للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات الــــتــــربـــــويــــة الــــعــــــامــــة > منتدى المكتبة التربوية العامة


منتدى المكتبة التربوية العامة خاص بتحميل وقراءة مختلف الكتب والمراجع والبحوث والدروس والمواضيع والمقالات العلمية والثقافية

إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2011-05-24, 18:18
الصورة الرمزية ابو العز
 
نائب مدير الأفكار والمشاريع الأستاذية

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  ابو العز غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 15611
تـاريخ التسجيـل : Feb 2010
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : الدار البيضاء
المشاركـــــــات : 11,224 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10630
قوة التـرشيــــح : ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute ابو العز has a reputation beyond repute
a3 من تيسير القراءة إلى رواج الكتابة للجهلة





من تيسير القراءة إلى رواج الكتابة للجهلة- د. خير الدين عبد الرحمن تلاطمت في واقعنا الثقافي الراهن تيارات متباينة واحتدمت، فمن تشبث ببعض من قديم حرص على أسلوب يغلّّب الشكل على الجوهر، والبلاغة اللفظية على ثراء الفكرة، إلى انبهار ببريق كل ما هو أورو- أمريكي ظاهراً وباطناً، في تبعية سافرة توهم أصحابها أن تقليد الآخر يغطي شعورهم بالنقص والعجز ويقودهم إلى نجاح يماثل نجاح من يقلدونه، وتقدم يبز تقدمه، ونمو يداني نموه. يراوح بين هذا وذاك كثير من الأفكار والتوجهات والاقتراحات والمحاولات، لكن المحصلة تكاد تكون في بعض جوانبها جموداً في نفس الموضع الذي انطلق منه دعاة النهوض في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين. بل ربما كان بعضنا على حق في شكواه من استشراء نحر قواعد لغتنا وأسسها على نحو جعل عظام سيبويه تقرقر في قبره، أو من تفاقم وهن فكري توالد تعاجزاً ونكوصاً وردة. وهكذا راحت تصفعنا وقائع وأرقام مخجلة عن مئة مليون أمي عربي مثلاً أي ثلث عرب اليوم، منهم خمسة ملايين أمي في العراق الذي كان العالم قد احتفل به ومعه قبل أكثر من ربع قرن بالقضاء التام على الأمية في مجتمعه..أما عن مستجدات وأخبار تدهور وضع الكتاب والقراءة فحدّث ولا حرج، إلى حد أن بعض الدراسات قالت إن معدل زمن القراءة العام للفرد العربي هو نصف ساعة في السنة ! كذلك هو حال تفاقم الأمية المقنعة وسطحية التعليم وبؤس مناهجه وضحالة الثقافة في ظل طغيان برامج مرئية تخربها وتسطحها على الرغم من تزويقها بإبهار الصورة، أو حال دفق من نفايات معلوماتية تغرق من لا يتقنون الاختيار ولا يتحكمون بحسن التلقي، فحدّث ولا حرج !
قبل أن نتباكى من تآمر مزمن ونشاط محموم للآخر ضدنا، يفترض أن نكف عن شكوى لا طائل منها ولا جدوى، والتباكي على التردي الذي آل إليه حال الكتاب لدى أمة كانت أول كلمة من آيات القرآن نزلت بلغتها على نبيها هي كلمة "اقرأ". متى يحل عمل جاد محل التشاكي والتباكي هو سؤال بات ممجوجاً يدعو إلى الخجل، فالعمل لا يجيء من عدم أو من عالم آخر.. هو مبادرات جمعية وفردية في آن معاً.
لقد بات مدى انتشار الأمية - سافرة ومقنعة- مخيفاً، وراح المستوى المعرفي يتدهور، بغض النظر عن قشور ومزاعم توحي بغير هذا. عزفت الغالبية الساحقة من الناس عن القراءة، وهبطت نسبة الكتب العربية التي تطبع سنوياً بالمقارنة مع عدد السكان في كل قطر من أقطارنا العربية إلى أدنى مستوياتها بين سائر أمم الأرض ـ سواء العناوين أو عدد نسخ كل منها، ناهيك عن تدهور مستوى ومضمون معظمها. نقف إزاء هذا الواقع البائس عند ما كتبه تشارلز تايلور في عرضه التحليلي لكتاب (الأمل الراديكالي) الذي نشرته مجلة (نيويورك ريفيو أوف بوكس) الأمريكية الشهيرة: " إن الشعوب حين تموت ثقافتها، أو تقترب نهايتها، يمتنع أطفالها في سني التعليم عن الذهاب إلى المدارس وتنتشر الخلاعة ولعب الميسر..".
نضيف هنا إلى ما سبق جائحة التعري المتلفز المتستر بغناء مزعوم، وطغيان عبادة المال والذات، ضمن قائمة تستطيل وتتورم يوماً بعد يوم من مظاهر ومؤشرات خلل ثقافي وقيمي وسلوكي في مجتمعاتنا وسواها.
حفل كتاب تشارلز تايلور هذا بنماذج وحالات ومقابلات في سياق سعي المؤلف إلى تفسير سلوكيات شعب ماتت ثقافته فتركته من دون مبرر يبرر وجوده أو رواية تؤصل له وتحفزه. وفي مقابلة مع امرأة من بقايا قبيلة الغراب التي ماتت ثقافتها وتلاشى كثير من تراثها وقيمها، وهي بدورها من بقايا الشعوب الأصلية للقارة التي أسماها الغزاة الأوربيون أمريكا، وأسموا شعوبها الأصلية هنوداً حمر، قالت تلك المرأة:" أحاول الآن أن أحيا حياة لا أفهمها". إن ارتباك المرأة قد جعلها لا تدري ماذا تفعل، وقد تمازج مع شعور دائم متجدد متوارث بالعار والهزيمة. هذا ما جعلها تشعر بعري الجسد وإن غطته ثياب، لا بعري الروح والنفس فقط. فشعور الإنسان الفطري بالحاجة إلى ستر عري الجسد والروح قد تلاشى مع تلاشي قيم ماتت بموت ثقافته. فتلك القيم المتوارثة التي شكلت جزءاً جوهرياً من الذات الحضارية لأمته أو مجتمعه كانت مبرر تستره أمام الآخر، وبموتها افتقد ذلك المبرر، وافتقد الحماية التي كانت تشكلها ثقافته قبل موتها، وقيمه قبل نحرها أو انتحارها. كم بقي من أبناء أمتنا على امتداد القارة العربية اليوم في منجاة من إحساس العري، في ظل استشراء التبعية والاستلاب والانبهار ببريق يزيف حقيقة خواء جائحة اقتلاع الأصيل من الثقافات والقيم؟ كم بقي من حصانة ذاتية لدينا - بعيداً عن الغياب أو التغييب مكابرة جوفاء أو احتماء بأمس مضى في زمن الانهيارات المرئية وغير المرئية، زمن تفاقم الافتقار إلى المثال الحي المتسق مع الشعارات، وافتقاد مرجعية مؤهلة تطابق الآمال مع القدرات والالتزامات وإرادة العمل الجاد؟.
استفز تسارع استشراء الخواء الشاعر الإنكليزي ت. س. إليوت قبل عقود عديدة، فوصفت قصيدته المعنونة (الرجال الخاوون)عملية تحويل الإنسان المعاصر، أو مسخه كيساً مملوءاً بالقش والغبار. تأخذ عملية المسخ طابعاً شديد التدمير اليوم في ظل ما تتيحه منجزات الاتصال والتواصل التقنية فائقة الحداثة التي تخنق الأصيل إذ تغرقه بغثاء مزركش ملون خادع. يبلغ التدمير مداه بتضافر فعل القتل الناعم للثقافات، الذي تمارسه عوامل خارجية، مع فعل قتل داخلي تمارسه ديدان وقوارض وفيروسات ذاتية بما يشبه انتحار من غيَّبه المخدر عن الوعي، أو تآكله !
تذكرنا هنا صرخة ألم أطلقها ريجيس دوبريه قائلاً:" لقد انتشرت ثقافة الحطام انتشاراً طاغياً..". كان الرجل قد واجه اتهام مثقفين يساريين له بخيانة مبادئه، وهو الذي غادر بلاده فرنسا إلى أمريكا اللاتينية، ليلتحق بإرنستو تشي غيفارا في مشروعه الثوري الهادف إلى مقاومة المد الامبريالي الأمريكي الذي كان آنذاك يتلقى ضربات موجعة في فيتنام. لخص غيفارا برنامجه بإشعال فيتنام ثانية وثالثة ورابعة، إلى أن تسقط الامبريالية الأمريكية. وعندما تم أسر غيفارا واغتياله مع عدد من رفاقه في بوليفيا، كان نصيب دوبريه السجن، إلى أن أفلحت الجهود الفرنسية في إطلاق سراحه بعد سنوات، وعيّنه الرئيس الفرنسي الأسبق مستشاراً له. تألم دوبريه لاستسهال مناضلي صالونات اتهامه بخيانة مبادئه، في حين كان هو يراجع التجربة الأممية، لا تجربته الفردية، ويستخلص الدروس بمنطق المفكر الفيلسوف المؤمن بمحورية دور الثقافة، والمكتوي بعواقب الطفولة اليسارية والإفراط في نسج الآمال لتسابق الشعارات. وكانت تلك الصرخة من نتاج تلك المراجعة: " لقد انتشرت ثقافة الحطام انتشاراً طاغياً.."!
اتسع نطاق الدعوات إلى التحول والتغيير. يحضرني قول المفكر الفرنسي بيار دو شاردان رداً على دعوات للتحول، إذ صرخ متألماً على ما أتجرؤ فأتخيل: " أريد في البداية أن أكون شيئاً، وبوسعكم إذ ذاك أن تطلبوا مني التحول إلى شيء آخر". كما يحضرني في الوقت نفسه قول ستندال:" أعتقد أن على المرء كي يبلغ العظمة في أي أمر من الأمور أن يكون هو نفسه".
ولئن قال الروائي الألماني غانتر غراس إن" الآخر هو الذي يعطي الأنا مبرراً وجودياً للوقوف على القدمين"، في حلم مشروع بعالم يسوده التفاعل الإيجابي والتعاطف والتوادّ والتعاون الصادق والتثاقف المتوازن بين الناس والأمم، فإن هذا لا يجيز الركون إلى سلبية الركون لتعريف الذات عبر الرضوخ لتعريف الآخر لها، تجسيداً لتبعية واستلاب وخضوع. تشتد أهمية هذا التحفظ في زمن استشراء التلازم بين "شيطنة" الآخر إلى حد استسهال إلغائه، مع تفاقم الجهل بالآخر وتجاهله، زمن تجدد عبادة العجل الذهبي بصيغ عصرية متعددة كثر معه الركون إلى المثل البريطاني الذي يشي مدلوله برحمه اليهودي:" عندما يتكلم المال فلا يعلو صوت فوق صوته". كيف يتعامى معتنقو هذه العبادة والقائلون بهذا المثل عن المدى الذي وصل إليه فحش كلام المال في معظمه، وتوحشه في شراسته، إلى حد تعميم تجويع متعمّد ومخطط له يشمل مليارات من البشر في إبادة جماعية اتخذت اليوم اسماً ملطفاً هو (أزمة غذاء) !.
لاحظنا مع نفر من المتألمين كيف بات كثير من القصائد وسواها من صنوف الإبداع الأدبي يحفل بتعبيرات تجسد العواطف أرقاماً، وتقيم الأحاسيس بمعايير مادية، مثل استشراء تشبيهها بالذهب والماس. أي بؤس يجسده وصف أفضل الأخلاق مثلاً، أو المشاعر، بأنها "24 قيراطاً"، موحداً مقياس الذهب الصافي الذي لا تشوبه شائبة 24 قيراطاً بمقياس حسن الخلق ونقاء السريرة. باتت أوصاف (الذهبي) و(الماسي) و(البلاتيني) هي أفضل ما يلصق بالصفوة والنخبة والمميزين من البشر وبأجمل المناسبات والأوقات وأنبل الأفعال! ألم يعمّ وصف العزيز (غالياً) والعزيزة (غالية)، والتباهي بأن أخلاق هذا الرجل أو هذه المرأة (ذهب) لرفعتها وسموها..أما باتت قيمة الرجل المميز أو المرأة المميزة - تساوي ثقله أو ثقلها - (ذهباً)؟
ألم يصل بنا الحال حداً تتباهي المرأة معه بأن الرجل المتسامح العطوف الكريم مثل (الخاتم) في إصبعها، أو أن يتباهى صديق مزعوم بأن صديقه (خاتم) في إصبعه، وخاصة إذا كان يساوم على (عمولته) أو على (أتعابه) لقاء تطويع القانون وتنويم النظام من أجل تمرير صفقة مريبة أو تيسير مخالفة صارخة بحكم (صداقته) لمسؤول؟ كما اشتكى أبو خلدون (1)، وكثير سواه، من تخفيفنا وطأة الغزوات الثقافية بتسميتها (الحداثة)، بل صار من باب الحداثة - كما كتب - إنه قد:" بات الرجل (لا يعيبه إلا جيبه)، بمعنى أنه لا يهم إذا كان من الذين يستغلون نفوذهم وينهبون أموال الشعب بشركات استثمارية وهمية مثلاً، فالمهم أن يكون جيبه منتفخاً بالمال. والرجل الجيد هو (الرجل الكسّيب) الذي يكسب أكثر، وليس هو (طويل النجاد طويل العماد/طويل القناة طويل السنان) كما قال المتنبي، ولا هو (طويل النجاد رفيع العماد/ ليس بوغد ولا زمل)، كما قالت الخنساء. فلم تعد الشجاعة والاستقامة والنخوة والإيثار وباقي الأخلاق الكريمة ذات قيمة في عصر يهون فيه كل أمر عند الأخضر - حتى في زمن انهيار قيمته الشرائية - أو الأصفر. نسي كثير من معتمدي هذا المعيار، مع استشراء التلوث القيمي والأخلاقي والحضاري على نحو بات يفتك بالمجتمعات، تحذير المهاتما غاندي من أشد العوامل تدميراً للحضارة الإنسانية : معرفة بلا قيم، وتجارة بلا أخلاق، وعلم بلا إنسانية. هل نغفل استشراء المقولة يهودية الجوهر والروح والجسد، المدمرة لإنسانية الإنسان، التي قد طغى استخدامها في حياتنا اليومية وتوارثتها أجيالنا: (إن كنت تملك قرشاً فأنت تساوي قرشاً، وإن كنت تملك ألفا فأنت تساوي ألفاً) ! بئس الإنسان عندما يمتهن فيستسلم، وهو الذي كرمه خالقه بقوله عز وجل:" ولقد كرمنا بني آدم"، فلا تعود القيمة لأخلاقه وحسن تعامله ونبوغه ورجاحة عقله واتساع ثقافته، بل تصبح القيمة المعيارية المعتمدة الوحيدة هي مقدار ما في جيبه أو رصيده المصرفي من مال، أياً كان مصدره!.
جاء من يلفت النظر بسخرية لاذعة طريفة إلى أن الذهب والماس لم يعودا أغلى ثمناً، على الرغم من قفزات أسعارهما الجنونية المتلاحقة التي لم تترك فرصة الحلم بأحدهما إلا لكبار الأثرياء وكبار اللصوص. قال ذلك الساخر إن غرام الهيروين أغلى من غرام الذهب بكثير، على الرغم من تضاعف سعر الذهب عشرات المرات، حتى كادت العامة تنسى لونه وبريقه.. فهل نجد عما قريب – كما كتب كاتب ينزف حتى السخرية - من يصف مبدعاً بأنه يساوي ثقله (هيروييناً)، أو يصفعنا حبيب يتودد إلى حبيبته يوماً بتأكيد أنها (تساوي ثقلها كوكائيناً)، فيصبح الهيرويين أو الكوكائين معياراً للدلالة على التمايز؟..
كم ينطبق المثل السومري:" إهانة أنتجتها إهانة، ولعنة أنتجتها لعنة.." على ما طغى من إفرازات قيم أمركة العالم وصهينته واسترقاقه في بلاط عبادة عجل ذهبي معاصر أوغلت بعيداً في توحشها.
بات من الملحّ اجتراح حلول عملية لحماية القيم الإنسانية الخيّرة، ولإعادة الاعتبار إلى الثقافة. لا جدوى من أن تترقب هذه الحلول التفاتة حكومات طال انتظارها، أو يقظة مؤسسات غارقة في مشاغل أخرى بعيدة جداً عن مثل هذه الأمور. لا يفيد هنا استيراد حلول جاهزة، أو مقترحات من وراء المحيطات، فيجب أن تنبثق هذه الحلول من معاناتنا الخاصة لتلبي احتياجاتنا وتحقق أهدافنا وآمالنا. ولكن هذا لا يناقض ضرورة التمعن في علاج ثبت نجاحه في الشرق أو حلول آتت أكلها في الغرب. وهنا نسوق نموذجين من الشرق، وآخر من الغرب. فقد لفت نظرنا قبل أكثر من عشرين سنة، في ذروة نجاح المعجزة الاقتصادية اليابانية، أن حياة اليابانيين زاخرة بالضغوط الهائلة على الصعيدين الفردي والجمعي. من ذلك مثلاً السرعة الفائقة لوقع الحراك المجتمعي والحياة اليومية للفرد والعائلة والمؤسسات والمجتمع، في الوقت الذي يستغرق فيه الانتقال من المسكن إلى موقع العمل وقتاً طويلاً، وكذلك هو حال الانتقال من أي مكان إلى آخر، على الرغم من تقدم وسائل النقل ذات السرعة الهائلة والالتزام الصارم بدقة التوقيت والمواعيد. في هذه الظروف تمت تلبية نزوع الياباني إلى الاطلاع على ما يهمه بأسرع السبل وأقصرها وأسهلها، لا لتقطيع الوقت أو لشغل أوقات الفراغ، فليست لديه أوقات فراغ. حتى ساعات الراحة أو الترفيه القليلة ليست ساعات فراغ عند الياباني، وإنما هي حاجة جسدية ونفسية وعقلية وعاطفية يجب أن يكون الاختيار فيها نافعاً والمردود مجزياً. لذلك انتشرت كتب ومجلات بأسلوب (المانجا)، أي اعتماداً على فكاهة وصور ورسوم كاريكاتورية، بحيث باتت كتب المانجا تزيد على ثلث ما يُنشر ويقرأ في اليابان، كما سبق أن أشرنا في مقالة سابقة، فبات يباع نحو ملياري كتاب مانجا سنوياً تغطي سائر المجالات والحقول في اليابان. فمن (رأس المال) لكارل ماركس إلى (حياة بوذا وتعاليم) ومن موضوعات هندسية وطبية ونفسية واجتماعية واقتصادية إلى (تاريخ الصين). للمقارنة، يمكن مضاعفة هذا الرقم ثلاث مرات للحصول على رقم هو مجموع الكتب باللغة اليابانية التي يشتريها اليابانيون سنوياً، وهم الذين لا يتجاوز عددهم نصف عدد العرب.
أما مجلات المانجا فقد انتشرت انتشاراً مذهلاً. فهي لم تعد مقتصرة على تسلية الأطفال كما هو الحال في معظم أنحاء العالم، بل شاعت بين الأوساط العلمية والمهنية ورجال الأعمال والموظفين والجامعات والمدارس. إن مجلة (قفز الصبية) الأسبوعية مثلاً توزع أكثر من خمسة ملايين نسخة، أي خمسة أضعاف توزيع أوسع المجلات اليابانية التقليدية انتشاراً، وهي (ويكلي بوست)، أي نفس مستوى توزيع مجلة تايم، كبرى المجلات الأمريكية، في العالم بأسره. وقد لجأت نقابة المحامين اليابانية إلى هذا الأسلوب بعدما أثبت جدواه وانتشاره، فأصدرت مجلتها (زابنجوشي)، أي المحامي، كمجلة فكاهية ذات رسوم وصور وشيء قليل من الكلام، ضماناً لقراءة المحامين لمجلتهم. أكثر من هذا، لم تتردد وزارة الخارجية اليابانية في الترويج لمواقفها أو سياساتها عن طريق كتب مانجا، مثل كتاب أصدرته دفاعاً عن برنامج المساعدات الخارجية اليابانية عندما تم توجيه انتقادات له من بعض أحزاب المعارضة. فسّر الناشر نوبورو ناكانو هذه الظاهرة ببساطة، إذ قال؛ إن المانجا أسهل للقراءة، فما دامت الصور والرسوم تعبر عن الفكرة وتغني عن جمل وكلمات كثيرة تقول الشيء عينه، ماذا يمنع من تسهيل الأمر على القارئ؟ هذا ما يؤيده العلماء والمفكرون والمثقفون اليابانيون الذين لا يجدون أي حرج أو انتقاص من سمعتهم أو وقارهم عندما يلجؤون إلى الكتابة بأسلوب المانجا وقراءته. وقد فسّر المحلل الياباني يوشيهيرو يونيزاوا هذه الظاهرة في مقابلة نشرتها مرغريت شابيرو في (واشنطن بوست) سنة 1990 قائلاً إن اليابانيين قد تآلفوا تاريخياً مع نظام الكتابة الياباني الذي يتطور من صور الأشكال المرسومة إلى خطوط الحروف والكلمات (2). ولكن أليس هذا هو حال حروف اللغات الأخرى وفقاً للشائع من نظريات تطور الكتابة؟.
نموذج آخر لتوحيد مجتمع متعدد الثقافات والأعراق والديانات والمشارب عبر القراءة، هو تجربة ناجحة طبقتها سنغافورة، بحيث لعبت القراءة، جنباً إلى جنب مع منظومة القيم والأخلاق الآسيوية، قيم احترام الإنجاز والمراتب والنظام والسن، ومع القيادة الرشيدة التي مثلها لي كوان يو، دوراً رئيساً في تعزيز خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق معجزة ظلت طويلاً موضع دراسة وتمعن وانبهار علماء الاقتصاد والأخلاق والسياسة. لقد كان الوثوق بالثقافة وسيلة للتغيير، وبالقراءة سبيلاً إلى إعادة صياغة المجتمع وبنائه في فترة قصيرة جداً، واحد من أسس انطلاق نهضة سنغافورة، هذه المدينة / الجزيرة/ الدولة الصغيرة. فقد كانت الحاجة الملحة هي تعزيز روح الوحدة الوطنية بين مواطني سنغافورة المنحدرين من أعراق مختلفة: صينية (نحو75%) وماليزية (نحو14%) وهندية (نحو8%) وعربية، يمنية وعمانية أساساً (نحو2%) وأوربية (نحو1%). يتحدث هؤلاء السكان بعدة لغات، ويدينون بعدة ديانات، وتتباين أنماط معيشتهم وثقافاتهم وعاداتهم نتيجة شدة نزوعهم إلى الاحتماء بالجذور. لذلك راهنت النخبة على نشر القراءة سبيلاً لتعزيز ثقافة موحدة، فأطلقت مبادرة توحيدية عنوانها: (اقرئي يا سنغافورة). تم اختيار اثني عشر كتاباً آنذاك ليقرأها السنغافوريون على مدى عشرة أسابيع، ومن ثم يتحاورون بشأنها. أعطت هذه المبادرة أُكلها، حيث أوجدت اثني عشر موضوعاً ليتناقش الناس حولها. وأدى الحوار الواسع إلى تقارب سريع بين المجموعات العرقية والدينية والثقافية المتباينة التي تشكل المجتمع السنغافوري، فخف الجذب الذي كان يمارسه الانتماء الإثني في اتجاهات متعاكسة، وحل محله مزيد من تعزيز التعارف والاندماج الوطني التوحيدي بفضل الحوار. كان طبيعياً أن تتطور تلك المبادرة بعدما حققت نجاحاً ملحوظاً.
من المبادرات اللاحقة مثلاً مضاعفة العناية بالتعليم والثقافة لتعزيز فكرة المواطنة ولتسريع التنمية البشرية الشاملة، فوضعت الحكومة خطة للبنية التحتية للمكتبات العامة بغرض تشجيع القراءة بدأتها عام 1992 وانتهت في عام 2000 بنجاح كبير، مما أدى إلى تأسيس مجموعة كبيرة من المكتبات العامة وتزويدها بأحدث التقنيات، وهي تلقى إقبالاً شديداً من الرواد، وخاصة من الأجيال الجديدة. كما تمت إقامة مزيد من المسارح المجانية الراقية التي تعرض مسرحيات عالمية ومحلية وأعمال تراثية، وانتشرت إلى جانبها المتاحف ومعارض الفنون في كل الأحياء.
تم أيضاً اعتماد التعليم متعدد اللغات جزءاً من استراتيجية التعددية الثقافية، من أجل رفع السوية العلمية والمعرفية للمواطنين. من طرائف نجاح الثورة التعليمية والثقافية والعلمية في سنغافورة ذات العدد الصغير جداً من السكان، الذي يماثل عدد سكان مدينة صغيرة، أن هجرة مواطنيها المتعلمين لا تثير أي قلق، لا شعبياً ولا حكومياً، على نحو ما تسببه هجرة العقول في البلدان الأخرى، ففي مقابل كل سنغافوري يغادر بلده يأتي أربعة عشر شخصاً معظمهم من الخبراء والمؤهلين تأهيلاً عالياً ليحلوا محله بصفة دائمة !.
وما كان للبعد التعليمي والثقافي في المعجزة التنموية السنغافورية أن ينجح لو لم تعاضده أبعاد أخرى تكاملت معه، في ظل معايير وقيم تم الالتزام الصارم بها حكومياً وشعبياً، فنقلت تلك المدينة/ الجزيرة/ الدولة الصغيرة إلى مصاف أكثر الدول تقدماً ورقياً ونظافة وعدلاً ورخاءً في العالم. من أبرز هذه المعايير والقيم اعتماد معيار العدالة القائمة على الكفاءة والقدرة والفاعلية، بعيداً عن المحاباة والتحيز لأي اعتبار أو سبب، والتطبيق الصارم لمبدأ تكافؤ الفرص والتنافس النظيف والتعيين عبر لجان متخصصة تتميز بالصدق والنزاهة وتخضع للمراقبة والمتابعة الدورية شعبياً وحكومياً. لقد نجح تضافر الجهد الحكومي والشعبي والقضائي والحزبي في التضييق على منافذ الفساد الإداري، وتسهيل تجنيس الناجحين من الأجانب المقيمين، سواء كانوا خبراء أو فنيين أو رجال أعمال.
فمن قال إن القراءة تتراجع عالمياً، أو أن الثقافة النظيفة تذوي؟ عندما تتوفر قيم أصيلة وإرادة قوية وإيمان راسخ وحسن تخطيط وثقة بالذات واطمئنان عام إلى نزاهة القائمين على التغيير، تصبح القراءة أسرع وسائل النهوض، وتصبح الثقافة ضمانة مستقبل رخاء ونجاح لأجيال وأجيال!.
ليس لقارئ، وبالضرورة ليس لناقد قبل القارئ، أن يفهم طبيعة النص المعاصر بغير استيعاب ما تم من تغييرات في عالمنا، وفي الطليعة منها التغييرات التي أفرزتها الثورات التكنولوجية والإلكترونية والمعلوماتية في العقدين الأخيرين، وبغير تحليل دقيق واع لماهية التغيير وآثارها. ولئن استبدت حيرة محمودة بفلاسفة ومفكرين معاصرين حتى راحوا يطرحون أسئلة ربما تبدو بلهاء للمتلقي السطحي، لكنها تعكس في حقيقتها المشكلات الإبستمولوجية الكبرى المستجدة، مثل سؤال الباحثة الفرنسية بلغارية الأصل:" ما هو النص ؟" وسؤال الناقد الفرنسي رولان بات وفيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي ميشيل فوكو:" من هو المؤلف ؟!". ألم يتجرأ بعضهم على إعلان"موت المؤلف"!.
ننتقل إلى نموذج شائع من كتب الغرب الرائجة حالياً، هو (كتب الجهلة) التي تكتسح الأسواق الأمريكية والأوربية. اعتمدت هذه السلسلة تبسيط المعلومات والأفكار وأسلوب الكتابة، وإعادة بناء اجتماعية للرواية التاريخية، بما جعل بعض المتابعين يعتبرونها (فكراً سريعاً) على نسق (وجبات الطعام السريعة). وبعدما نظر كبار الكتاب إلى هذه الكتب بازدراء واستنكار رافضين التعامل مع دور النشر التي تصدرها، أذهلهم النجاح الكاسح الذي لاقته فصاروا هم الذين يتوسلون إلى دار النشر التي تصدرها لكي تقبل إنتاجهم وتكلفهم بما تراه يلبي حاجة عامة القراء ورغباتهم من مواضيع، كما أكد فإنسان بابار، مدير دار النشر الفرنسية المتخصصة بهذا النوع من الكتب (3). نسارع هنا إلى إيضاح أن تسمية (الجهلة) حقيقية لسلاسل من الكتب، وليست وصفاً للتحقير أو التسفيه من قبلنا. فمنذ ربع قرن انتبهت دار نشر أمريكية إلى شغف الأسر بالمعلوماتية التي راح الناس يجاهرون على نطاق واسع بجهلهم إياها. وبالفعل تلقف الناس بلهفة أول كتاب أصدرته دار النشر تلك عن نظام دوس موجهاً إلى (الجهلة). وسرعان ما تكررت طبعات هذا الكتاب وبيعت ترجماته في عشرات الدول. اشترت دار نشر (الأولى - فيرست) الباريسية حقوق النشر سنة 2000 وأصدرت (الحاسوب للجهلة) و( الإنترنت للجهلة) فلاقت نجاحاً هائلاً فورياً شجعها على تجاوز المعلوماتية التي حصرت دار النشر الأمريكية إصداراتها للجهلة في إطارها، فأصدرت الدار الفرنسية (كيف ندفع ضرائب أقل) و(تجديد العلاقات الزوجية للجهلة) و( التوراة للجهلة) و( مرض السكري للجلة) ثم (تاريخ فرنسا للجهلة) الذي بيع منه سبعمائة ألف نسخة لدى صدوره سنة 2006. وقد راعت دار النشر الفرنسية تطعيم المعلومات المبسطة في هذه السلسلة بالفكاهة والسخرية الخفيفة تخفيفاً لجفاف الموضوعات الجادة لكتبها، بحيث تصبح إصدارات هذه السلسلة نسخة شعبية من نظيرتها الأكاديمية المعنونة (ماذا أعرف). صدر بعد ذلك كتاب (السياسة للجهلة) سنة 2007 فلقي انتشاراً غير مسبوق، بحيث تتالى إصدار دار النشر الفرنسية تلك كتباً مماثلة بيع منها سنة 2008 مليوني نسخة. وصدر في العام 2009 كتاب (الاشتراكية للجهلة) الذي ألفه اثنان من أبرز مفكري الحزب الاشتراكي الفرنسي هما الآن بورغينو ودوني لافير، محققاً أفضل المبيعات. صدر بعد ذلك كتاب (أوربا للجهلة) الذي ألفته سيلفي غولار، رئيسة الحركة الأوربية.
بعدما رأى د. غائيل بروستيير، المتخصص في العلوم السياسية، أن الجهلة لا يحتاجون إلى العلم، بل إلى خطاب عقائدي (شعبوي)، كتب عن الانتشار الواسع والنجاح الواضح لظاهرة كتب الجهلة فقال:" في ظروف عالم النشر المتميزة بصعوبتها، هكذا يصبح توجيه الكلام إلى الجهلة رهاناً مهماً ووسيلة نموذجية لنشر فكر معين. فعندما يتوجه المهيمنون بالحديث إلى الجهلة فليس من شأن ما هو مكتوم أو ما يصاغ بصورة جديدة أو الانحياز لمواقف أو الدوغمائية إلا أن تزداد وضوحاً. هذا هو الفكر المهيمن الذي يصاغ من قبل الجهلة وليس من أجل الجهلة "! (4).

المراجع
الخليج، الشارقة، 1/2/2007.
د. خير الدين عبد الرحمن، التعاطي الياباني مع الصراع العربي- الإسرائيلي، شؤون فلسطينية، نيقوسيا، آذار/نيسان1991.
مقابلة مع صحيفة لو فيغارو الباريسية، 15/10/2007.
لوموند دبلوماتيك، النسخة العربية، 9/10/2009، ص 29.



المصدر : الباحثون العدد 38 آب 2010

منقول للإفادة



توقيع » ابو العز


أينكم يا غايبين ؟؟؟؟
آش بيكم دارت لقدار مابان ليكم أثر ولا خبروا بيكم البشارة
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 10:44 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd