصل بين العالمين الإسلامي والمسيحي بالعصور الوسطى بأوروبا، وفي إسبانيا وإيطاليا بصورة خاصة، وفضل المسلمين على الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى. (ص: 28-29).

وقد لخّص الميلاد شرح دي بور لرؤيته الكلية لفكرة الفلسفة في الإسلام في قول دي بور: «ظلت الفلسفة الإسلامية على الدوام فلسفة انتخابية عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، ومجرى تاريخها أدنى أن يكون فهماً وتشرّباً لمعارف السابقين لا ابتكاراً، ولم تتميز تميزاً يذكر عن الفلسفة التي سبقتها، لا بافتتاح مشكلات جديدة، ولا هي استقلت بجديد فيما حاولته من معالجة المسائل القديمة، فلا نجد لها في عالم الفكر خطوات جديدة تستحق أن نسجلها لها».

يقول الميلاد: وحين يتمم دي بور رؤيته الكلية يختم بالقول: «ونكاد لا نستطيع أن نقول: إن هناك فلسفة إسلامية بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة، لكن كان في الإسلام رجال كثيرون لم يستطيعوا أن يردوا أنفسهم عن التفلسف، وهم إن اتشحوا برداء اليونان، فإن رداء اليونان لا يخفي ملامحهم الخاصة، ومن اليسير علينا أن نستهين بشأنهم إذا أطللنا عليهم من ذروة إحدى المدارس الفلسفية الحديثة المزهوة بفلسفتها، ولكن يحسن بنا أن نتعرّفهم في بيئتهم التاريخية، ولندع الآن رد كل فكرة من أفكارهم إلى أصلها الذي انحدرت منه، تاركين هذا لمبحث قائماً بذاته، وأما غرضنا فيما يلي فلا يعدو الإشارة إلى الهيكل الذي شاده المسلمون من المواد التي وجدوها مهيأة لهم».

وفي نظر الميلاد فهذا النص القصير، هو من أكثر ما لفت انتباه الكتّاب والباحثين المهتمين بحقل الدراسات الفلسفية في المجالين العربي والإسلامي، ومن أشد ما أثار انتقادهم وامتعاضهم. وأغلب الكتابات والمؤلفات العربية والإسلامية التي رجعت لكتاب دي بور، إنما رجعت للتوقف أمام هذا النص ومناقشته ونقده والتشكيك فيه، والكشف عن مغالطته وحتى تناقضه. (ص: 31).

ويسجل الأستاذ الميلاد، وفي ارتباط باتجاهات النقد في الكتابات العربية لمؤلف دي بور، غياب مراجعات نقدية شاملة وتفصيلية، وهذا يعني في نظر الميلاد، أن كتاب دي بور ومع شهرته الواسعة في المجال العربي، وبعدما يزيد على قرن من تاريخ صدوره، وما يزيد على سبعين سنة من تاريخ ترجمته، لم يتعرض للتحليل النقدي في الكتابات العربية المعاصرة، بأنماطها الفكرية والفلسفية والتاريخية. وهو أمر في نظر أستاذنا الميلاد يمثل مفارقة تثير الانتباه حقًّا، وتصوّب النقد على المجال الفكري العربي المعاصر. (ص: 39).

ولقد كانت لأستاذنا الميلاد مجموعة من الملاحظات النقدية ختم بها قراءته لكتاب دي بور، تعلّقت في مجملها بفكرة لطالما كررها دي بور في كتابه تأكيداً لها؛ وهي تلك المتعلقة بارتهان الفلسفة الإسلامية بنظيرتها اليونانية والرومانية والنصرانية، وهو الأمر الذي رفضه الميلاد شأنه في ذلك شأن غالبية الباحثين العرب، وفي مقدمتهم مترجم الكتاب إلى العربية الأستاذ أبو ريدة. حيث يرى الميلاد أن هذا الارتهان إنما هو دليل على شغف المسلمين بالعلم، لما أحدثه فيهم القرآن من تأثير حيث افتتحت آياته بكلمة «اقرأ» التي تفيد نفي الجهل..، الأمر الذي دفعه إلى اكتساب العلوم والمعارف أنّى وجدت يونانية كانت أو غيرها. كما أن المسلمين وبشهادة المؤرخين أسهموا في إحياء هذه العلوم، وإكسابها حيوية وتجدّداً، ولولا هذا الدور الحضاري الذي اطلع به المسلمون ما كنا نعلم أين ينتهي مصير هذه العلوم والمعارف. (ص: 44).

(2)

مصطفى عبد الرازق.. ومنهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية

هو شيخ الجامع الأزهر الشريف، ومجدّد للفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ومؤسس المدرسة الفلسفية العربية التي أقامها على الإسلام، بهذا يعرف الشيخ مصطفى عبد الرازق، صاحب كتاب: «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»، إذ مثل مصطفى عبد الرازق تجربة مهمة في تاريخ تطور الفكر الفلسفي الإسلامي خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهي التجربة التي توقف عندها، ورجع إليها معظم الدارسين والباحثين الذين حاولوا دراسة تاريخ تطور الفلسفة والفكر الفلسفي الإسلامي والدرس الفلسفي في مصر والعالم العربي.

وقد أورد الأستاذ زكي الميلاد مجموعة من الأقوال لمجموعة من المفكرين والنقاد تبرز مكانة الشيخ مصطفى عبد الرازق، وتؤكد ريادته في مجال الدراسات الفلسفية الإسلامية. وعن ذلك يقول الدكتور زكي نجيب محمود: «قد نحا منحى جديداً في دراسة الفلسفة الإسلامية، وأرسى دعائم مدرسة كانت الحياة الفلسفية أحوج ما تكون إليها». وعندما أراد الدكتور أنور عبد المالك أن يعدد بعض وجوه الإبداع الفكري الذاتي في مصر، توقف عند الشيخ عبد الرازق واعتبر أنه كان « مبدعاً رائداً؛ إذ أعاد منهاجية تاريخ الفلسفة الإسلامية إلى ضرورة الأخذ بأصولها التاريخية الذاتية، دون الاعتماد على أسطورة أن الفلسفة ما كان لها من دور إلَّا نقل التراث اليوناني إلى العرب، ومن ثم تسهيل نقله إلى الغرب في مرحلة النهضة». (ص: 57).

أما كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» فقد توخى في موضوعاته الرجوع إلى النظر العقلي الإسلامي وتتبع مدارجه في ثنايا عصوره وأسرار تطوره، وقد حرص في مقدمة هذا الكتاب على أن يوضح منهجية تأليفه ودواعي نشره، فكتب يقول: «قد كنت أيام اشتغالي بتدريس الفلسفة الإسلامية وتاريخها في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) معنيًّا بدرس هذه الموضوعات واستكمال بحثها، ودونت فيها صحفاً طويتها على غرِّها منذ تركت الجامعة في صدر سنة 1939م، وصرفتني الشواغل عنها. واليوم أعود إلى هذه الصحف لأنشرها كما هي بصورتها يوم كتبت من غير تنقيح ولا تعديل، وفى صياغتها التعليمية التي تراعى حاجة الطلاب إلى مراجعة النصوص الكثيرة وحسن التدبر والفهم للأساليب المتفاوتة، وإن لم يخفَ ذلك على ذوق المطالعين جميعاً. وأرجو أن يكون في هذه الصفحات عون لباحث أو فائدة لقارئ».

ولقد كان كتاب التمهيد، من المؤلفات الرائدة في مجال الفلسفة الإسلامية وتاريخها خلال القرن العشرين، إذ أصبح موضع عناية الباحثين والمؤرخين.

ولقد حاول الأستاذ زكي الميلاد منح القارئ فرصة للاطلاع على محتويات كتاب التمهيد، من خلال تذكيره بمباحث الكتاب وفصوله، المقسمة إلى قسمين:

القسم الأول: تحدث عن مقالات المؤلفين الغربيين، ومقالات المؤلفين الإسلاميين، وبيان منازعهم ومناهجهم في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها.

القسم الثاني: عن منهج المؤلف في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية، وهو منهج مغاير لمناهج أولئك المؤلفين، غربيين وإسلاميين، ويلي هذا المنهج تطبيق له، وتوضيح بما هو أشبه بالنموذج والمثال. (ص: 59).

لقد تحدث الشيخ مصطفى عبدالرازق من خلال فصول الكتاب العديدة عن تعريف الفلسفة وتقسيمها عند الإسلاميين، كما تحدث عن بداية التفكير الفلسفي الإسلامي، وعن النظريات المختلفة في الفقه الإسلامي وتاريخه، وعن القياس والاجتهاد والرأي، كما نجده يحلل تاريخ علم الكلام، ويتحدث عن العقائد الإيمانية في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهد الخلفاء الراشدين، وعهد الأمويين والعباسيين.

ونجده في هذا الكتاب يفند آراء المستشرقين حول الفلسفة الإسلامية، ويوضح موقفه من هذه الآراء، ويناقش الكثير من الأحكام التي قال بها أصحاب النزعة العرقية الذين اتخذوا من علم نفس الأجناس ذريعة لتقرير أن للجنس السامي دون الجنس الآري موهبة وقدرة وذكاء، ثم بنوا على أساس هذه المقولة زعمهم بأن السلالة الآرية التي تنتمي إليها الأمم الأوروبية هي وحدها الصفوة المؤهلة للرقي وللسيادة، وإليها يُردّ كل ما له قيمة في تاريخ المعرفة والحضارة. أما العرب -حسب هذا الزعم- فهم أخلص أنواع الجنس السامي الذي يتميز بميله الفطري إلى إدراك المفردات وحدها، ولا قِبَل لهم باستخلاص قضايا وقوانين، ولا بالوصول إلى فروض ونظريات معرفية، ومن العبث أن يتلمس المرء لديهم إبداعاً فكريًّا أو إنجازاً حضاريًّا أو منهجاً عقلانيًّا، خصوصاً أن الإسلام -فيما يدّعون ويزعمون- قد ضيق آفاق العقل العربي وحرمه من البحث الحر والنظر الطليق، وأن ما ينسبه العرب لأنفسهم من فلسفة أو معرفة إسلامية خاصة بهم ليس إلَّا مجرد محاكاة أو تقليد لفلاسفة الإغريق، وضرب من التكرار لآراء وأفكار يونانية صيغت باللغة العربية.

من ناحية أخرى، أسهب الشيخ مصطفى عبدالرازق في توضيح أصول الدرس الفلسفي، وتوسع فيما يشمله علم أصول الفقه من مباحث تكاد تكون في جملتها من جنس المباحث التي يتناولها علم العقائد الذي هو علم الكلام. ودلل على رأيه هذا من خلال عرضه المفصل لأهم النظريات المختلفة في الفقه الإسلامي وتاريخه، ثم معالجته لمسألة «الرأي» وأطواره.

لقد كان كتاب التمهيد ومنهجه في نظر العديد من الباحثين والأكاديميين يمثل: «قيمة تاريخية ومذهبية كبرى بين الكتب التي ألفت في الفلسفة الإسلامية، لأنه يختلف عنها جميعاً في مواضيعه ونتائجه، فهو ليس على النحو المألوف، والنهج المعروف عند المؤلفين الشرقين والمستشرقين، بل هو منهج جديد في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية مغايراً لهذه المناهج، وفيه تتجلى شخصية الشيخ الفيلسوف». (ص: 69-70).

ومن الملاحظات التي استوقفت انتباه الدارسين لكتاب التمهيد، كثافة النصوص المطولة، والمقتبسة من المصادر القديمة والحديثة، الغربية والإسلامية، الظاهرة التي تجلت في جميع فصول الكتاب، وفي كل صفحة من صفحاته تقريباً.

وقد كانت هذه الملاحظة موطن مدح من لدن العديد من الباحثين الذين تناولوا الكتاب بالدراسة والتحليل والنقد. بيد أنها في نظر الميلاد تفسير للطبيعة التعليمية للكتاب، يقول الميلاد: «فكون الكتاب جاء تعليميًّا ولغايات تعليمية، ودُوّن في الأصل على صورة ملازم تعليمية، لهذا احتوى على كل هذه النصوص والاقتباسات، المطولة في جميع فصول الكتاب، فهو يراعي -حسب قول المؤلف- حاجة الطلاب إلى مراجعة النصوص الكثيرة».(ص: 86).

ومن الملاحظات النقدية الأخرى التي سجلها الميلاد بخصوص الكتاب، تلك المتعلقة بفكرة ضم أصول الفقه إلى شعب الفلسفة، فالشيخ مصطفى عبد الرازق، أشار إلى إمكانية ضم أصول الفقه إلى شعب الفلسفة، دون الحديث عن الفكرة بشكل مركز وبطريقة متماسكة، ولم يفرد لها فصلاً أو محوراً مستقلاً لبلورتها وتنضيجها، خصوصاً أنها عُدّت واحدة من ركائز أطروحة الكتاب.

والقدر الذي تحدث عنه المؤلف حول هذه الفكرة جاء متناثراً ومتفرقاً بين أجزاء وفصول الكتاب، في حين أن فكرة بهذه الأهمية كانت بحاجة إلى التوقف مليًّا عندها، والبرهنة عليها وتكثيف الحديث عنها لتوثيقها وتأكيدها وتقعيدها. (ص: 87).

ومن مظاهر إعجاب الميلاد بكتاب التمهيد ولربما تأثره بالشيخ مصطفى عبد الرازق، عدم استرساله في تحديد ملاحظاته النقدية، إذ سرعان ما وجّه نقده لطبيعة الانتقادات التي تعرض الكتاب وصاحبه من لدن بعض الباحثين، أمثال: الدكتور ماجد فخري، والدكتور عاطف العراقي، والدكتور محمد عابد الجابري، والتي كانت موضوع مبحث من مباحث كتابه، تحت عنوان «اتجاهات النقد».

(3)

إبراهيم مدكور.. ومنهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية

وأحسن الأستاذ الميلاد، إذ جعل من كتاب: «في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه» للأستاذ إبراهيم مدكور، تالياً لكتاب التمهيد لمصطفى عبد الرازق، لشدة الترابط بين الكتابين، حيث ظل الحديث عن هذين الكتابين مقترناً في بعض الكتابات العربية، ولكون صاحبيهما في نظر العديد من الباحثين، «من الأساتذة الذين ساهموا مساهمة كبيرة في إعادة بحث وإحياء الفلسفة في الفكر العربي الحديث، بعد أن بقيت مخنوقة مقموعة طيلة عصر الانحطاط، بل منذ وفاة ابن رشد» .

ومن أكثر ما تميز به مدكور في كتابه: «في الفلسفة الإسلامية..منهج وتطبيقه»، هو ذلك الجانب الذي يتصل بالمنهج التطبيقي، فهو من أكثر المؤلفات وضوحاً في المنهج من الناحيتين النظرية والتطبيقية، واتسم بالتجديد والابتكار من هذه الناحية، وكانت هذه من أعظم نجاحاته، بحيث يمكن القول: إنه كتاب في الفلسفة من جهة، وكتاب في المنهج من جهة أخرى، ولا يزال إلى اليوم يحتفظ بهذه السمة المتفوقة. (ص: 100).

لهذا يعد كتاب: «في الفلسفة الإسلامية..منهج وتطبيقه»، من المحاولات الأولى التي اتخذت طابعاً منهجيًّا في دراسة الفلسفة الإسلامية.

والمنهج الذي يعول عيه إبراهيم مدكور، ويقترحه في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها، يتحدد –حسب الميلاد- في نطاقين هما:

أولا: المنهج التاريخي، الذي يرى فيه مدكور أنه المنهج: « الذي يصعد بنا إلى الأصول الأولى وينمي معلوماتنا، ويزيد ثروتنا العلمية، وبواسطته يمكن استعادة الماضي، وتكوين أجزائه البالية، وعرض صورة منه تطابق الواقع ما أمكن».(ص: 100).

ثانيا: المنهج المقارن الذي يرى فيه مدكور أنه المنهج: «الذي يسمح بمقابلة الأشخاص والآراء وجهاً لوجه، ويعين على كشف ما بينها من شبه أو علاقة، والمقارنة والموازنة من العلوم الإنسانية بمثابة الملاحظة والتجربة من العلوم الطبيعية». (ص: 102).

ويشير الميلاد إلى أن الإبداع والتجديد الذي ميّز الدكتور إبراهيم مدكور، لا يكمن في التحديد للمنهج من الناحية النظرية، فهو من المناهج المعروفة والمتداولة والمفضلة عند الكثيرين، وإنما يكمن في تطبيقات هذا المنهج، وهي التطبيقات التي هي بنية الكتاب الأساسية، وتجلت فيها أطروحته. (ص: 103).

ولقد طبّق مدكور منهجه ذاك على خمسة نظريات تنتمي إلى الفلسفة الإسلامية، ثلاث منها جرت التطبيقات عليها في الجزء الأول، وهي نظريات السعادة، والنبوة، وخلود النفس، واثنتان جرت التطبيقات عليهما في الجزء الثاني، وهما نظريتا الألوهية وحرية الإرادة.

وطريقة مدكور في تطبيقات المنهج على هذه النظريات الخمس، تبدأ بتوضيح النظرية وإعطاء فكرة عنها، وشرحها بلغة أصحابها وواضعيها، وبحث الصورة التي ظهرت عليها في المجال الإسلامي، ومحاولة تلمّس أصولها، والبحث عن مصادرها فيما نقل إلى العربية، من أفكار أجنبية، أو فيما جاء به الدين من تعاليم.

ومن ثم تتبع تاريخ هذه النظريات، والكشف عن مدى تأثيرها في ساحة المسلمين، وعلى غير المسلمين من اليهود والمسيحيين.ولا تنتهي هذه التطبيقات عند هذا الحد، وإنما تمتد إلى العصور الحديثة، وتصل أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك. (ص: 103-104).

وقد تحدث مدكور عن المستشرقين وهو يؤرخ لدورهم في مجال العناية بالدراسات الإسلامية بشكل عام، والدراسات الفلسفية بشكل خاص، منوهاً بهذا الدور، وبهذا الموقف قد ظهر بمظهر صاحب الموقف الهادئ والإيجابي من الاستشراق والمستشرقين، وكان بعيداً كل البعد عن التشكيك والانفعال بخلاف موقف الكثيرين، في المجالين العربي والإسلامي، ومن هذه الجهة يمكن تصنيف موقف مدكور في خانة أصحاب الموقف الإيجابي تجاه الاستشراق الأوروبي. (ص: 107).

ويفسر الأستاذ الميلاد هذا الموقف بالطبيعة الفكرية المتسامحة عند الدكتور مدكور التي تجلّت بوضوح في كتابه «في الفلسفة الإسلامية»، ومنها عامل التتلمذ على المستشرقين، والزمالة لهم والصحبة معهم. ويتمم هذه العوامل، أن مدكور حين التفت إلى حقل الدراسات الفلسفية في المجال العربي ما بين الثلاثينات والأربعينات من القرن المنصرم، لم يجد من الترجمات والتحقيقات والنصوص والمؤلفات سوى كتابات المستشرقين التي رجع إليها، واستعان بها في إعداد وتصنيف كتابه عن الفلسفة الإسلامية، وأشار إلى هذه الملاحظة في مقدمة الكتاب معترفاً لهم بالفضل. وأظن –يقول الميلاد- أن هذه العوامل مجتمعة، تقدم تفسيراً معقولاً ومتماسكاً لموقف مدكور تجاه ظاهرة الاستشراق والمستشرقين. (ص: 108-109).

بيد أن هذا الموقف الإيجابي لمدكور من الاستشراق والمستشرقين لم يمنعه من رفض التشكيك الاستشراقي في أصالة الفلسفة الإسلامية، وفي هذا النطاق جاء كتاب الدكتور مدكور، وإلى هذه المهمة ينتمي في أطروحته الفكرية، وبها تتحدد حكمته وفلسفته، وهذا ما يتكشف حين التعرّف إلى الإشكالية الأساسية التي ينطلق منها. (ص: 110).

ويرى الدكتور مدكور أن هناك ثلاث بيئات في المجال الإسلامي عُنيت بالفكر الفلسفي وكانت متعاصرة، وأخذ بعضها عن بعض، مع ما ظهر منها من مناقضة ومعارضة، ولن يكتمل البحث عن الفكر الفلسفي الإسلامي قضاياه ومشكلاته إلَّا باستعراض هذه البيئات الثلاث، وهي: البيئة الكلامية، وبيئة الفلاسفة الخلص، وبيئة المتصوفة. ولم يقف الفكر الفلسفي الإسلامي عند هذه البيئات الثلاث، بل امتد عند مدكور إلى ميادين أخرى، منها ميادين أدبية ونحوية وبلاغية، وميادين أخرى منها ميدان علم الأصول الذي هو ضرب من مناهج البحث في التشريع الإسلامي وقد غذي بغذاء فلسفي. (ص: 113-115).

ويشير الميلاد إلى أن نظرية الدكتور مدكور في دراسة الفلسفة الإسلامية، تحددت في ربط هذه الفلسفة بمراحل تطوُّر الفكر الإنساني القديم والوسيط والحديث، وعلى أساس أنها تمثل مرحلة من مراحله المهمة والمؤثرة، وحلقة من حلقاته المتصلة والفاعلة، والنظر لها بهذا النمط، ودراستها في هذا الإطار، ومن خلال هذا المنهج. ولقد حاول مدكور، يقول الميلاد: التركيز على هذه النظرية، ولفت الانتباه إليها، وظل يذكر بها من أول الكتاب في المقدمة إلى نهايته في الخاتمة. (ص: 116).







    رد مع اقتباس
قديم 2014-10-15, 19:28 رقم المشاركة : 22
خادم المنتدى
مدير التواصــل
 
الصورة الرمزية خادم المنتدى

 

إحصائية العضو








خادم المنتدى غير متواجد حالياً


وسام المشاركة السيرة 1438ه

وسام المشاركة في مسابقة السيرة النبوية العطرة

العضو المميز لشهر فبراير

افتراضي رد: دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية


وقد عرض الأستاذ الميلاد لاتجاهات النقد التي وقف عليها تجاه رؤية ومنهج الدكتور مدكور، وقد تحددت عنده في ثلاثة مواقف تنتمي إلى ثلاث بيئات عربية هي: لبنان ومصر والمغرب، وقد جاءت هذه المواقف -بحسب رأي الميلاد- متغايرة من حيث المنطلق والباعث، وهكذا من حيث المحتوى والمضمون النقدي. وهذه المواقف بحسب ترتيبها الزمني هي: نقد ماجد فخري، نقد علي سامي النشار، نقد محمد عابد الجابري. وقد عقب الميلاد على انتقادات كل واحد من الباحثين المذكورين، رادًّا كثيراً منها.(ص: 123-128).

واحتفظ الميلاد بحقه في النقد من خلال تسجيله لبعض الملاحظات حول كتاب: «في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه»، والتي جاءت إحداها متعلقة بالشكل العام للكتاب، الذي كان الجزء الأول منه -في نظر الميلاد- كافياً في تحقيق الغرض من جهة بلورة وتحديد المنهج، أما الجزء الثاني فهو أشبه ما يكون بحاشية على الجزء الأول. وهو ما يؤكده بحسب الميلاد اهتمام الباحثين بالجزء الأول من الكتاب، الذي كان الأكثر عناية واهتماماً بخلاف الجزء الثاني الذي لم يحظ بدرجة كافية من الاهتمام. (ص: 129). وجاءت أخرى كاشفة لتقليل مدكور من مكانة كل من: الكندي وابن رشد، في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وذلك بخلاف الصورة اللامعة التي ظهرا عليها في كتابات عربية أخرى. (ص: 133).

هذه بعض من ملاحظات نقدية ختم بها الأستاذ الميلاد الفصل الثالث من كتابه. لينتقل إلى الفصل الرابع الذي خصصه لمؤلف (بكسر اللام)، قدّم إضافات مهمة لاكتشاف المنهج الفلسفي عند المسلمين من خلال كتابه: «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام». الكتاب الذي نال عليه جائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1962م.

(4)

علي سامي النشار.. ومنهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية

الدكتور علي سامي النشار، من أساتذة الفلسفة الإسلامية المعروفين في المجال الأكاديمي العربي، عمل في العديد من الجامعات العربية واستفادت من خبرته المعرفية والأكاديمية. أصدر الدكتور علي سامي النشار الكثير من المؤلفات والتحقيقات، ولعل أشهرها كتاب: «نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام».

ويتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء، الجزء الأول خصصه المؤلف للحديث عن رؤيته العامة للفلسفة الإسلامية، وتاريخ نشأة هذه الفلسفة بالعودة إلى مذاهب الفقهاء، ومذاهب المتكلمين المسلمين، وخصص الجزء الثاني للحديث عن تاريخ مذاهب المسلمين الشيعة، والجزء الثالث خصصه للحديث عن مذاهب الزهد والتصوف في الإسلام خلال القرنين الأول والثاني الهجريين.

وفي نظر الدكتور النشار أن تاريخ الفلسفة الإسلامية لن يستقر استقراره الكامل حتى يُنشر الدفين من المخطوطات العربية..، مع تأكيده أن البحث في نشأة الفلسفة الإسلامية لم يُهتم به بعدُ، ولا بد من سنوات أخرى تبرز فيها وثائق لا زالت مطمورة، وتتضح فيها حقائق بقيت مغمورة تُبيِّن أصالة هذه الفلسفة وقوتها الدافقة، وتكشف عن تكامل نسقها.(ص: 141).

وقد تنبَّه أستاذنا الميلاد إلى ملاحظة قلَّما تم الالتفات إليها من لدن الباحثين المهتمين بمجال الدراسات الفلسفية، وهي أن الدكتور سامي النشار، يقدم نفسه بوصفه صاحب مدرسة مستقلة في الفلسفة الإسلامية، مغايرة ومختلفة عن مدرستين فلسفيتين ظهرتا في مصر، أشار إليهما النشار وتحدث عنهما، وكان على تواصل واحتكاك بهما، يتفق معهما في جوانب ويختلف معهما في جوانب أخرى. (ص: 143).

وهذه المدارس هي: أولاً مدرسة الشيخ مصطفى عبد الرازق، وثانياً مدرسة الدكتور محمود قاسم، ومما يلفت الانتباه التحول في موقف النشار من أستاذه مصطفى عبد الرازق، الذي بدا بصفته تلميذاً وفيًّا ومخلصاً لأستاذه الشيخ عبد الرازق، في كتاب: «مناهج البحث عند مفكري الإسلام». أما في كتابه «نشأة التفكير الفلسفي في الإسلامي» فقد ظهر النشار بصفته صاحب مدرسة تختلف مع مدرسة أستاذه عبد الرازق، وتحول التلميذ المخلص إلى ناقد لأستاذه ومدرسته الفلسفية.

وقد تعقّب الميلاد تفسيرين لهذا التحول في موقف النشار، الأول: إيجابي، أشار إليه أحد تلامذة النشار، وهو الدكتور عبده الراجحي، والثاني سلبي وهو للدكتور محمد عابد الجابري. وبعد نظره في التفسيرين يقول الميلاد: إنهما يظهر عليهما التحيّز من جهتين مختلفتين، فالتفسير الأول ظهر عليه التحيّز من جهة علاقة التلميذ بأستاذه، والتفسير الثاني ظهر عليه التحيّز من جهة الموقف الأيديولوجي. (ص: 150-151).

وعلى أساس هذا التمايز والاختلاف مع مدرسة عبد الرازق أعلن النشار عن مدرسته، وعن حقيقتها. لتضاف إلى المدرستين السالفتي الذكر. وهي المدارس الثلاث ومناهجها في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية، التي تحدث عنها النشار، ولفت الانتباه إليها. (ص: 152).

وفي إبرازه لهذا التمايز بين النشار ومدرسة مصطفى عبد الرازق، أشار الدكتور الميلاد إلى مفهوم الأصالة عند النشار، المفهوم الذي كان له دور أساسي في تشكيل طبيعة رؤية الدكتور النشار لمفهوم الفلسفة الإسلامية وتاريخها. يقول الميلاد: ولا يمكن لهذه الرؤية وتحليلها وتكوين المعرفة بها، بعيداً عن هذا المفهوم الذي تمسك به النشار بشدة واضحة، وبطريقة جعلته يفارق الآخرين، الذين يقولون أيضاً بأصالة الفلسفة الإسلامية ويدافعون عنها، وكانوا السابقين لهذا المنحى، كالشيخ مصطفى عبد الرازق ومن ينتمون إلى مدرسته الفلسفية، والدكتور إبراهيم مدكور وآخرين.

وهذا يعني –في نظر الميلاد- أن مفهوم الأصالة بقدر ما مثَّل عنصر اشتراك بين النشار وأولئك الآخرين، بقدر ما مثل أيضاً عنصر افتراق مع هؤلاء الذين اختلف معهم في طريقة النظر لهذا المفهوم وسعته ومرونته.

وعنصر الافتراق، تحدّد في الموقف من فلاسفة المسلمين، الذين لا يمثلون في نظر النشار مكوناً أصيلاً في الفلسفة الإسلامية، ويرفض رفضاً قاطعاً تصنيف هؤلاء على الفلسفة الإسلامية، والانتساب إلى أصالتها وإبداعها.

والمقصود بهؤلاء الفلاسفة كل من الكندي والفارابي وابن باجة وابن سينا وابن طفيل وابن رشد، الذين يعتبرهم النشار متفلسفة وليسوا فلاسفة، ويصفهم بمقلدة اليونان.(ص: 154). وفي هذا النطاق، انتقد النشار كلًّا من مصطفى عبد الرازق وإبراهيم مدكور، لكونهما اعتبرا هؤلاء يمثلون الفلسفة الإسلامية في أصالتها وإبداعها. (ص: 155).

وما يريد النشار أن ينتصر له وينتهي إليه في موقفه، من أصالة الفلسفة الإسلامية وإبداعها، قد قرره الميلاد في أربعة نقاط، لعل من أبرزها تلك التي أشار إليها النشار نفسه، ومفادها أنه ينبغي التفريق دائماً بين إسلاميين يحملون أسماء إسلامية وقد قبلوا التراث اليوناني في كلياته، وحاولوا التوفيق بينه وبين الإسلام، وبين مسلمين صدروا في فلسفتهم عن القرآن والسنة، وعبَّروا تعبيرا داخليًّا عن المجتمع الإسلامي الذي عاشوا فيه، وتمثلوه أو تمثلهم، لم يبدع الأولون شيئاً، كانوا شرّاحاً للفكر اليوناني، أشبه ما يكونوا بالشراح الإسكندريين المتأخرين. أما الآخرون فكانوا فلاسفة الإسلام على الحقيقة، والمعبرين عن بنياته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. (ص: 158).

كما يرى النشار أن الفلسفة الإسلامية هي فلسفة كاملة في تعبيرها عن الإسلام الحقيقي، وأهلها مسلمون روحاً وجسداً، والإبداع الفلسفي في الإسلام إنما ظهر عند المعتزلة وأعقبهم الأشاعرة والشيعة، وهنا تكمن فلسفة الإسلام الحقيقية. (ص: 158).

وبهذا الفكرة الخاطئة التي كانت تقرر عدم أصالة الفكر الفلسفي في الإسلام قد انتهت في نظر النشار، شأنها في ذلك شأن أختها التي كانت تقصر الفلسفة الإسلامية في نطاق الفلسفة المشائية، والتي انتهت بدورها. (ص: 159).

وتركز أطروحة النشار في دراسة الفلسفة الإسلامية -بحسب الميلاد- على إقامة التعارض والتعارض الشديد ما بين هذه الفلسفة والفلسفة اليونانية، وهي القضية التي أثارت حفيظته، وشغلت ذهنه، وتوقف عندها كثيراً، وبذل جهداً في نقدها، وفي إثبات هذا التعارض والبرهنة عليه بكل ما لدية من خبرة ومعرفة. (ص: 160).

وعن عوامل نشأة الفلسفة الإسلامية، يغلب الدكتور النشار العوامل الخارجية على العوامل الداخلية في نشأة الفلسفة الإسلامية، ويرى أن العوامل الخارجية –والتي أجملها في العامل اليهودي والعامل المسيحي، وعامل الفلسفة اليونانية، وعامل المذاهب الغنوصية الشرقية- كانت من أهم العوامل التي أثارت في المسلمين روح التفلسف الحقيقي. يقول الميلاد: وهو لا يزعم -حسب قوله- أن الفرد المسلم كان خلواً من نزوة التفلسف، وإنما لاعتقاده أن الإسلام أراد من الفرد المسلم أن ينأى عن البحث في الميتافيزيقا، ليجعل منه إنساناً عمليًّا يُنتج ويبدع في نطاق العمل فقط. (ص: 163).

وكغيره من المؤلفات السابقة لم يسلم كتاب «نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام» من ملاحظات نقدية للأستاذ الميلاد، لعل من أشدها نقداً تلك التي استهل بها الأستاذ الميلاد ملاحظاته، ومفادها أن في محاولة النشار الاستقلال بمدرسته، عن أستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق، مثّلت موقفاً متراجعاً عن رؤية عبد الرازق، بمعنى أن رؤية عبد الرازق كانت أكثر تقدّماً ونضجاً وانفتاحاً واعتدالاً من رؤية النشار، الذي كان مسكوناً بهاجس الأصالة، الهاجس الذي أضفى نوعاً من التشدّد على رؤية النشار. (ص: 169).

والثانية تلك المتعلقة بموقف النشار من الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وهو الموقف الذي اتسم -في نظر الميلاد- بالقسوة الشديدة التي أفقدته التوازن والاعتدال، ومن ثم رفضه وعدم قبوله. (ص: 169).

باقي الملاحظات النقدية جاءت مرتبطة بالتحيّز الملحوظ للغزالي على حساب ابن رشد، وكذا تحيّزه للمدرسة الأشعرية، على بقية المذاهب الأخرى...

(5)

هنري كوربان.. ومنهج دراسة الفلسفة الإسلامية

لم يأتِ إدراج الأستاذ الميلاد لكتاب هنري كوربان «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، ضمن لائحة الكتب المهتمة بتاريخ الفلسفة الإسلامية اعتباطاً، وإنما فرضته أهمية الكتاب وقيمته العلمية، ذلك أنه عند البحث في الكتابات الحديثة التي تناولت تاريخ الفلسفة الإسلامية، لا يمكن تجاهل المفكر الفرنسي هنري كوربان (1903 - 1978م)، الذي صنّف كتاباً مهمًّا في هذا المجال، حمل عنوان: «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، صدر باللغة الفرنسية سنة 1964م، وترجم إلى اللغة العربية وصدر في بيروت سنة 1968م، وقد قام بهذه الترجمة، نصير مروة بالاشتراك مع حسن القبيسي، وراجعها وقدم لها السيد موسى الصدر.

ويعد هنري كوربان أحد الباحثين الغربيين البارزين في مجال تاريخ الفلسفة الإسلامية، وأحد المتخصصين بحقل الفلسفة الإشراقية وبالإسلاميات الإيرانية، مع عنايته الفائقة بشيخ الإشراق شهاب الدين يحيى السهروردي. (ص: 181).

ولقد شرح الأستاذ الميلاد أسباب هذه العناية بالسهروردي، ومحطات تجربة كوربان الفكرية والفلسفية. وهي التجربة التي مرّت بثلاث محطات كانت جميعها خارج موطنه فرنسا بدءاً بألمانيا ومروراً بتركيا وصولاً إلى إيران. وهي محطات كشفت عن التجربة الفكرية والفلسفية لكوربان، وكيف أنها مثّلت أحد جسور التواصل بين ثقافة الغرب وثقافة الشرق. (ص: 184).

وقد أجمع العديد من المهتمين بتاريخ الفلسفة الإسلامية، على أهمية كتاب كوربان: «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، يؤكد ذلك الدكتور بيار لوري، أستاذ كرسي التصوف الإسلامي في معهد الدراسات العليا بجامعة السوربون، واعتبره السيد موسى الصدر فاتحاً أمام الفكر الغربي باباً واسعاً وجديداً للثقافة الشرقية، وكشف له كنوزاً غنية بالإنتاج الديني والفلسفي والتصوف الأصيل، أما القارئ العربي فسوف يجد في ترجمة هذا السفر الجليل، حسب وصفه، متعة فكرية، واعتزازاً بما أنتجته بلاده، وبما أنتجه الشرق كله، وندماً بجهله أو تجاهله لتراثه الثقافي والحضاري العظيم. (ص: 185).

وقد تساءل الأستاذ الميلاد: هل كوربان مستشرق أم فيلسوف؟، وهو سؤال طرحه الذين تعرّفوا إلى كوربان وصاحبوه من الفرنسيين والعرب والإيرانيين، والذين اقتربوا من تجربته الفكرية وتابعوا أعماله ومؤلفاته. وقد أجمعوا أن كوربان من حيث المنهج هو فيلسوف أكثر منه مستشرقاً. بيد أن الأستاذ الميلاد يرى أنه من الصعب سلب صفة الاستشراق عن كوربان، وإخراجه من هذه الصفة، لكن يضعه في مرتبة مختلفة بين طبقات المستشرقين. (ص: 190).

يزعم كوربان أن ليس له سلف في هذا الطريق، شأنه في ذلك شأن المستشرق الهولندي دي بور في كتابه السابق الذكر، ولقد سلّم الأستاذ محمد عابد الجابري للثاني بصحة قوله، وأنكر ذلك على الأول. وقد أورد الأستاذ الميلاد براهين كوربان للتدليل على صحة ادعائه. (ص: 192).

ويشير الميلاد إلى أن كوربان قد حاول في كتابه، تحديد منابع التأمل الفلسفي في الإسلام من داخل المجال الإسلامي نفسه لا من خارجه، وذلك تقديراً منه واعترافاً بأن في الإسلام منابع للتأمل الفلسفي، تولدت منها ونشأت وتطورت فلسفة إسلامية، ظلت متميزة ومستقلة عن الفلسفات الأخرى، التي ظهرت وعرفت في العصور القديمة والوسيطة والحديثة. وهو ما يرفضه المستشرقون، ولا يرغبون في الاعتراف به. (ص: 197).

ومن المقولات التي حاول كوربان ردها –بحسب الميلاد- القول بأن الفلسفة توقّفت مع ابن رشد، وأن أبا حامد الغزالي قد أطاح بالفلسفة في العالم الإسلامي، وهي المقولة التي ظلّت سائدة ومتداولة في أوساط المستشرقين الأوروبيين، وعن طريقهم شاعت عند العرب والمسلمين في العصر الحديث. وقد دخل كوربان في محاججة ونَقَضَها وبيَّن تهافتها، وأكد أنه لا يتبع المستشرقين، ولا يسير على نهجهم.

ويشير الميلاد إلى أنه وعلى الرغم من أهمية هذه المحاججة فإن كوربان لم يخصص لها فصلاً أو باباً مستقلاً، ولا فقرةً في كتابه، وإنما أشار إليها وظلّ يكررها، ويبدو أن هذه المحاججة فتحت أمام كوربان أفقاً جديداً في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها، الأفق الذي مضى فيه كوربان إلى نهايته، وانتهى به المطاف إلى وضع مخطط جديد في دراسة الفلسفة الإسلامية، جاء مختلفاً ومغايراً للآخرين، وللمستشرقين بصورة خاصة. (ص: 200).

ويؤكد الميلاد أن كوربان حاول لفت الانتباه إلى العامل الشيعي في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية، وأنه بذل جهداً في الكشف عنه، وإثباته والبرهنة عليه، بيد أن الميلاد لم يقتنع بالكيفية التي تناول بها كوربان هذه المسألة، إذ لم يخصص لها فصلاً أو باباً مستقلاً، وإنما جاء حديثه عنها متفرّقاً ومتناثراً بين ثنايا كتابه. (ص: 203).

وفي تعقبه لاتجاهات النقد حول الكتاب وقف الميلاد على ثلاث اتجاهات في نقد كتاب كوربان، وهي اتجاهات تنتمي إلى ثلاث بيئات اجتماعية، وثلاثة فضاءات فكرية، وجاءت متنوعة ومختلفة من حيث البواعث والمنطلقات والمقاصد، وهذه الاتجاهات هي: نقد الفرنسيين، ونقد السيد موسى الصدر، ونقد الدكتور محمد عابد الجابري.(ص: 205-215).

ويبدو أن كتاب: «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، للمستشرق الفرنسي هنري كوربان، لم يحظَ بإعجاب أستاذنا الميلاد، وهو ما يُعبِّر عنه قول الميلاد: بخلاف الانطباع الذي أشار إليه السيد موسى الصدر، فإني لم أجد في كتاب كوربان، تلك المتعة الفكرية، ولم أجد فيه كذلك ذلك الاعتزاز بما أنتجه الشرق، ولم أجد فيه ندماً لجهلنا أو تجاهلنا لتراثنا الثقافي والحضاري العظيم.

وبخلاف الانطباع الذي أشار إليه الدكتور غلام رضا أعواني، وكان مسروراً به، فإني لم أكن مسروراً بذلك المجهود الذي بذله كوربان في تقديم الفلسفة الإسلامية، وتعريف حكماء الغرب عليها، وتعريفهم بنهضة التشيع التي لم يهتموا به كما يجب. وبخلاف الانطباع الذي أشار إليه الدكتور حبيب فياض، وكان مطمئناً إليه، فإني لم أجد في كوربان ما قال عنه. (ص: 216).

وعن سبب عدم اقتناع الميلاد بكتاب كوربان، يقول: والذي وجدته من خلال كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، أن كوربان قرأ الإسلام بما تهوى نفسه، وجلب معه مؤثرات خارجية فاعلة في بيئته الثقافية الغربية، ولم أجد في نتاجه ملهماً عقائديًّا للمسلمين، ولا أنه يضع الباحث المسلم أمام منظومة دينية أعيد تشكيلها على أسس فلسفية محكمة، وما وجدته عكس ذلك تماماً كما تجلَّى عندي من خلال كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية». (ص: 216).

يضيف الميلاد مؤكداً رفضه للانطباعات الإيجابية عن الكتاب: كيف نقول مثل هذه الانطباعات، وكان هَمُّ كوربان في كتابه أن يظهر علاقة الإسلام بالغنوصية تارة، وعلاقة التشيع بالهرمسية تارة أخرى، وعلاقة التشيع بالتصوف، وتارة علاقة التشيع بالباطنية، وكتابه في روحه وأطروحته وبنيته قائم على هذا المنحى، وداعٍ إليه، ومُعرِّف به، ومدافع عنه ومنتقد لمعارضيه، وهذا ما كان يهواه لنفسه فعلاً، وما هو بحاجة إليه في بيئته ومجتمعه. (ص: 217).

(6)

ماجد فخري.. ومنهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية

كان كتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، للدكتور ماجد فخري، آخر فصول كتاب الأستاذ الميلاد «دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية»، والكتاب أصدره الدكتور فخري، باللغة الإنجليزية سنة 1970م، بعنوان: «تاريخ الفلسفة الإسلامية.. منذ القرن الثامن إلى يومنا هذا»، طبعته جامعة كولومبيا بنيويورك، وصدرت طبعته العربية في بيروت سنة 1974م. قام بترجمتها كمال اليازجي.

والدكتور ماجد فخري أستاذ جامعي معروف في الوسط الأكاديمي، وباحث متخصص في حقل الدراسات الفلسفية، صدرت له الكثير من المؤلفات والتحقيقات والترجمات في الفلسفة، والفلسفة الإسلامية. ويعد كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، أحد أهم مؤلفاته، وأكثرها شمولية وسعة، من حيث القضايا والموضوعات المطروحة والمعالجة، ومن حيث مساحة وامتداد الفترة الزمنية والتاريخية، ومن أكثر مؤلفاته عناية واهتماماً، إذ ترجم إلى الفارسية والتركية والصينية والفرنسية والهندوسية. (ص: 225-226).

وعن موقف الدكتور ماجد فخري من الاستشراق، يؤكد الميلاد أن فخري ظل يمتدح المستشرقين، ويشيد بدور الاستشراق، لهذا –في نظر الميلاد- فإن كتابات فخري تخلو من أي نقد واضح تجاه الاستشراق والمستشرقين على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم الفكرية والفلسفية، وحتى تجاه أولئك المتشددين من المستشرقين، وتجلى ذلك في كتابه «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، الذي جاء خالياً تماماً من أي نقد. (ص: 229-230).

والفلسفة الإسلامية عند ماجد فخري تعني أنها ذلك التيار الذي تأثر بالفلسفة اليونانية، وأصبح الطابع اليوناني هو الجانب الأبرز فيه، وبات يعرف تمييزاً له. وعن هذا يقول الميلاد: هذه الرؤية هي المفتاح لمعرفة فلسفة هذا الكتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، وهي أكثر ما يكشف هويته، فهي الرؤية التي سارت بين أجزائه من البداية حتى النهاية، وعكست الروح العامة فيه. (ص: 231).

وبعد عرضه لمحتويات كتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، (ص: 235-238)، سجّل الدكتور الميلاد مجموعة من الملاحظات النقدية، لعل أهمها، تلك المتعلقة بعدم اتزان ماجد فخري في موقفه من الاستشراق الأوروبي، كما يعيب الميلاد عن فخري اعتماده الكبير على المنهج الاستشراقي، الأمر الذي لم يقدّم معه فخري أي جديد يُذكر، ولم يُثِرْ دهشة، أو يفتح أفقاً. (ص: 244).

كما عاب الميلاد على فخري اعتماده المنهج التاريخي في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية، حيث غلب على كتابه السرد والتوصيف، وقلَّ فيه التفسير والتحليل، والجدير بالإشارة أن المنهج التاريخي هو المنهج الذي ينصح به المستشرقون، ويفضلونه دائماً. (ص: 246).

(7)

على سبيل الختم

بكتابه «دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية»، يكون الأستاذ زكي الميلاد قد قدَّم خدمة جليلة للمشتغلين بالبحث الفكري، الذي يتطلَّب تواصلاً مستمراً وفعّالاً مع الفلسفة، لما تسهم به الفلسفة من تعميق للمعرفة من جهة، وتطوير ملكة النقد من جهة ثانية، وتنمية الخبرة في الكشف عن كليات القضايا وما ورائياتها وحكمها ومقاصدها وغاياتها من جهة ثالثة، ومن جهة رابعة لامتلاك القدرة على الربط بين العلوم والمعارف، بناء على قاعدة أن إلى جانب كل علم هناك فلسفة، وأن ليس هناك علم بلا فلسفة، يقول الأستاذ الميلاد.

لقد تميَّز كتاب «دراسات في تاريخ الفلسفة الإسلامية»، بالجدة والجودة والجدية في معالجة فصوله ومباحثه، يظهر ذلك من خلال الحسّ النقدي الذي عالج به الميلاد موضوعات كتابه، الحس الغائب عن كثير من التآليف المهتمة بتاريخ الفلسفة الإسلامية.

فالميلاد لم يقتصر على تقديم الكتب الستة التي شكَّلت محور كتابه، وإنما عمل على تقديم دراسة نقدية مستفيضة بخصوص كل واحد منها. فالقارئ بقراءته للكتاب سيظفر بمعرفة مزدوجة؛ التعرُّف إلى الكتاب الأصل وعن أطروحة صاحبه، وكذا التعرّف إلى اتجاهات النقد المختلفة حوله. وفي تقديري، فإن الكتاب يعتبر مساهمة قيمة للتعريف بتراثنا الفلسفي، أملاً في إعادة إحياء الفلسفة الإسلامية للمساهمة في معالجة مشكلات وقضايا العصر.

ولأن الفلسفة لم تشتهر بشيء اشتهارها بممارسة السؤال، ولم يُطْبِق المشتغلون بها على شيء إطباقهم على هذا الوصف، نختم مساهمتنا المتواضعة هاته، بسؤال مفاده: كيف السبيل إلى إقامة فلسفة إسلامية في زمننا المعاصر؟.






    رد مع اقتباس
قديم 2014-10-15, 19:32 رقم المشاركة : 23
خادم المنتدى
مدير التواصــل
 
الصورة الرمزية خادم المنتدى

 

إحصائية العضو








خادم المنتدى غير متواجد حالياً


وسام المشاركة السيرة 1438ه

وسام المشاركة في مسابقة السيرة النبوية العطرة

العضو المميز لشهر فبراير

افتراضي الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، للدكتور أحمد محمود صبحي


الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، للدكتور أحمد محمود صبحي





تتعرض هذه الزاوية ـ في نطاق عناية المجلة برصد الإنتاج الفكري في المحيط العربي والإسلامي ، وتتبع مضامينه ـ إلى ما تنفتق عنه القرائح من عطاءات في شتي ضروب المعرفة ومناحيها ، وما تجلوه الأبحاث والدراسات المقدمة في هذا النطاق ، من وجهات في النظر والتحقيق والتمحيص ، وما تبرزه من خطوط فكر في التقييم والتنظير ، وما تحمله الصياغات الأدبية في طيها من تأملات ورؤى خلال الحياة ، على اختلاف الصور والأحوال . وجوهر المتوخي في هذه العروض ، اظهار القارئ على ما تنضح به دنيا الفكر هنا أو هناك ، مما يجد فيه المعنى بمواضيع الثقافة والمعرفة بعض ما يفيده : وأن كانت الفائدة في هذا المضمار مختزلة، تنبنئ عن اتجهات البحث والرأي في الموضوعات والقضايا ، دون تتغلغل في العمق الموفور ـ على أي حال ـ لمن شاء الرجوع إلى المصنفات المتطرق إليها في الحديث . وواضح من هذا ، أن النهج في هذه الموضوعات ، سوف لا يكون ـ بالضرورة ـ نهجا نقديا ، يتناول الأعمال المعروضة من زوايا نظر تستهدف إبراز الراجح والمرجوح في العمل ، وبلورة مواطن الضعف والقوة في محتواه ، ذلك أن القصد في الأساس هو التقديم والتعريف ، وليس الوزن ولتقييم.
على أن هذا الاجتزاء ، لا يمنع ـ مع ذلك ـ من مس الموضعات المتطرفة إليها ببعض اللمسات النقدية ، إن إقتضى الحال ، إلا أن الأمر في ذلك ، لا يعدو نطاقا محدودا ، يركز فيه خاصة على استجلاء مواطن الإجادة ، واستخلاص أجمع الخلاصات مما هو مفيد وممتع في الموضع المطروح ، وعلى الله ألإتكاء .
تعددت الآراء على نطاق واسع في مواضع الأخلاق ، تبعا لدقة مدلول هذا الموضوع ، وتشابك منازع التصور والرأي فيه لدقة هذه ، وتعدد المفاهيم حوله .
والأمر ـ كما يعلم ـ يتدرج في إطار البحث عن الإنسان ، وبما يدخل في إطار هذا البحث من مناج يتصل بعضها ـ من زاوية النظر العلمي الحديث ـ يعلم النفس أو يعلم الاجتماع أو يغيرهما ، بينما يتصل بعضها الآخر بالعلوم المادية كالوراثة وعلم الأحياء وسوى ذلك .
وتمس الاختلافات من هذا القبيل ، مجال التعريفات الأولية نفسها ، مثلما تمس التفاصيل الأكثر تشعبا ، ومن ذلك ، تأرجحت الأقوال في تعريف الأخلاق بين مختلف المدارس الفكرية ، والمعنية بالموضوع ، وتباينت بقدر ذلك تصورات المنظرين عن الأصول المستمدة منها الأخلاق أهي العقل أم العاطفة أم الإدارة أو خلاف هذا ؟ وتنحدر جذور هذه الاختلافات في الموضوع ، عن الفلاسفة القدماء ـ منذ عهد الإغريق ، الذين خصبت حصيلة أطروحاتهم في أمر الأخلاق بجملة من الآراء والتنظيرات تتناقض بينهما من جوانب . فيما تتكامل من جوانب أخرى .
وقد كان سقراط ، من أوائل من نظروا في المسألة وتوسعوا فيها حتى اعتبر منشئ علم الأخلاق وجاء أرسطو وكانت له في الموضوع جولات تبلور من خلالها رأيه فيه أساس القول بعدم الارتباط بين فلسفة الأخلاق وما وراء الطبيعة .
وهو ما اختلف فيه أرسطو عن سقراط الذي كان يرى ـ على العكس ، إلا داعي لفصل الأخلاق عن ما وراء الطبيعة .
ومثل اختلاف النظرية الأسطورية عن مذهب سقراط ، كان اختلافها أيضا عن الفكرة الأفلاطونية في الموضوع .
ويطالعنا كتاب الدكتور محمد محمود صبحي عن الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي " ليركز خاصة على هذا الفرع من المباحث الإسلامية ( فرع الأخلاق ) من وجهة نظر المفكرين الإسلاميين ، وليرسم ـ من خلال ذلك ـ لوحة معبرة عن شتى الاتجاهات التي تبناها هؤلاء المفكرون في القضية ، ووجه التعارض فيما أخذت به في شأنها مدارسهم المختلفة .
لكن هل تقوم فعلا ـ في نطاق الفلسفة الإسلامية ـ فلسفة أخلاق ذات ملامح فكرية كاملة ، على غرار ما يعرضه التراث الفكرية للأمم الأخرى ، العريقة فكرا ؟ يرى المؤلف " أن الفلسفة الأخلاقية من أقل فروع الفلسفة حظا من عناية الدارسين والمؤرخين (1) للثقافة الإسلاميــــــة " (13) ويستشهد على ذلك بابن خلدون وابن صاعد الأندلسي مثلا ، اللذين أغفلا الإشارة للأخلاق فيما استعرضاه من أصناف العلوم .
بل إن الاتجاه بين المؤرخين والدارسين المحدثين ـ كما يذكر في هذا السياق " أن ليس في الفكر الإسلامي مذاهب أخلاقية ، معللين ذلك باستغناء المسلمين بتعاليم القرآن والحديث عن النظر في المسائل الأخلاقية ..(14 ) " إلا أنه يعود بعد ذلك إلى التعقيب على مثل هذه الوجهة في الرأي فيذكر أنها تحتاج إلى مراجعة لأسباب كثيرة .
منها ، أن هؤلاء الدارسين قد دأبوا على إنكار أن يكون للمسلمين فضل في علوم أخرى غير الأخلاق ، الأمر الذي يفرض التشكك في نزاهة مثل هذه التحليلات التي يأتون بها ، سواء في هذا الموضوع أو نحوه .
ومنها ، أن الأحوال السياسية والاجتماعية التي جدت في المجتمع الإسلامي بعد توسيع الفتح ، والاحتكاك بالحضارات الأخرى لم يكن من شأنها إلا أن تطرح عليهم من القضايا والمشكلات الأخلاقية ، ما يدعوهم إلى تناول الموضوع الأخلاقي من وجهة فلسفية متطورة ، وتنظر المعطيات المطروحة عليهم بصدده .
ومنها ، أي من الأسباب التي تدعو إلى نبذ الإدعاء بقصور المسلمين في البحث الأخلاقي لاستغنائهم بالدين عن مثل هذا البحث ، وما هو ملحوظ من أن الثقافة الإسلامية تشتمل على علوم لا تكاد ترتبط بالدين كالفلك والكيمياء والرياضيات فكيف يحول الدين دون البحث في المشكلات الأخلاقية مع أن الأخلاق بطبيعتها أقرب العلوم إلى الدين ؟
وحسبما يوعز إليه المؤلف ، فإن الظن في عدم وجود فلسفة أخلاقية عند المسلمين إنما يرجع إلى مؤثرات المذهب الأسطوري ، الذاهب إلى أنه يجب في البحث عن الأخلاق " الابتداء بالواقع المشاهدة الواضحة أي استبعاد صدور الأخلاق عم مبادئ أو عقائد أو على الأصح عن الميتافيزيقا ( 19) " وهذا عكس ما ذهب إليه المسلمون ، ومن ثم ، حسب المتأثرون ما ذهب إليه المسلمون ، ومن ثم ، حسب المتأثرون بالتفكير الأسطوري ، أنهم لم يأتوا بشئ يعتد به في الأخلاق ، طالما أنهم نهجوا نهجا ميتافيزيقيا في تصوراتهم حول هذا الموضوع .
ويذهب المؤلف في الفصل الثالث من كتاب ، إلى تحليل السند الميتافيزيقي للأخلاق ، ليخلص من ذلك ، إلى ما أراد التوصل إليه من القول ، بأنه كانت للمسلمين فلسفتهم الأخلاقية ، ولو أن منطلقها يختلف عن المنطلق الأرسطووي اختلافا جوهريا .
" إن من غير المتوقع ـ كما يورد المؤلف ـ أن تقوم فلسفة أخلاقية في الفكر الإسلامي دون أن تكون مستقاة من أصول دينية ، وليست الأخلاق علما كالفلك أو الكيمياء أو الطبيعة أو الرياضيات ، ولكنها تشترك مع الدين في تعلقها بالإنسان وتنظيم حياته وسلوكه ومن ثم ، فإنه في الفكر الإسلامي ، لا بد أن يكون الإيمان هو الذي يحدد العمل ، والاعتقاد هو الذي ينظم السلوك (24) " . وفي إيجاز لهذا المعنى يذكر المؤلف في خاتمة الفصل قوله : " خلاصة القول إن النظر سابق على العمل ، وأن الاعتقاد بتقدم السلوك ولا يتبعه ، وأن ما بعد الطبيعة موضوع استدلال عقلي ، وأن النسق اللازم لدراسة الأخلاق لدى مفكري الإسلام ، وأن استوجب استناد القيم الأخلاقية إلى أصول ميتافيزيقية ، فما ذلك إلا لان السلوك لا بد أن يتسق مع الاعتقاد ، وأن الأخلاق لازمة عن الميتافيزيقا لزوما منطقيا ، لاحقة عليها زمنيا " (30) .
وفي دائرة هذا التصور ، التصور الإسلامي لمنطلق فلسفة الأخلاق ، يبني المؤلف هيكل الموضوع الذي تناوله في رسالته والذي ينطبق عليه العنوان الموسومة به الرسالة ، وقد صدر سبيله إلى التغلغل في تفاصيل هذا الموضوع، بالكلام على النهج الذي يعتزم إتباعه ، ويرتكز النهج على عرض المشكلة الأخلاقية عند المسلمين من خلال اتجاهين رئيسيين من اتجاهات الفكر الإسلامي ، هما نزعة العقليين من جهة ، ونزعة الذوقيين.
والنزعتان ـ وفقا لما يراه الكاتب ـ تستقطبان في الأصول ، كافة الفرق الإسلامية " فالمعتزلة يلتقون عند الأصول الخمسة ، وأن جعلهم كتاب الفرق عشرين فرقة وقد تزيد أو تنقص ، وكذلك قد تتفاوت أقوال الصوفية بين متفلسفين ومعتدلين ، ولكنهم لا شك يلتقون عند بعض الأصول ، وإلا لما جمعهم اسم التصرف ..." (33) لكن ، في أي إطار يمكن أن تعرض المشكلات الأخلاقية التي دارت حولها اختلافات الفرق الإسلامية ؟ هل يمكن النظر إلى حصيلة فكر المعتزلة والمتصوفة المسلمين في الموضوع ، على أنه يمثل نسقا خاصا في الفكر معزولا عن تيارات الفكر العالمي ، أو أنه من الملائم إدراجها في نطاق هذا الفكر ، باعتبارها صورة من صوره ؟
يرد المؤلف على هذا التساؤل بصدد عرضه لمنهجه في البحث فيقول معترضا على من ينكرون على موضوعات الفلسفة الإسلامية أية منزلة عالمية: " إن عرض باحث لدراسة مشكلة الفلسفة الإسلامية ، فإن هذه المشكلات تبدو من دراسته كما لو كانت محلية وليست عالمية ، إسلامية وليست إنسانية ، إن هذا النهج في الدراسة ـ فضلا عن أنه قد عزل الفكر الإسلامي عن التيار العام للثقافة الإنسانية ـ فإنه يحمل في طياته التناقض ، إذ أنه بينما طبع المشكلات بطابع محلي بحث ، فإنه جد ويركز في موطن آخر على هذا المعنى فيشير إلى انه " قد تكون هناك عوامل متعلقة بالبيئة الإسلامية هي التي أثارة التيارات الفكرية والمذهب الكلامية بين المسلمين ، ولكن ذلك لا ينفي عن المذاهب جانبها الإنساني ، وطابعها العالمي ، وإلا لما تسنى لهؤلاء المفكرين أن يؤثروا فيمن بعدهم ، ولما استطاعت هذه الفلسفة أن تحمل مشعل الثقافة إلى الغرب لو كانت مشكلاتها وآراؤها مقصورة عليها تدور في فلك خاص بها ... " (36) وبإدخال المؤلف في الاعتبار فكرة المسلمين في الربط بين الأخلاق والعمل على أنهما متلازمان متكاملان(31) يخلص في خاتمة الفصل إلى بلورة عناصر منهجه في البحث وتستغرق ثلاث مراحل هي :
1) ميتافيزيقا الأخلاق ، أو أصول الاعتقاد
2) مقتضيات الأخلاق من الاعتقاد إلى النظر
3) أصول العمل وقواعد السلوك ـ من النظر إلى العمل (37) .
وننتقل ـ بعد هذا ـ مع الكاتب ، إلى تحليله لجوانب المشكلة الأخلاقية عند العقليين ، ونموذجهم البارز المعتزلة . والمعتزلة ـ في سياق قوله : " هم المعبرون عن النزعة العقلية في التفكير الإسلامي ، ليس ذلك لأنهم استدلوا على العقائد السمعية بأدلة عقلية فحسب ، ولكنهم لأنهم وثقوا بالعقل إلى حد أن لو تعارض النص مع العقل ، رجحوا دليل العقل ، ولجاوا إلى تأويل النص ، لقد كان لهم الفضل في أن كانوا الأوائل في الإسلام الذين رفعوا العقل إلى منزلة أن يكون مصدرا للمعرفة الدينية (تأكيدات استقاها المؤلف من بعض المصادر ) (41) .
وفي هذا يختلف المعتزلة عن الاشاعرة" في جهة وجوب الأحكام بالشرع أو بالعقل ، فهي عند المعتزلة إنما تجب بالعقل " وهذا ، في نطاق انصباب همهم الخلقية "(42) .( فيما استقاه المؤلف عن بعض المصادر ) .
ويأتي في أثر هذا التمهيد عن العقليين الإسلاميين أو المعتزلة ، استعراض ، امتد على عدة فصول لاحقة ـ لإبراز المسائل الفلسفية التي خاضوا فيها زاوية رؤيتهم للأمور على ضوء هذا المنزع في التفكير .
ويختص الفصل الأول ، بمبدأ العدل الإلهي ، والعدل فيما ساقه المؤلف عن الشهرستاني الذي نقل عنهم بدور تعريفهم لهذا المبدأ بأنه " ما يقتضيه العقل من الحكمة ، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة ، فالعقل يقضي في نظرهم أن تكون جميع الأفعال الصادرة من الله والمعتقلة بالإنسان المكلف بمقتضى الحكمة ، وعلى وجه المصلحة ، وتتضح النزعة الأخلاقية في هذا الفهم للعدل ، إذا قورن بمفهوم العدل لدى الاشاعرة : إن الله متصرف في ملكة ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد " (46) .
ومشكلة فلسفية أخرى تتصل بالموضوع عالجها المعتزلة ، كما عالجها غيرهم، وهي مشكلة تحليل وجود الشر في الحياة .
وفي تحليل المؤلف لفلسفة المعتزلة في الموضوع ، يذكر في ذلك :
".. من الخطأ القول بأن كل ما ينفر الطبع عنه أو تكرهه النفس فهو قبيح ، فإن الألم وأن نفر الطبع منه يحسن ، بل قد يجب كما هو الحال في الحجامة والفصد ومن فقد وجب أن يطلب الإنسان الألم إذا لم يكن ضررا محضا .." (56) "... فالخير والشر والنعم والنقم كلها تستوي ، لا من حيث أنها قوانين الطبيعة التي تتحكم في مصير البشر ولا تعبأ بوجودهم أو بنظرتهم ، وإنما تستوي من حيث صلاحها للإنسان ذاته ، كما تستوي الرأفة والحزم من الوالد ، أيهما يصلح لتأديب ولده ..." (57)
ولإدراك مدلول وجود هذا التكامل بين الشر والخير في الحياة ، ويرى المعتزلة فيما ساقه المؤلف :
"... أن الإنسان ممتحن بالنعم والنقم معا ، وليس عليه إلا أن يكون صالحا ، أصابه الخير أو الضر ، فلا تفتنه النعم ولا يجزع عند البلاء ..." (61)
وتتصل فكرة الامتحان هذه ، امتحان الإنسان ، بنظرية اللطف الإلهي التي اختص بها الفصل الثالث
من الكتاب ، وفي سياقه يذكر المؤلف " أن نظرية المعتزلة في اللطف الإلهي مكملة لأرائهم في تفسير الشر الميتافيزيقي والطبيعي ، أو المصائب والآلام اللذين يتمان بإرادة الله فتنة للإنسان ، فيأتي الشر الخلقي المتعلق بإرادة الإنسان ، ولكن العناية الإلهية تأبي إلا الهداية له واللطف ..." (62)
وبطالعنا الفصل الرابع ، لنجد فيه صورة أخرى ، من صور هذا الالتزام العقلي للمعتزلة في إدراك المعاني وتفسيرها ، وبصدد ما بسطه الكاتب عن نظريتهم في أفعال الله وأنها تهدف إلى مصالح العباد " يقول في ذلك بصدد تحليل هذه النظرية " أنه بمقتضى حكمه الله ، لا يمكن أن يكون الخلق عبثا ، وإنما شيء يدل على أحكام النظام والتدبير ، فكل ما في الكون لا بد أن يكون موصلا إلى الغابات المحمودة والمطالب النافعة ، وهي نظرة تخلع على الكون وما فيه من ظواهر ، تفسيرا أخلاقيا من حيث استحالة تصور العبث في الوجود ، كما أنه تفسير متسق مع مبدأ العقل ، لأن العقل وحدة هو الذي يضفي على الموجودات والظواهر تصور التدبير والنظام ..." (48) ويطفو، على ذكر هذا سؤال عن الحكمة في وجود الكائنات الضارة والحيوانات الشريرة . وللمعتزلة رأي في الأمر يسوقه المؤلف ذاكرا في ذلك ما فحواه :
" ... أن الغرض من إيجاد مثل هذه الحيوانات نفعها هي بالذات ، وذلك بتمتيعها بالحياة ثم نفع العباد دنيويا، كما يظهر فيما هو حاصل من أن الترياق من العقارب والحيات أصل في دفع المسمومات ، ودينيا ، لأن منظر الحيوان الكريهة ، مذكر بعذاب الله ، مما يدعو النفوس للاتعاظ والانزجار..." (90) ( بتصرف ) وفي عرض مستفيض عن نظرية المعتزلة في الثواب والعقاب حيث " جمعوا الدنيا والآخرة في نظرة شاملة جامعة ، يحكمها قانون خلقي واحد هو عدل الله ..." (103)
انتهى إلى الفصل السابع عن " حتمية اقتران الإيمان بالعمل الصالح " وهو مبدأ خلقي ، يميز نظرة المسلمين إلى الأخلاق في إبراز ما تتميز به .
وقد كان الخلاف حول المسألة من دواعي الاتجاه إلى ظهور مبدأ الاعتزال.
ويشدد المعتزلة ، نقيض ما عليه أهل السنة " في الحكم على من يخالف إيمانه عمله ، حتى أنهم يرون " أن من افتقد خصال الخير ، فقد الإيمان " (110) .
وتسلمنا فصول هذا الباب عن المشكلة الأخلاقية عند العقليين ، إلى الباب الثاني ، فيما يتناوله المؤلف فيه عن فلسفة المعتزلة الأخلاقية وتتصدى مباحث الفصل الأول من هذا الباب إلى نظرية المعتزلة في التكليف الشرعي والعقلي وما يترتب عليه .
ومما يضعه التكليف على المكلف من تبعات " طرد الاعتقادات والظنون السابقة على التفكيـــــــــر " (119) ونبذ التقليد الأعمى في التفكير وحاصله .
" وبعد تخلية العقول من الاعتقادات الفاسدة المبينة على الظن ، فإن أول ما يجب على العاقل المكلف ، النظر المؤدى إلى معرفة الله " (122) .
" معرفة توحيده ، معرفة عدله ، معرفة لطفه، معرفة حكمته " (123) .
"... هكذا يصل المعتزلة بين معرفة الله وبين واجب الإنسان ككائن أخلاقي ، فلا قيام للأخلاق دون معرفة الله ، ومن ثم يتعذر الفصل بين الأخلاق وبين أساسها الميتافيزيقي " (123).
وفي مزايد من تحليل نظريات المعتزلة ، يتجه البحث بالكاتب ـ عقب هذا ـ إلى قضية الخير والشر ، أو الحسن والقبح في الأفعال والأشياء : هل الفرق بينهما حقيقة موضوعية ، مستقلة عن كل إرادة ؟ هل هما من الصفات العنيفة الموجودة في حقيقة الأفعال ذاتها ، أو أن الأمر غيـــــر ذلك ؟
يجب المؤلف في عرضه للآراء المدلي بها في الموضوع إلى " أن الذي يدل على أن الحسن صفة ذاتية للفعل الحسن ، وكذلك القبح للفعل القبيح ، وأن هناك من الأفعال ، ما لا صفة لها زائدة على مجرد الوجود كالطعام والشراب وفعل الساهي والنائم ، أما الأفعال الأخرى ، فهي محل حكم أخلاقي كالمدح والذم والإباحة والحظر والتحليل والتحريم " (129) .
"...والعقل كاشف عن وجه الحسن والقبح في كل فعل بعينه ، ومن ثم ، ينبغي النظر والتأمل في الصفة التي يتقرر بها الحكم على الفعل حسنا وقبحا فالمستدل في حاجة إلى الاستدلال ليعرف ما من أجله يحسن ويقبح القبح ، وفي حصولهما في بعض المواضع والأفعال ، ولكنه متى علم ذلك بالعقل ، علم عنده الحسن أو القبح ضرورة " (131) .
"... ومهما يكن من اختلاف المعتزلة حول دور الإرادة في تقييم ، فإنهم لم يتخذوا موقف المذهب الغائي في الأخلاق الذي يحكم على الأفعال وفقا لنتائجها فحسب ، فهم قد اعترفوا بأن للإرادة في الشرعيات من حيث أن الأعمال بالنيات ومن حيث أن معظم الفروض الدينية ، يشترط النية في أدائها ..."(154) "... لكن هل يطلب المعتزلة من الإنسان في كل أفعاله أن يفعل الحسن لذاته ، وأن يتجنب القبيح لذاته ؟ أما القبائح فيجب عندهم أن تتجنب لذاتها ، ولكنه غير واجب على الإنسان أن يفعل كل حسن لذاته ..." (153) ويسلمنا فعل الحسن والقبيح ، من جديد ، إلى مجال إرادة وعلاقتها بالفعل ، وحرية الإنسان فيه .
ويذهب المعتزلة في هذا ، على ما ساقه المؤلف إلى " مطلق المشيئة الإلهية في أصل التوحيد ، وإلى تقرير حرية الإنسان في أصل العدل لضرورة يقتضيها التكليف ، وتحتمها الواجبات الأخلاقية والشريعة (161) وليست مسؤولية الإنسان على الفعل فحسب ، وإنما تمتد إلى تلك اللحظة من الإرادة التي تكون عندها عزما على الفعل ، وقصدا إليه (174) .
ويفضي المؤلف بعد تحليله لنظريات المعتزلة حول الأفعال المتولدة عن الإنسان هل هو مسؤول عنها ، ولمفاهيمهم الأخلاقية فيما يتعلق بمعاش الإنسان ومماته ،إلى الباب الثاني الذي تناول فيه موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره الأصل العملي الوحيد في فلسفة المعتزلة الخلقية (191) .
وينصب القسم الثاني من الكتاب على تحليل معطيات النزعة الأخرى الأساسية في الفكر الفلسفي الإسلامي ، ونزعة الذوقيين أو أرباب التصوف .
والقاسم المشترك في عموم الموضوع ـ كما يعلم ـ هو الأخلاق ، ويربط نزعتي العقليين والذوقيين ، في هذا الصدد خيط من التكامل ، يجعل أحدهما متمما للآخر ، وسادا لما به من ثغرات ، وفي هذا يذكر المؤلف : "لقد شيد المعتزلة للأخلاق ميتافيزيقا رائعة ، ليستند الموقف الأخلاقي إلى أساس صلب من الاعتقاد ، ولكن بدت أقوالهم هزيلة في نطاق العمل ، مقصورة على الأصل الخامس (الأمر بالمعروف ).
والصوفية من جانبهم قد طرحوا جانبا الخوض في المشكلات الفلسفية ، ولم يقدموا في نطاق النظر شيئا ملموسا ... ذلك أنهم شغلوا بالعمل عن النظر في الأصول ، فهل يستطيع الصوفية أن يعوضوا قصور المعتزلة في نطاق العمل ؟ وهل في استطاعتهم أن يكشفوا عن قيمة العمل في فلسفة الأخلاق بالقدر الذي أفصح فيه المعتزلة عن قيمته الاعتقاد ؟ (245) .
وفي رحلة طويلة مع رجال التصوف ، يذهب الكاتب إلى استجلاء هذه السمات ، سمات العمل في فلسفة الأخلاق الصوفية ، ويتناول الفصلان التاليان في نطاق هذا النظر ، موضوع ضرورة صحية الشيخ المريد وهي " من قبل الشيخ تعهد وإرشاد ومراقبة دقيقة ومحاسبة للمزيد وتصحيح أوضاع ونقد وتعليم وتبصير بأسرار الحياة الروحية ..." (فيما نقله المؤلف عن بعض المصادر )(249) ثم الذكر ، وله جانب خلقي أو سلبي ، ويتمثل في كونه وسيلة لمجاهدة النفس ، وجانب روحي أو إيجابي ، ويتجلى في انحصارهم المريد في الله "(253) .
وفي مرحلة موالية ،يتصدى المؤلف لمشكلة العمل من خلال الفكر الصوفي ، معرجا في هذا المجال ، على شأن التوبة " ومراقبة خطوات القلوب باعتبارها بواعث الأعمال ، ومتخلصا بعد هذا إلى البحث في " النية وأثرها في حسن الأفعال وقبحها ، ثم إلى الصلة بين الأخلاق وحتمية تظهير الباطن ، ويتلو ذلك القول عن المنطويات الأخلاقية للفروض الدينية وتخلل الأخلاق للمقامات والأحوال (من 257 إلى 293 )
وفي ذيل هذا العرض حول العقليين والذوقيين في الفكر الإسلامي ، تأتي نظرة يختتم بها الكتاب عن هؤلاء الذين حاولو التوفيق بين الاتجاهين الذوقي والعقلي ، ويدعوهم المصنف بالملفقة ، وقد أفاض في القول حول إخوان الصفاء ، على اعتبار أن فكرهم يمثل هذه التوفيقية ، المتراوحة مشاربها بين الفلسفة والتصوف .
وبعد لمحة سريعة عن فكر فيلسوف الأخلاق ابن مسكويه لاتصاله بالموضوع ،يلقي المؤلف عصا التيسار ، وقد أفضى لمنتهى الرسالة ، مشيرا في غضونه ، إلى أن الاتجاه إلى فصل الدين عن الأخلاق " اتجاه ينطوي ـ مع شيوعه ـ على تصور خاطئ للدين والأخلاق معا ، ولا حاجة إلى أن يعاد القول بضرورة استناد الأخلاق إلى معتقدات وذلك لحاجة الإنسان كي يقف على أرض صلبة من الاعتقاد المتعلق بماضيه ) أصل نشأته ) وحاضره( الغاية من وجوده ) ومستقبله ( مصيره بعد الموت ) حتى يجابه الفتن والأزمات التي قد تعصف بضعاف العقول ، نتيجة خواء الاعتقاد " (317).
إنها دراسة علمية جادة ، هذه التي ضمنها المؤلف رسالته ، وعلى الرغم من تشعب الموضوع ووعورته ، فإن المؤلف قد استفرغ الوسع ـ كما هو ظاهر ـ في تجلية جوانبه على ضوء المصادر العربية والأجنبية التي رجع إليها في إنجاز العمل ، وإن كانت الاستنتاجات التي توصل إليها خلاله قابلة لزيادة المناقشة والتمحيص ، شأن كل محاولة فكرية ، خاصة إذا كانت من قبيل هذه الموضوعات التي تباينت فيها الإفهام ، وطال الجدال بشأنها ، على امتداد الأجيال والدهور .





    رد مع اقتباس
قديم 2014-10-15, 19:36 رقم المشاركة : 24
خادم المنتدى
مدير التواصــل
 
الصورة الرمزية خادم المنتدى

 

إحصائية العضو








خادم المنتدى غير متواجد حالياً


وسام المشاركة السيرة 1438ه

وسام المشاركة في مسابقة السيرة النبوية العطرة

العضو المميز لشهر فبراير

افتراضي الإعلام بنقد كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام



الإعلام بنقد كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام



  • عنوان الكتاب: الإعلام بنقد كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام
  • المؤلف: محمد بن سعيد القحطاني
  • نبذة عن الكتاب: اسم الكتاب : الإعلام بنقد كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور / علي سامي النشار - اسم المؤلف : محمد بن سعيد بن سالم القحطاني - الطبعة الأولى - 1412 هـ - 1 ميجا - 53 صفحة
  • التحميل المباشر: اضغط هنا





    رد مع اقتباس
قديم 2014-10-15, 19:40 رقم المشاركة : 25
خادم المنتدى
مدير التواصــل
 
الصورة الرمزية خادم المنتدى

 

إحصائية العضو








خادم المنتدى غير متواجد حالياً


وسام المشاركة السيرة 1438ه

وسام المشاركة في مسابقة السيرة النبوية العطرة

العضو المميز لشهر فبراير

افتراضي فلسفة العالم الإسلامي الفلاسفة وأهم مواضيع كتابتهم


فلسفة العالم الإسلامي
الفلاسفة وأهم مواضيع كتابتهم






الباب الأول
منظر تأريخي

1.1 أسائس الفكر الإسلامي
1.1.1 وقت الخلافات الراشدين محمد نبي الإسلام، قبل وفاته، لم يترك وصية خلافته. وفي مأتمر طارئ تفرق الشيوخ إلى أن عمر قام وقبض على يدي أبي بكر، وتابعه الباقيون. وكان هذا الاختيار تراضياً وقتياً بين الأحزاب المتنافسة، لأن أبي بكر كان كبير السن وكان من المنتظر أنه لن يطول في الخلافة (632-634).
وأول ما فعل أبو بكر هو إبعاث القائد خالد ابن الوليد ضد الأعراب المرتدين ليجبرهم أن يقبلوا سلطانه. وبعد نجاحه في توحيد العرب في أمة واحدة، كانت الحرب ممنوعة بين المسلمين، فإذاً بعث الخليفة الجيش إلى أراضي الشمال. وهي مستنفدة من كفاح ممتد بين الامبراطوريتين الروم والفرس، وهما القوتان العظميتان في ذلك الزمان. و استولوا العرب بالسهولة على أراضي الفرس كلها والروم الشرقية.
وفي خلافة عمر (634-644) استمتعت الأمة المسلمة بفيض الغنيمة والنفل. وكان للجنود العرب الحلم أنهم إذا استشهدوا في المعركة سيحصلوأ على لذات الجنة، وإذا فاتهم الاستشهاد لهم الجزاء اللدني. أما الذين أجّلوا الخروخ للقتال في النداء الأول، بعد رؤية ثروة الراجعين إلى المدينة، لم يلبثوا أن يركضوا إلى العراك. ولكنهم لم يجدوا في فلسطين وسوريا ومصر والعراق والفرس إلا اللقط القليل.
وقد أصبح زمن فيض الغنيمة زمن النقص والفقر للمتأخرين، واتهم الخليفة عثمان (644-656) على هذا. وطلب بعض الجنود المتمردين استقالته عن الخلافة. وبعد رفضه ذلك، طعنوه بالسكين وبايعوا علياً (656-661) مكانه.
أما معاوية، حاكم دمشق ونسيب عثمان، فرفض مبايعة علي، واندلعت حرب أهلي بينه وبين علي. وبعد بعض معارك ومفاوضات غلب معاوية في النهاية وأسّس دولة الأموية التي دامت قرب قرن.
1.1.2 الدولة الأموية ومنذ بزوغ محمد نبي الإسلام شهد العالم العربي تغيراً جذرياً في موقف الناس. فكل المسلمين، حتى معارضو الحكومة، وجدوا أنفسهم لا يقدرون أن يتفكروا أو يعبروا عن أنفسهم إلا بالعبارات القرأنية.[2]
في خلافة أبي بكر بعض المرتدين ادعوا أنهم أنبياء ونشروا آيات الوحي تشابه القرآن. أما في العصر الأموي فكان يلزم على كل معارض أن يبرهن أنه مسلم أحسن من مخاصمه.
وتغير الفكرالعام هذا لم يكن نتيجة التيقن العقلي وتحويل الحياة. فيلزم علينا أن نميز بين التوبة الصحيحة ومجرد الاعتصام بحركة ما. وأغلبية المسلمين الجدد اعتنقوا الإسلام لأنه كان حركة فائزة أطلقها إنسان له الثقة الكاملة في رئاسته ورسالته كخاتم الأنبياء. "كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتب لكان خيراً لهم (ق 3:110).
فأصبح غير ممكن الانحياز من الإيديولوجية القرآنية لأنها استقامة الرأي (الأرثودكسية) للمجتمع، والانتسام في المجتمع ضروري لحفظ الحياة. أما فرائض القرآنية فكانت بسيطة التطبيق في حال الإسلام المتطورة في ذلك الوقت، وكانت مركز الاتحاد في مجتمع متغير.
1.1.3 الدولة العباسية (750-) إبان العصرالأموي أُجبرت الأمة المسلمة بضغوط الظروف أن تتبنى عرمة كبيرة من معايير زائدة على القرآن. واشتملت هذه تدريجياً في السنة وأخيراً في الحديث تحت رسم أصحاب النبي وأخيراً عن النبي نفسه. وبسبب تأثير الشافعي (توفي 825) اُعترف الحديث كوحي ثاني بجانب القرآن. وبقول الشافعي، محمد هو خاتم الأنبياء، الإنسان الكامل، مهدي معصوم، المثل الأعلى لجميع الناس. وبرغم أن الحديث لم يكن متلواً مثل القرآن، كل أفعال النبي وكلماته التي يحتوي الأحاديث معناها نوع تمثيلي من الوحي.[3]
والآن نسأل كيف طاقت الحركة الفلسفية أن تزدهر في بيئة يسيطرها الفكر الديني الإسلامي؟
1.2 الحركة الفلسفية في أرض الإسلام
اهتم المسلمون بالفلسفة بسبب امتزاجهم بالمختصين فيها من المسيحيين في مصر وسوريا والعراق. وكان بعض التأثير اليهودي فيما يختص بالقياس في الفقه.
وإن آباء الكنيسة اهتموا بالفلسفة عندما تقابلوا المجتمع اليوناني في اسكندرية، حيث ازدهرت كلية الفلسفة قديمة. واليونان حضنوا المسيحية في القرن الثاني بسبب الاستدعاء إلى المسيح كحكمة الله المتجسدة.
ولكن لأن قليلاً من الأقباط شاركوا في هذه الكلية، وبعد الفتح المسلم النخبة اليونانية غادرت مصر، فأُغلقت الكلية، وحوالي السنة 718 أُسّست من جديد في أنطاكية، وانتقلت بعد ذلك إلى العراق. وكان التعليم في اللغة السريانية، و تُرجمت إلى تلك اللغة، في جنديشابور في العراق، أهم الكتب الفلسفية اليونانية، وأُلفت كتب جديدة كثيرة. وبصفة عامة سيطر على هذه الكتب الفكر البلاطوني الجديد.
وبعد أن فتح العرب هذه الأقاليم المسيحية أغلبهم تجانبوا المدارس والكليات الموجودة هناك، لأنهم استخونوا كل ما ليس بالعربي، يظنون أنه إما ضد الإسلام وإما غير فائد، لأن كل ما يستحق أن يُعلم هو في القرآن. وبرغم هذا الموقف العام بعض المسلمين اهتموا بالفلسفة، بسبب الأغراض التالية:
  1. أحياناً ناقش المسلمون المسيحيين في مسائل الدين ووجدوا أنفسهم في حالة الدفاع عن الحجج الفلسفية لدى المسيحيين. فهؤلاء اعتزموا أن يتعلم الفلسفة ليجيبوا على المسيحيين.
  2. الخلفاء وبعض النخبة اهتموا بالفلسفة لأجل منافعها التطبيقية. فكانت الفلسفة رزمة واحدة تحتوي كل العلوم الإنسانية: علم النجوم، الحسابيات، الطب، الهندسة، الطبيعيات وما بعد الطبيعة.
  3. وكان للخلفاء غرض سياسي لعضدهم للفلاسفة. وهذا لأن الفلاسفة، مع الكتّاب الفرسيين، لم يشاركوا في احتقار العرب لكل ما ليس بالعربي أو بالإسلامي. فارتكز الخلفاء على الفلاسفة لمنع العلماء ضيق الرأي عن الضغوط في شؤون الدولة.
وأسس الخليفة المأمون (813-833) في بغداد بيت الحكمة، جامعة مختصة بترجمة الأعمال الفلسفية إالى العربية و ببحث ابتداعي. وفي هذا المهد اختلط بالحرية بحّاث مسلمون وغير مسلمين، وأصبح العراق المركز العقلي للعالم الإسلامي.
أما بين المترجمين الأكثر الشهرة فكان قستا بن لوقا (توفي حوالي 913) وحنين بن إسحاق (808-873)، وابنه إسحاق بن حنين (توفي 910)، وابن أخيه هبيش، وبشر بن متّى (توفي 940). وكما تدل عليه هذه الأسماء، كان أغلب عمل الترجمة في أيدي المسيحيين. وكان هؤلاء ليسوا بمجرد مترجمين ولكنهم أنفسهم ألفوا كتباً بديعة.
أما فروع العلم الجديدة المستوردة إلى العالم الإسلامي فهي، بحسب الفارابي[4] وابن سينا[5] ، فهي التالية:
  1. المنطق، مع البلاغة والشعر،
  2. الرياضيات، مع تطبيقها في الموسيقة وعلم النجوم،
  3. العلم الطبيعي، مع كل فروعه وخاصة علم النفس والطب،
  4. العلم الأدبي، فيما يمت إلى الأخلاق الشخصية والسياسية،
  5. وأخيراً علم ما بعد الطبيعة أو العلم اللاهوت الفلسفي.
1.3 الخصام بين الفلاسفة والأشاعرة والمعتزلة والحنبليين
إن الخليفة المأمون فضّل المعتزلة الذين دافعوا عن بعض المواقف قد عارضها الحنبليون لأن المعتزلة تجاوزوا تفسير القرآن الحرفي واستعملوا التأويل ليدرّس حرية الإرادة الإنسانية مقابلة القدر الإلهي. وعلموا كذلك التوحيد المطلق بين ذات الله وجميع صفاته، باستثناء كلمته، القرآن، التي زعموأ أنها مخلوقة. وبهذا التعليم عارضوا التعليم المسيحي في كلمة الله (λόγος)، يدمرون كذلك أساس الجبرية الأشعرية.
أما العالم المحدّث أحمد بن حنبل فاضطهده العباسيون لأنه امتنع أن يوافق التعليم المعتزلي أي أن القرآن مخلوق. ولكن الشعب التابع له قاوموا الإجراءات ضده وفي سنة 849 جبروأ الخليفة المتوكل على الله أن يطرد المعتزلة والفلاسفة من قصره. ولكن الفريقان استمرا بحثهم وكتابتهم في خلاف هذا المكان.
وحل محلهم الأشاعرة، تابعو أبي الحسن الأشعري الذي قد انسحب من المعتزلة. وإنهم استمروا في استعمال أساليب المعتزلة ومعقولاتهم، ولكن للدفع عن موافق تقليدية محافظة. وبرغم ذلك إن ابن حنبل والحنبلية قاوموا الأشاعرة، يرفضون كل حديث فلسفي عقلاني ويصرون على الانحصار في القرآن والحديث.
وبرغم أن الفلسفة وعلم الكلام كلتاهما ازدهرا بعد السنة 849، كل واحد منهما ذهبت طريقه بدون تأثير في الأخر حتى زمن الغزالي. والمتكلمون يواصلون في استعمال المقولات الفلسفية المستوردة من الفلسفة قبل 849، والفلاسفة يطورون نظريات تناقض أحياناً العقائد الإسلامية.
وإبان هذه الأزمة في الشرق، كان الأندلس المستقل دائماً عن العباسيين يحافظ الفلاسفة بعض المدة، وخاصة تحت حكم الأمويين. وبانحطاط حكمهم، انفرج الأندلس إلى إمارات صغيرة حتى فتح المرابطين في السنة 1090. والمرابطون حثوا على درس الفقه المالكي ومثل الحنبلة طردوا علم الكلام. ولكنهم سامحوا بالفلسفة، وهذا ربما لأن الفلاسفة كانوا أكثر على الحذر ولم ينشروا كل أفكارهم.
أما الموحدون فقلبوا حكم المرابطين في السنة 1147 وأدخلوا علم الكلام مع كتب الغزالي. وكان الموحدون غير مسامحين، وخاصة في المسيحيين. والأمير أبو يعقوب (1163-1184) اهتم بالفلسفة، ولو لم يجرأ أن يعلن ذلك. وبين أصدقائه كان الفيلسوفان ابن باجة وابن طفيل.
1.4 أهم الفلاسفة
الكندي (حول 800-866) في خلافة المأمون الطقس العقلي والسياسي رخّص بطلوع الفيلسوف الأول من جذر عربي، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي. فله مكتبة كبيرة واختبر كل العلوم اليونانية التي التقاها. ولكنه بعيد عن الفكر المطلق للفلاسفة المتأخرين، يمسك بالعقائد الإسلامية ويأخذ من الفلسفة الأفلاطونية ما يناسب الإسلام ويرفض ما يناقضه، مثل الفيض الطبيعي عوض الخلق من العدم، والحاجة إلى النبوة وإمكانية المعجزات. وكان للكندي تأثير في المعتزلة أوائل المتكلمين.
وعندنا على الأقل ثلاثة وخمسين من مؤلفات الكندي. وله عبارة جميلة واضحة سهلة القراءة.
الرازي (حول 865-925 أو 932) أبو بكر محمد بن زكريا الرازي عاش في الفطرة الصاعبة بعد الكندي. واستشهر خاصة كطبيب، ولكنه كتب أيضاً في الأخلاق وفي ما بعد الطبيعة. ولديه حلت الفلسفة محل الدين. وافتكر أن الفيلسوف يلزمه أن يجانب السياسة وأن يتمرس بالفكر والبحث العلمي. وسنرى في ما بعد كيف انحاز عن الإسلام في بعض النقاط. ولكن يجب علينا أن نذكر أن المصنعات التي تعبر عن هذه الأفكار قد فُقدت ولا نعرفها إلا بمقتطفات معتقديه.
ابن مسرّة (883-931) ولد محمد بن عبد الله بن مسرّة في قرطبة. واضطر أن يلجأ إلى الجبال بسبب الاضطهاد من الفقهاء المالكيين. وكتاياه الوحيدان الناجحان تتضمنان تفسيرالقرآن بصيغة باطنية جداً.
ألفارابي (875-950) أبو نصر الفارابي، الذي عاش في وسط الأراضي العباسية، كان المأسس الحقيقي لأفلاطونية الجديدة العربية. واعتزم أن كل شيء يفيض عن الله في ترتيب هرمي متسلسل من الأعلى إلى الأسفل. وكانت له نظريات في تنسيق الأرواح السموي والتنسيق الدنيوي تحت إمامة ملك فيلسوف. وفي صياغة زمن الفارابي لعل هذا الملك رمز إمام شيعي.
ومن مؤلفاته تُعرف ثلاث وستين على الأقل، وقد نُشر أغلبها. وبرغم أنه ليس بالعربي، عبارته واضحة بسيطة.
إسحاق بن سليمان الإسرئيلي (حول 855-955) استشهر خاصة بسبب مؤلفاته الطبية. وهو معترَف كأب الأفلاطونية الجديدة اليهودية. ومن مصنفاته المعروفة القليلة، كتاب الحدود والرسوم كان معروفاً في أوروبا في الترجمة اللاتينية Liber de definitionibus
مسكويه (932-1030) أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه كان مهماً من سابقي ابن سينا. ولا يُعرف إلا قليل عن حياته، مثل أنه كان في خدمة بني بويه. وكتب خاصة في الأخلاق، ولكن يمس بعض مسائل نظرية مهمة.
ابن سينا 980-1037) ابن سينا، مولود من جذع فرسي أو تركي، كان المثل الأعلى للأفلاطونية الجديدة العربية. فقد درس كل فروع العلم واستشهر خاصة بالطب. وقرأ ما بعد الطبيعة لأرسطو أربعين مرة لا يصل إلى فهمه حتى التقى شرحه للفارابي.[6] ويقول: "فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها. وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ولكنه اليوم معي أنضج وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي شيء من بعد."[7]
وكان أبوه من الإسماعيلية يدعوه إليها، ولم يقبلها. ولذلك لا نرى في مؤلفاته نظريات حول الهرمية السلطانية الأرضية. واتصل ابن سينا بخدمة بعض الأمراء كطبيبهم، يدرس أو يكتب في الليل، ولما غلبه النوم أو شعر بضعف عدل إلى شرب قدح من الشراب وفي مرضه كان يكثر المجامعة حتى عجزه عن تدبير بدنه أدّى إلى وفائه.
ومن قائمات النسخ المختلفة عدا جورج شحاتة قنواتي لابن سينا عوانين 276،[8] وكثير منها مترادفة أو مشك فيها. وإن يحيى مهدوي خفضها إلى 132.[9] أما فهرس مؤلفات ابن سينا فعمل معقد بسبب عزو بعضها للفارابي وعزو بعض مصنفات طلابه إليه، ولأن بعض أجزاء كتبه قد صدرت تحت عنوان آخر وأحياناً مختلطة بمادة أخرى.
وقد طُبع أكثر من مائة وتسعين من مؤلفات ابن سينا، بعضها مقالات صغيرة، ويجدر بالذكر القنون في الطب الضخم والشفاء، وهذا موسوعة كل فروع الفلسفة. ولكن ابن سينا يعبر عن أفكاره في المسائل المناضلة بأكثر الصراحة في مقالاته الموجهة إلى بعض أصدقائه. وعبارة ابن سينا بسيطة ولكن غير واضحة لأن كثيراً من المضامر لا تدل على اسم سابق واضح، وينلزق من جنس إلى أخر ومن المفرد إلى الجمع أو من شخص إلى أخر وبالعكس. ورغم ذلك الصياغة تدل على المعنى. واتهم ابن سينا مرة أنه ضعيف بالعربية، ولذا درسها وكتب بعض مقالات منعقدة وبعبارة صاعبة.
وكان لابن سينا بعض المعارضة في حياته، يشتكها في الرسالة في انتفاء عما نسب إليه و في الرسالة إلى علاء الدولة بن كاكويه، حيث يشكو أن مولاه قد اهتمل به.
ابن جوبير (Ibn-Gabirol حول 1021-1058) الفيلسوب اليهودي الأندلسي أبو أيوب سليمان بن يحيى بن جبير معروف خاصة لكتابه مبدأ الحياة، الذي نجح في ترجمة عبرية ولاتينية. وفيه يطور نظريات اللأفلاطونية الجديدة، إلا أنه لا يتعدي العقائد اليهودية.
الغزالي، المتكلم المعارض للفلسفة (1058-1111) أبو حامد الغزالي كان المعارض الرئيسي للفلاسفة. وفي عمر شبابه انضم إلى التصوف واختبر علم الكلام والفقه. وفي سنة 1091 رُتب أستاذاً في الكلية النظامية في بغداد، واتسعت شهرته من هنالك. وإبان ذلك قرأ أعمال الفارابي وابن سينا وكتب نتيجة ذلك مقاصد الفلاسفة، يسرد فيها أهم تعاليم هذين الفيلسوفين، و تهافت الفلاسفة، ينقد تعاليمهم ويرفضها. وإنما الكتاب ألأول كان معروفاً في أروبا في ذلك الوقت تحت عنوان ما بعد الطبيعة، وكان الأربيون يظنون خطأً أن الغزالي فيلسوف وأن هذه ابتكاراته.
ثم من التوتر النفسي وخوف جهنم قاسى انهار انهاراً عصبياً ولم يطق الكلام. لذلك اضطر أن يترك التعليم، وانسحب إلى عيشة الصوفي. وبهذا استرجع صحته ولم يلبث أن يجذب جماعة أصدقاء حوله. وفي السنة 1106، المساوية بداية القرن السادس الهجري، صرح هؤلاء الأصدقاء بأنه المجدد المتنظر بحسب بعض الحديث في بداية كل قرن. ومقنعاَ بخطابتهم رجع إلى تعليمه وألف كتابه الأكبر، إحياء علوم الدين.
درس الغزالي للفلسفة السابق أنجز امتصاص مقولات جديدة كثيرة في علم الكلام، وخاصة جزءاً كافياً من منطق القياس الأرسطوطي. وهذا أغنى علم الكلام، ولكن نضاله ضد الفلسفة أنجز انهيار الفلسفة شبه كامل كدرس مستقل، على الأقل في الشرق الإسلامي.
ابن باجة (؟ - 1138) ولد أبو بكر بن يحيى بن الصائغ، المعروف بابن باجة، نحو نهاية القرن الحادي عاشر. وكتب بعض شروح أرسطو الممتازة، ولكن مؤلفاته المشهورة هي في الأخلاق، حيث يناقش أيضاً مسألة النفس الإنساني والعقل. وبعدما كان ابن طفيل يشكو حالة الفلسفة الراديئة قبل دخول المنطق، يقول عن ابن باجة:
ولم يكن فيهم أثقب ذهناَ ولا أصح نظراً ولا أصدق رؤية من أبي بكر ابن الصائغ، غير أنه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور حزائن علمه وبث خفايا حكمته. وأكثر ما يوجد له من التآليف فإنما هي غير كاملة ومجزومة من أواخرها.[10]
ابن طفيل (1105؟ - 1186) أورث لنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل كتاباً واحداً، وهو حي بن يقظان، رواية في طفل مفقود في جزيرة رببته ظبية. ويظهر كيف حي تعلم كل العلوم وحده ووصل إلى معرفة الله وخبرته المباشرة. وهذا الكتاب، مع اتجاهه الباطني والصوفي، يناقش أيضاً مسائل أخرى مهمة.
ابن رشد (1126-1198) أبو الوليد محمد بن رشد قد اشتهر كطبيب عندما قدمه ابن طفيل للأمير الموحد أبي يعقوب. ولما سأله الخليفة ما رأي الفلاسفة في السماء، أقديمة أم حادثة، أدركه الحياء والخوف، حتى إذا كان الخليفة يتكلم على المسألة مع ابن طفيل، فاطمأن فيلسوفنا وتكلم. فعرّف ما عنده من ذلك، فلما انصرف أمر له بمال وخلعة سنية ومركب، يُقبله على تفسير آثار أرسطو.
وشرع ابن رشد في هذا المشروع الضخم وألف تفاسير كتب أرسطو مختلفة الأنواع. فابتدأ بمختصرات توجز شروح الفارابي. ثم التفت إلى تخاليص كتب أرسطو، يسرد أهم نقطها.[11] ونحو السنة 1178، لأنه كان مقلقاً من تأثير الغزالي النامي في الأندلس ضد الفلسفة، كتب ابن رشد الضميمة وفصل المقال في العلاقة بين الفلسفة وبين الوحي. ثم كتب الكشف عن مناهج الأدلة، و تهافت التهافت رداً لتهافت الفلاسفة للغزالي.
بعد هذه المؤلفات النضالية، ابتدأ ابن رشد شروحه الكبرى على أرسطو ومراجعات مختصراته وتخاليصه، وكثيراً ما يصلحها في مقالات مستقلة. ثم التفت إلى الطب وألف شروح كتب جالينوس يصلحها بضوء نظرياته الخاصة الأرسطوطية.
أما أبو يعقوب فلم يطق أن يقمع معارضة الفقهاء المالكيين للفلسفة، وبعد وفاءه أبو يوسف يعقوب المنصور، من 1195، اضطهد الفلاسفة وأمر أن تُحرق كتب ابن رشد وغيره من الفلاسفة. وبعد نفيه عن قرطبة، كتب مقالة على المقالة السابعة والثامنة من السماع الطبيعي لأرسطو. وفي السنة 1198 توفي في المغرب.
ولابن رشد مؤلفات حوالى مائة وأربعة معروفة. وأغلب شروحه على كتب أرسطو مفقودة في العربية، إلا ما بعد الطبيعة، ولكنها نجحت في ترجمتها اللاتينية أو العبرية، وهذا من فضل غاية حب اليهود والمسيحيين لفكره في بداية القرن الثالث عشر.
موشي بن ميمون[12] ولد أبو عمران موشي بن ميمون في قرطبة في السنة 1138. وبسبب الفتح الموحد في الأندلس اضطر أن يفر إلى فاس في 1160. وكتب هناك رسالة في الاضطهاد لليهود المجبورين أن يُسلِموا، يظهر كيف يمكنهم أن يصلون ويحسنون،يبقون يهوديين سراً. وفي 1165 لجأ إلى عكا في الشام، وبعد خمس أشهر إلى القاهرة. وفي السنة 1171 أصبح إمام اليهود في مصر، يحمل هذا المنصب خمسة سنوات. وبعد عشرين عاماً رجع إلى هذا المنصب وبقي فيه حتى مماته في 1204. وقد خدم كطبيب للفضل، وزير صلاح الدين، ولكن استشهر خاصة كفقيه التوراة. وكتب مشنه توره في 1180 والكتاب المشهور دلالة الحائرين في 1190.
وكتب كل مصنفاته بالعربية وهي في ما بعد تٌرجمت إلى العبرية ولغات أخرى. ولأن الفارابي وابن باجة كانا يعجبه، تبعهما في كتم أفكاره لأسباب سياسية ولكي لا يزعج إيمان العامة.
وإن تعليمه الفلسفي تهمنا خاصة في مسألة برهان الخلق من الأزل أم لا، وفي مسألة طبيعة النفس الإنسانية ومصيرها.
1.5تأثير هؤلاء المفكرين في أوروبا[13]
كان لابن رشد، مثل لابن سينا، بسبب مترجمين أندلسيين، تأثير هائل في الفكر الأوروبي. وفي أوائل القرن الثالث عشر تُرجمت أهم أعمال أرسطو العلمية إلى اللاتينية: الأخلاق النيكوماكية، السماع الطبيعي، ما بعد الطبيعة، النفس، السماء والعالم إلى آخرها. أما مراقبي الكنيسة فأدركوا أن فيها ما يعارض عقائد الدين، فمنعوا تعليم السماع الطبيعي لأرسطو في كلية الآداب في باريس في 1210. وكرّرت هذا المنع قوانين الجامعة في 1213، 1231و 1245 و1263.
ولكن أساتذة كلية اللاهوت استمروا في درس أرسطو وباستعمال فلسفته في اللاهوت وهكذا أنجزوا علم اللاهوت المنسق المقابل علم الكلام الإسلامي، وأصبح فرع الدرس هذا مهماً بجانب تفسير الكتاب المقدس الذي كان ميدان اللاهوت الرئيسي منذ زمن طويل.
وإبان هذا تُرجم تفاسير أرسطو العربية، وخاصة مؤلفات ابن رشد، يفعل ذلك ميكائيل سكوت في صقلية من 1228 إلى 1235، ولكن كان الوقت يمر قبل أن تُفهم هذه الأعمال. ولم يلاحظ خطر "المفسر" لعقائد الدين إلا في وسط القرن الثالث عشر. وقبل ذلك قد اقتبس منه فيليبوس الشاسلير وغيليوم الأوبرني وألبرت الكبير، لا يصادفون أي مشكلة. أما بونابنتورا فكان أول من انتقد ابن رشد، ثم ألبرت الكبير في كتابه في وحدة العقل.
ومن ثم البابا أنشأ لجنة لتميز ما هو مفيد في أرسطو ومفسراته ولتزيل الأخطاء، ولكن اللجنة لم تنجز شيئاً. من ثم اتخذ العمل ألبرت الكبير وتوما الأكويني. وتوما الأكويني، في خلاصته ضد الأمم، كتب النقد الأول الراسخ المنسق لابن رشد. ثم في شروحه في كتب أرسطو استوعب كل ما هو صحيح في أرسطو وأسس مبادئ دائمة للتسوية بين الفلسفة واللاهوت، أو بكلمات أخرى بين العقل والوحي.
وإبان هذا صعدت حركة رشدية في أوروبا تحت قيادة سيجير دي برابانت. فدرس في كلية الآداب في باريس من 1260 إلى 1277، ولم يُلاحظ تعليمه البدعي في العقل الإنساني إلا في 1266. ونقده بونابانتورا في 1268، وبعد ذلك ألبرت اكبير في المشاكل الخمس عشرة، وتوما الأكويني في وحدة العقل، كليهما في 1270. وفي 10 ديسمبر 1270 استبانوس تامبيي، الأسقف الكبير لباريس، أدان بعض نظريات رشدية، وفي 18 فبراير 1277 أوسع إدانته وطرد الرشديين من باريس. وسيجير دي برابانت لجأ إلى بلاط البابا في أوربييتو، حيث اغتاله كاتب مجنون.
1.6 التطورات الأخيرة
والعالم الإسلامي في القرون الوسطى لم ينجح في دمج الفلسفة في حضارته. وفنيت الفلسفة والبحث العلمي، بينما علم الكلام لقط بعض حطامه، وخاصة المنطق. وفيما بعد انبعث في الشرق الإسلامي نوع من الفلسفة الباطنية ملهمة عن ابن سينا، ترتكز في الإشراق، وزعيمها السهروردي (توفي 1191).[14] وهنالك أيضاً المدرسة الوجودية لصدر الدين الشيرازي (1571-1640) التي أكدت الحكمة.[15] وهذه الحركات كانت استمرار البلاطونية الجديدة لابن سينا مع اختلاط الثيوبوسية الزرادشتية، ودراسة الدلالات السحرية للأعداد الفيثاغورية، والتصوف وبعض معقولات علم ما بعد الطبيعة. وإنها شواش غريب، مختلف عن العرف العلمي القديم والمعاصر.[16]
وهكذا بقي وضع العالم الإسلامي حتى اتصاله بأوروبا في القرن التاسع عشر أثر في نهضته.





    رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة


مــــواقـــع صـــديــقــة مــــواقـــع مـــهــــمــــة خـــدمـــــات مـــهـــمـــة
إديــكـبـريــس تربويات
منتديات نوادي صحيفة الشرق التربوي
منتديات ملتقى الأجيال منتديات كاري كوم
مجلة المدرس شبكة مدارس المغرب
كراسات تربوية منتديات دفاتر حرة
وزارة التربية الوطنية مصلحة الموارد البشرية
المجلس الأعلى للتعليم الأقسام التحضيرية للمدارس العليا
مؤسسة محمد السادس لأسرة التعليم التضامن الجامعي المغربي
الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي التعاضدية العامة للتربية الوطنية
اطلع على وضعيتك الإدارية
احسب راتبك الشهري
احسب راتبك التقاعدي
وضعية ملفاتك لدى CNOPS
اطلع على نتائج الحركة الإنتقالية

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 00:01 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML
جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd