للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات العامة والشاملة > المنتدى الإسلامي > مدرسة القرآن والسنة > تفسير


شجرة الشكر2الشكر
  • 1 Post By أم سهام
  • 1 Post By خادم المنتدى

إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2017-12-24, 21:40
الصورة الرمزية أم سهام
 
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أم سهام غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute
افتراضي تفسير سورة المدثر





- تفسيرسورة المدثر عدد آياتها 56 ( آية 1-56 )
وهي مكية
{ 1 - 7 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ }
تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان الدعوة ، والصدع بالإنذار، فقال: { قُمِ } [أي] بجد ونشاط { فَأَنْذِرْ } الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ليكون ذلك أدعى لتركه، { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي: عظمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته.
{ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، [ونفاق]، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته.
ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، التي قال كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة.
ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن [جميع] النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن.
{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان، التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها ومما نسب إليها من قول أو عمل. ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها ، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه.
{ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } أي: لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك [الفضل] عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس [عندهم] إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء.
وقد قيل: إن معنى هذا، لا تعط أحدا شيئا، وأنت تريد أن يكافئك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
{ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس -بعد منة الله- من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة ، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

{ 8 - 10 } { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ }
أي: فإذا نفخ في الصور للقيام من القبور، وجمع الخلق للبعث والنشور.
{ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ } لكثرة أهواله وشدائده.
{ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } لأنهم قد أيسوا من كل خير، وأيقنوا بالهلاك والبوار. ومفهوم ذلك أنه على المؤمنين يسير، كما قال تعالى: { يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } .

{ 11 - 31 } { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ }
هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } أي: خلقته منفردا، بلا مال ولا أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه ، { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا } أي: كثيرا { و } جعلت له { بنين } أي: ذكورا { شُهُودًا } أي: دائما حاضرين عنده، [على الدوام] يتمتع بهم، ويقضي بهم حوائجه، ويستنصر بهم.
{ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا } أي: مكنته من الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، { ثُمَّ } مع هذه النعم والإمدادات { يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا.
{ كَلَّا } أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه { كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا } أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:
{ إِنَّهُ فَكَّرَ } [أي:] في نفسه { وَقَدَّرَ } ما فكر فيه، ليقول قولا يبطل به القرآن.
{ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و [لا] أمثاله، { ثُمَّ نَظَرَ } ما يقول، { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } في وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، { ثُمَّ أَدْبَرَ } أي: تولى { وَاسْتَكْبَرَ } نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي أن قال:
{ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار.
فتبا له، ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب!!
كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟!
أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد .
فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى:
{ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ } أي: لا تبقي من الشدة، ولا على المعذب شيئا إلا وبلغته.
{ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ } أي: تلوحهم [وتصليهم] في عذابها، وتقلقهم بشدة حرها وقرها.
{ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } من الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
{ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً } وذلك لشدتهم وقوتهم. { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } يحتمل أن المراد: إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، [كما قال تعالى: { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } ] ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا ما ذكر بعده في قوله: { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، { وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } أي: ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا قال: { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: شك وشبهة ونفاق. { وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل ولهذا قال:
{ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة وغيرهم { إلَّا هُوَ } فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكر [به] البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه.

{ 32 - 56 } { كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ * كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ }
{ كَلَّا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى { ألا } الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه، والمقسم عليه قوله: { إِنَّهَا } أي النار { لَإِحْدَى الْكُبَرِ } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } الآية.
{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } من أعمال السوء وأفعال الشر { رَهِينَةٌ } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ } فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ }
أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ فـ { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ } فلا إخلاص للمعبود، [ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين.
{ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق.
فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل، { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم . فلما بين الله مآل المخالفين، ورهب مما يفعل بهم، عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال: { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } أي: صادين غافلين عنها. { كَأَنَّهُمْ } في نفرتهم الشديدة منها { حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ } أي: كأنهم حمر وحش نفرت فنفر بعضها بعضا، فزاد عدوها، { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } أي: من صائد ورام يريدها، أو من أسد ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النفور عن الحق، ومع هذا الإعراض وهذا النفور، يدعون الدعاوى الكبار.
فـ { يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً } نازلة عليه من السماء، يزعم أنه لا ينقاد للحق إلا بذلك، وقد كذبوا، فإنهم لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين الحق وتوضحه، فلو كان فيهم خير لآمنوا، ولهذا قال: { كَلَّا } أن نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز، { بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ } فلو كانوا يخافونها لما جرى منهم ما جرى.
{ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } الضمير إما أن يعود على هذه السورة، أو على ما اشتملت عليه [من] هذه الموعظة، { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } لأنه قد بين له السبيل، ووضح له الدليل.
{ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا، وجعل ذلك تابعا لمشيئته، { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } أي: هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه. تم تفسير سورة المدثر ولله الحمد.



خادم المنتدى شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
رد مع اقتباس
قديم 2017-12-25, 18:39   رقم المشاركة : ( 2 )
مدير التواصــل

الصورة الرمزية خادم المنتدى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12994
تـاريخ التسجيـل : Oct 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الإقــــــــامــة : أرض اللـه الــواســعـــة
المشاركـــــــات : 32,928 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 18732
قوة التـرشيــــح : خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

خادم المنتدى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة المدثر

-************************-
شكرا جزبلا لك..بارك الله فيك
-****************************-
أم سهام شكر صاحب المشاركة.
توقيع » خادم المنتدى
السبت 01 ذي الحجة1440هـ/*/03غشت2019م
الإثنين 10 ذي الحجة1440هـ/*/12غشت2019م
الأحد 01 محرم1441هـ/*/01 شتنبر 2019م



  رد مع اقتباس
قديم 2017-12-25, 20:49   رقم المشاركة : ( 3 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة المدثر








* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق
{ يظ°أَيُّهَا ظ±لْمُدَّثِّرُ } * { قُمْ فَأَنذِرْ } * { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } * { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } * { وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ } * { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } * { وَلِرَبِّكَ فَظ±صْبِرْ } * { فَإِذَا نُقِرَ فِي ظ±لنَّاقُورِ } * { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ } * { عَلَى ظ±لْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } * { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } * { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } * { وَبَنِينَ شُهُوداً } * { وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } * { ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } * { كَلاَّ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً } * { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } * { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } * { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } * { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } * { ثُمَّ نَظَرَ } * { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } * { ثُمَّ أَدْبَرَ وَظ±سْتَكْبَرَ } * { فَقَالَ إِنْ هَـظ°ذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ } * { إِنْ هَـظ°ذَآ إِلاَّ قَوْلُ ظ±لْبَشَرِ } * { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ } * { لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ } * { لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ } * { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } * { وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَظ°بَ ظ±لنَّارِ إِلاَّ مَلَظ°ئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَظ°بَ وَيَزْدَادَ ظ±لَّذِينَ ءَامَنُوغ¤اْ إِيمَظ°ناً وَلاَ يَرْتَابَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَظ°بَ وَظ±لْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ظ±لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَظ±لْكَظ°فِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىظ° لِلْبَشَرِ } * { كَلاَّ وَظ±لْقَمَرِ } * { وَظ±للَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } * { وَظ±لصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ } * { إِنَّهَا لإِحْدَى ظ±لْكُبَرِ } * { نَذِيراً لِّلْبَشَرِ } * { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } * { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } * { إِلاَّ أَصْحَابَ ظ±لْيَمِينِ } * { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ } * { عَنِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } * { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } * { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ظ±لْمُصَلِّينَ } * { وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ظ±لْمِسْكِينَ } * { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ظ±لُخَآئِضِينَ } * { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ظ±لدِّينِ } * { حَتَّىظ° أَتَانَا ظ±لْيَقِينُ } * { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ظ±لشَّافِعِينَ } * { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } * { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ } * { فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } * { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ظ±مْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىظ° صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } * { كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ظ±لآخِرَةَ } * { كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } * { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } * { وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ظ±للَّهُ هُوَ أَهْلُ ظ±لتَّقْوَىظ° وَأَهْلُ ظ±لْمَغْفِرَةِ }

اللغَة:
{ ظ±لْمُدَّثِّرُ } المتغطي بثيابه، تدثر: لبس الدثار وهو الثوب الذي فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد، ومنه حديث " الأنصار شعار، والناس دثار " { ظ±لنَّاقُورِ } الصور الذي ينفخ فيه، والنقر في كلام العرب الصوت، سمي ناقوراً لأنه يخرج منه صوت عظيم رهيب، يفزع الناس منه ويموتون { عَبَسَ } قطب بين عينيه { بَسَرَ } كلح وجهه وتغير لونه قال الليث: عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل كلح، فإن اهتم في الأمر وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل: بسل { أَسْفَرَ } أضاء وانكشف { ظ±لْكُبَرِ } الدواهي وعظائم المصائب والعقوبات قال الراجز:يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر داهية الدهر وصمَّاء الغير{ قَسْوَرَةٍ } أسد، من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، وقيل هو جماعة الرماة الذين يتصيدون قال الأزهري: هو اسم جمع للرماة لا واحد له من جنسه قال لبيد:إذا ما هتفنا هتفة في ندِّينا أتانا الرجال الصَّائدون القساور
سَبَبُ النّزول:
روي أنه لما نزل قوله تعالى { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة - يعني محمداً صلى الله عليه وسلم - يتوعدنا ويخوفنا بجهنم، ويخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم!! فقال " أبو الأسد الجمحي ": أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله تعالى { وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ظ±لنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ... } الآية.

التفسِير:

{ يظ°أَيُّهَا ظ±لْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ } أي يا أيها المتغطي بقطيفته يريد النوم والراحة، قم من مضجعك قيام عزم وتصميم، وحذر الناس من عذاب الله إن لم يؤمنوا، خوطب صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ " المدثر " مؤانسة له صلى الله عليه وسلم وتلطفاً، كما خوطب بلفظ { ظ±لْمُزَّمِّلُ } في السورة السابقة قال المفسرون:
" كان صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء فجاءه جبريل بالآيات الكريمة { ظ±قْرَأْ بِظ±سْمِ رَبِّكَ ظ±لَّذِي خَلَقَ.. } الآيات وهي أول ما نزل عليه من القرآن، فرجع يرجف فؤاده فقال لخديجة: زملوني، زملوني فنزلت { يظ°أَيُّهَا ظ±لْمُزَّمِّلُ * قُمِ ظ±لَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً } " الآيات ثم فتر الوحي فحزن صلى الله عليه وسلم فبينا هو يمشي سمع صوتاً من السماء، فرفع رأسه فإِذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فعراه صلى الله عليه وسلم من رؤيته الرعب والفزع، فجاء إلى أهله فقال: دثروني، دثروني فأنزل الله { يظ°أَيُّهَا ظ±لْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ } قال القرطبي: وفي هذا النداء ملاطفة في الخطاب، من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بوصفه ولم يقل " يا محمد " ليستشعر اللين والملاطفة من ربه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان يوم الخندق: " قم يا نومان " { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي عظم ربك، وخصه بالتمجيد والتقديس، وأفرده بالعظمة والكبرياء، فليس هناك من هو أكبر من الله قال الألوسي: أي اخصص ربك بالتكبير، وهو وصفه تعالى بالكبرياء والعظمة، اعتقاداً وقولاً، وإنما ذكرت هذه الجملة بعد الأمر بالإِنذار، تنبيهاً للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم الاكتراث بالكفار، فإن نواصي الخلائق بيد الجبار، فلا ينبغي أن يبالي الرسول بأحد من الخلق، ولا أن يرهب سوى الله، فإن كل كبير مقهور تحت عظمته تعالى وكبريائه { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } أي وثيابك فطهرها من النجاسات والمستقذرات، فإن المؤمن طيبٌ طاهر، لا يليق منه أن يحمل الخبيث، قال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه وقال ابن عباس: كنَّى بالثياب عن القلب والمعنى وقلبك فطهر من الإِثم والمعاصي واستشهد بقول غيلانوإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنعيقول العرب: فلان طاهر الثياب أو نقي الثياب، يريدون وصفه بالنقاء من المعايب وذميم الصفات، ويقولون: فلان دنس الثياب إذا كان موصوفاً بالأخلاق الذميمة قال الرازي: والسبب في حسن هذه الكناية، أن الثوب كالشيء الملازم للإِنسان، فلهذا السبب جعلوا الثوب كناية عن الإِنسان، فقالوا: المجدُ في ثوبه، والعفة في إزاره { وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ } أي اترك عبادة الأصنام والأوثان ولا تقربها قال ابن زيد: الرجز: الآلهة التي كانوا يعبدونها، فأمره أن يهجرها فلا يأتيها ولا يقربها وقال الإِمام الفخر: الرجز: اسم للقبيح المستقذر كالرجس قال تعالى
{ فَظ±جْتَنِبُواْ ظ±لرِّجْسَ مِنَ ظ±لأَوْثَانِ }
[الحج: 30] وقوله { وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ } كلام جامع لمكارم الأخلاق، كأنه قيل له: اهجر الجفاء، والسفه، وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين، والمراد بالهجر الأمر بالمداومة على ذلك الهجران، كما يقول المسلم:
{ ظ±هْدِنَا ظ±لصِّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ }
[الفاتحة: 6] ليس معناه أنه ليس على الهداية، بل المراد ثبتنا على هذه الهداية { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } أي ولا تعط الناس عطاء وتستكثره، لأن الكريم يستقل ما يعطي وإن كان كثيراً، واعط عطاء من لا يخاف الفقر وقال ابن عباس: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها بمعنى: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وسر النهي أن يكون العطاء خالياً عن انتظار العوض تعففاً وكمالاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق { وَلِرَبِّكَ فَظ±صْبِرْ } أي اصبر على أذى قومك، ابتغاء وجه ربك.. ثم أخبر تعالى عن أهوال القيامة وشدائدها فقال: { فَإِذَا نُقِرَ فِي ظ±لنَّاقُورِ } أي فإِذا نفخ في الصور، نفخة البعث والنشور، وعبر عن النفخ وعن الصور، بالنقر في الناقور، لبيان هول الأمر وشدته، فإن النفر في كلام العرب معناه الصوت وإذا اشتد الصوت أصبح مفزعاً فكأنه يقول: إصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى عاقبة صبرك، ولهذا قال بعده { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ } أي فذلك اليوم يوم شديد هائل، يشتد فيه الهول ويعسر الأمر عليهم، والإِشارة بالبعيد { فَذَلِكَ } للإِيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة { عَلَى ظ±لْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } أي هو عسير على الكافرين، غير هين ولا يسير عليهم، لأنهم يناقشون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقاً، ويفتضحون على رءوس الأشهاد، قال الصاوي: ودلت الآية على أنه يسير على المؤمنين، لأنه قيد عسره بالكافرين، وفيها زيادة وعيد وغيظ للكافرين، وبشرى وتسلية للمؤمنين.
. ثم أخبر عن قصة ذلك الشقي الكافر " الوليد بن المغيرة " وقوله الشنيع في القرآن فقال { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } أي دعني يا محمد وهذا الشقي، الذي خلقته في بطن أُمه وحيداً فريداً، لا مال له ولا ولد، ولا حول له ولا مدد، ثم كفر بي وكذب بآياتي قال المفسرون: نزلت في " الوليد بن المغيرة " كان من أكابر قريش، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش، وقد أنعم الله عليه بنعم الدنيا من المال والبنين، وأغدق عليه الرزق فكان ماله كالنهر الدافق، وكان للوليد بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفاً ولا شتاء، فكفر بأنعم الله وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء علهيا، وفيه نزل { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } وهو أسلوب بليغ في التهديد، كما نزلت فيه الآيات المتقدمة في سورة نون،
{ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ }
[القلم: 10] إلى
{ سَنَسِمُهُ عَلَى ظ±لْخُرْطُومِ }
[القلم: 16] وهو الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاد له، فإن صناديد قريش لما برموا برسول الله، وضاقت عليهم الحيل في إسكاته، وإطفاء نور دعوته، لجأوا إلى الوليد فأشار عليهم بأن يلقبوه صلى الله عليه وسلم بالساحر، ويأمروا عبيدهم وصبيانهم أن ينادوا بذلك في مكة، فجعلوا ينادون إن محمداً ساحر، فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآيات الكريمة في معرض تهديده وتخويفه، ليكون ذلك أدعى للكسر من كبريائه ثم قال تعالى { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } أي جعلت له المال الواسع المبسوط، من الإِبل، والخيل، والغنم، والبساتين النضرة قال البيضاوي: { مَّمْدُوداً } أي مبسوطاً كثيراً، وكان له الزرع والضرع والتجارة قال ابن عباس: كان ماله ممدوداً ما بين مكة والطائف وقال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفاً { وَبَنِينَ شُهُوداً } أي وأولاداً مقيمين معه في بلده، يحضرون معه المحافل والمجامع، يستأنس بهم ولا يتنغَّص عيشه لفراقهم قال المفسرون: كان له عشرة بنين لا يفارقونه سفراً ولا حضراً، وكان مستأنساً بهم وله بهم عز ومنعة، أسلم منهم ثلاثة: " خالد، وهشام، والوليد ".
. وبعد أن ذكر من مظاهر النعم المال والبنين عاد فعمم الخيرات الدنيوية التي أنعم بها الله عليه فقال { وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } أي بسطت بين يديه الدنيا بسطاً، ويسرت له تكاليف الحياة، ومظاهر الجاه والعز والسيادة، فكان في قريش عزيزاً منيعاً، وسيداً مطاعاً { ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } أي ثم بعد هذا العطاء الجزيل يطمع أن أزيد له في ماله وولده وقد كفر بي قال الفخر الرازي: لفظ { ثُمَّ } هنا للإِنكار والتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك داري، وأطعمتك وأكرمتك ثم أنت تشتمني!! أي ومع كل هذا الإِنعام والإِكرام فقد كفر وجحد، وبدل أن يشكر الوليد لربه هذا الإِحسان، ويقابله بالطاعة والإِيمان، عكس الأمر وقابله بالجحود والكفران { كَلاَّ } ردع وزجر أي ليرتدع هذا الفاجر الأثيم عن ذلك الطمع الفاسد، ثم علل ذلك بقوله { إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً } أي لأنه معاند للحق، جاحد بآيات الله، مكذب لرسوله، فكيف يطمع بالزيادة هذا الشقي العنيد؟ { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } أي سأكلفه وألجئه إلى عذاب صعب شاق لا يطاق، تضعف عنه قوته كما تضعف قوة من يصعد في الجبل قال القرطبي: { صَعُوداً } صخرة ملساء يكلف صعودها، فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم، فيهوي ألف عام قبل أن يبلغ قرارها وفي الحديث " الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي فيه كذلك أبداً " { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } أي إنه فكر في شأن النبي والقرآن، وأجال رأية وذهنه الثاقب، ثم رتب وهيأ كلاماً في نفسه، ماذا يقول في القرآن؟ وبماذا يطعن فيه؟ قال تعالى دعاء عليه { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } أي قاتله الله وأخزاه على تلك الكلمة الحمقاء التي أجالها في نفسه، حيث قال عن القرآن، إنه سحر، وقال عن محمد إنه ساحر، وفي الآية استهزاء به وتهكم، حيث قدر ما لا يصح تقديره، ولا يسوغ أن يقوله عاقل قال في البحر: يقول العرب عند استعظام الأمر والتعجب منه: قاتله الله، ومرادهم أنه قد بلغ المبلغ الذي يحسد عليه ويدعي عليه من حُسَّاده، والاستفهام في قوله { كَيْفَ قَدَّرَ }؟ في معنى ما أعجب تقديره وما أغربه؟ كقولهم أي رجل هذا؟ أي ما أعظمه؟ { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } كرر العبارة تأكيداً لذمه وتقبيحاً لحاله، ولغاية التهكم به، كأنه قال: قاتله الله ما أروع تفكيره، وأبدع رأيه الحصيف؟ حيث قال عن القرآن إنه سحر يؤثر؟ قال المفسرون: مر الوليد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ القرآن، فاستمع لقراءته وتأثر بها، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً، ما هو من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جانب الوليد حزيناً، فقال له الوليد: ما لي أراك حزيناً يا ابن أخي؟! فقال: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالاً ليعينوك به على كبر سنك، ويزعمون أنك زيَّنت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه، وتنال من ماله!! فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالاً وولداً؟! وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذباً قط؟ قالوا اللهم لا، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرِّق بين الرجل وأهله وولده، وما هذا الذي يقوله إلا سحر يؤثر، فذلك قوله تعالى { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } الآيات تركنا الوليد يفكر ويقدر، ولنرجع إليه لنرى ماذا فعل بعد، قال تعالى { ثُمَّ نَظَرَ } أي أجال النظر مرة أُخرى متفكراً في شأن القرآن { ثُمَّ عَبَسَ } أي ثم قطب وجهه وكلحه ضيقاً بما يقول { وَبَسَرَ } أي وزاد في القبض والكلوح، كالمهتم المتفكر في أمر يدبره قال في التسهيل: البسور تقطيب الوجه وهو أشد من العبوس { ثُمَّ أَدْبَرَ وَظ±سْتَكْبَرَ } أي ثم أعرض عن الإِيمان، وتكبر عن اتباع الهدى والحق { فَقَالَ إِنْ هَـظ°ذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ } أي فقال: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر ينقله ويرويه عن السحرة { إِنْ هَـظ°ذَآ إِلاَّ قَوْلُ ظ±لْبَشَرِ } أي ليس هذا كلام الله، وما هو إلا كلام المخلوقين، يخدع به محمد القلوب، ويؤثر فيها كما يؤثر السحر بالمسحور قال الألوسي: هذا كالتأكيد للجملة الأولى، لأن المقصود منهما نفي كونه قرآنا أو من كلام الله تعالى، ولذلك لم يعطف عليها بالواو، وفي وصف إشكاله واستنباطه هذا القول السخيف استهزاء به، وإشارة إلى أنه عن الحق بمعزل، ويظهر من تتبع أحوال الوليد، أنه إنما قال ذلك عناداً وحمية جاهلية، لا جهلاً بحقيقة الحال، ألا ترى ثناءه على القرآن ونفيه عنه جميع ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون!! { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } أي سأدخله جهنم يتلظى حرها، ويذوق عذابها { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ }؟ استفهام للتهويل والتفظيع أي وما أعلمك أي شيء هي سقر؟ { لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ } أي لا تبقي على شيء فيها إلا أهلكته، ولا تترك أحداً من الفجار إلا أحرقته قال ابن عباس: لا تبقي من الدم والعظم واللحم شيئاً، فإذا أعيد خلقهم من جديد تعاود إحراقهم بأشد مما كانت وهكذا أبداً { لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ } أي تلوح وتظهر لأنظار الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهولها كقوله تعالى
{ وَبُرِّزَتِ ظ±لْجَحِيمُ لِمَن يَرَىظ° }
[النازعات: 36] قال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام حتى يروها عياناً فهي بارزة إِلى أنظارهم، يرونها من غير استشراف ولا مدِّ أعناق { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } أي خزنتها الموكلون عليها تسعة عشر ملكاً من الزبانية الأشداء كقوله تعالى
{ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ظ±للَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
[التحريم: 6] قال ابن عباس: " ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف انسان في قعر جهنم " قال الألوسي: روي عن ابن عباس أنها لما نزلت { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أُمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة - يعني محمداً - يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدَّهم - أي العدد - الشجعان، أفيعجز كل عشرةٍ منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال أبو الأشد الجمحي: - وكان شديد البطش - أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله { وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ظ±لنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً } أي وما جعلنا خزنة النار إِلا من الملائكة الغلاظ الشداد، ولم نجعلهم من البشر حتى يصارعوهم ويغالبوهم { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لم نجعل ذلك العدد إلاَّ سبباً لفتنة وضلال المشركين، حين استقلوا بعددهم واستهزءوا حتى قال أبو جهل: أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحدٍ منهم ثم تخرجون من النار؟ قال الطبري: وإِنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنةً للكافرين، لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم لأصحابه - على سبيل الاستهزاء - أنا أكفيكموهم { لِيَسْتَيْقِنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ } أي ليتيقن أهل الكتاب من صدق محمد، وأن هذا القرآن من عند الله، إِذ يجدون هذا العدد في كتبهم المنزَّلة { وَيَزْدَادَ ظ±لَّذِينَ آمَنُوغ¤اْ إِيمَاناً } أي ويزداد المؤمنون تصديقاً لله ورسوله، بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم وتسليم أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقاً للتوراة والإِنجيل { وَلاَ يَرْتَابَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ وَظ±لْمُؤْمِنُونَ } أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في عددهم، وهذا تأكيدٌ لما قبله لأنه لما ذكر اليقين نفى عنهم الشك، فكان قوله { وَلاَ يَرْتَابَ } مبالغة وتأكيداً، وهو ما يسميه علماء البلاغة الإِطناب { وَلِيَقُولَ ظ±لَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَظ±لْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً } أي وليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق والكافرون من أهل مكة: أيَّ شيء أراد الله بهذا القول العجيب، الذي هو مثل في الغرابة والبداعة؟ ولماذا يخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة عشر؟ قال الرازي: إِثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي حصول الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إِعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب فإِنهم يستهزئون به ويضحكون منه، ولذلك بيَّن تعالى الغاية من ذكر هذا الخبر أوضح بيان { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } أي مثل ما أضلَّ الله أبا جهل وأصحابه، يضلُّ الله عن الهداية والإِيمان من أراد إِضلاله، ويهدي من أراد هدايته، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ } أي وما يعلم عدد الملائكة، وقوتهم وضخامة خلقهم، وكثرتهم إِلا الله رب العالمين، وفي الآية ردٌّ على أبي جهل حين قال: أما لربِّ محمد أعوان إِلاّ تسعة عشر؟ { وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىظ° لِلْبَشَرِ } أي وما هذه النار التي وصفها لكم الجبار، إِلا موعظة وتذكرة للخلق ليخافوا ويطيعوا { كَلاَّ وَظ±لْقَمَرِ } { كَلاَّ } كلمة ردع وزجر ثم أقسم تعالى بالقمر على أن سقر حق، والمعنى ليرتدع أولئك المستهزئون بالوحي والقرآن عن فعلهم وسوء صنيعهم، وأُقسم بالقمر { وَظ±للَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } أي وأُقسم بالليل حين ولَّى بظلمته ذاهباً { وَظ±لصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ } أي وبالصبح إِذا تبلَّج وأضاء، ونشر ضياءه على الأرجاء { إِنَّهَا لإِحْدَى ظ±لْكُبَرِ } أي إِن جهنم لإِحدى الدواهي الكبيرة، والبلايا الخطيرة، فكيف يستهزئون بها ويكذبون؟ قال أبو حيان: أقسم تعالى بهذه الأشياء تشريفاً لها، وتنبيهاً على ما يظهر فيها من عجائب الله وقدرته، وقوام الوجود بإِيجادها، أقسم على أن جهنم إِحدى الدواهي العظيمة التي لا نظير لها - وفي الآية إِيماء إِلى أن الشمس والقمر مخلوقان لله، وأنهما في حركاتهما وإِدبارهما وإِسفارهما، ونشوء الليل والنهار عنهما، مسخران لأمره تعالى، ساجدان بين يدي قدرته وقهره، فكيف يحسن بالبشر أن يعبدوهما ويكفروا بالإِله الذي خلقهما؟ ثم قال تعالى عن جهنم { نَذِيراً لِّلْبَشَرِ } أي هي إِنذار للخلق ليتقوا ربهم { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } أي لمن أراد من العباد أن يتقرب الى ربه بفعل الخيرات أو يتأخر بفعل الموبقات قال في البحر: والمراد بالتقدم والتأخر: السبق الى الخير والتخلف عنه كقوله تعالى:
{ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }
[الكهف: 29] قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها بمعصيته { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } أي كل نفس محبوسة بعملها، مرهونةٌ عند الله بكسبها، ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات { إِلاَّ أَصْحَابَ ظ±لْيَمِينِ } أي إِلا فريق السعداء المؤمنين، فإِنهم فكوا رقابهم وخلَّصوها من السجن والعذاب، بالإِيمان وطاعة الرحمن { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ظ±لْمُجْرِمِينَ } أي هم في جناتٍ وبساتين لا يدرك وصفها، يسأل بعضهم بعضاً عن حال المجرمين الذين في النار، والسؤال لزيادة تبكيت أولئك المجرمين وتوبيخهم، وإِدخال الألم والحسرة على نفوسهم، يقولون لهم { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }؟ ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال في البحر: وسؤالهم سؤال توبيخ لهم وتحقير، وإِلاّ فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ظ±لْمُصَلِّينَ } أي قال المجرمون مجيبين للسائلين: لم نكن من المصلين في الدنيا لرب العالمين { وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ظ±لْمِسْكِينَ } أي ولم نكن نتصدق ونحسن إِلى الفقراء والمساكين قال ابن كثير: مرادهم في الآيتين: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إِلى خلقه من جنسنا { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ظ±لُخَآئِضِينَ } أي وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية والضلالة، ونقع معهم فيما لا ينبغي من الأباطيل قال في التسهيل: والخوض هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ظ±لدِّينِ } أي نكذب بيوم القيامة، وبالجزاء والمعاد، وإِنما أخر التكذيب بيوم الدين تعظيماً له، لأنه أعظم جرائمهم وأفحشها { حَتَّىظ° أَتَانَا ظ±لْيَقِينُ } أي حتى جاءنا الموت ونحن في تلك المنكرات والضلالات، قال تعالى معقباً على اعترافهم بتلك الجرائم { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ظ±لشَّافِعِينَ } أي ليس لهم شافع ينقذهم من عذاب الله، ولو شفع لهم أهل الأرض ما قبلت شفاعتهم فيهم قال ابن كثير: من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإِنه لا تنفعه بيوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن الشفاعة إِنما تنجع إِذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى الله كافراً فإِنه مخلد في النار أبداً.. ولما ذكر تعالى قبائحهم وشنائعهم عاد بالتوبيخ والتقريع عليهم فقال { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }؟ فما لهؤلاء المشركين معرضين عن القرآن وآياته، وما فيه من المواعظ البليغة والنصائح والإِرشادات؟ { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ } أي كأن هؤلاء الكفار حمر وحشية نافرة وشاردة { فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } أي هربت ونفرت من الأسد من شدة الفزع قال في البحر: شبههم تعالى بالحمر النافرة مذمة لهم وتهجيناً وقال ابن عباس: الحمر الوحشية إِذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إِذا رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم هربوا منه كما يهرب الحمار من الأسد ثم قال: والقسورة: الأسد { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ظ±مْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىظ° صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } أي بل يطمع كل واحد من هؤلاء المجرمين أن ينزل عليه كتاب من الله كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يتنزَّل عليه الوحي كما تنزَّل على الرسل والأنبياء، والغرض من الآية بيان إِمعانهم في الضلالة وكأنه يقول: دع عنك ذكر إِعراضهم وغباوتهم ونفارهم نفار العجماوات مما فيه خيرهم وسعادتهم، واستمع لما هو أعجب وأغرب، وذلك طمع كل فردٍ منهم أن يكون رسولاً يوحى إِليه، وهيهات أن يصل الاشقياء إلى مراتب الأنبياء، ثم قال تعالى { كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ظ±لآخِرَةَ } أي ليرتدعوا وينزجروا عن مثل ذلك الطمع، بل الحقيقة أنهم قوم لا يصدقون بالبعث والحساب، ولا يؤمنون بالنعيم والعذاب، وهذا هو الذي أفسدهم وجعلهم يعرضون عن مواعظ القرآن { كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } كرَّر الردع والزجر لهم بقوله { كَلاَّ } ثم قال { إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } أي إِنَّ هذا القرآن موعظة بليغة، كافية لاتعاظهم لو أرادوا لأنفسهم السعادة { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } أي فمن شاء اتعظ بما فيه، وانتفع بهداه { وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ظ±للَّهُ } أي وما يتعظون به إِلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ويتعظوا، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وترويح عن قلبه الشريف، مما كان يخامره من إِعراضهم وتكذيبهم له { هُوَ أَهْلُ ظ±لتَّقْوَىظ° وَأَهْلُ ظ±لْمَغْفِرَةِ } أي هو جل وعلا أهلٌ لأن يتقى لشدة عقابه، وأهل لأن يغفر الذنوب لكرمه وسعة رحمته قال الألوسي: أي حقيقٌ بأن يتقى عذابه ويطاع، وحقيقٌ بأن يغفر لمن آمن به وأَطاعه وفي الحديث عن أنس
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { هُوَ أَهْلُ ظ±لتَّقْوَىظ° وَأَهْلُ ظ±لْمَغْفِرَةِ } ثم قال " قال ربكم: أنا أهل أن أُتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إِلهاً فأنا أهلٌ أن أغفر له ".

البَلاَغَة:

تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:


1- الطباق بين { عَسِيرٌ.. ويَسِيرٍ } كما أن بين اللفظتين جناس الاشتقاق.

2- المقابلة بين { وَظ±للَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } وبين { وَظ±لصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ }.

3- الإِطناب بتكرار الجملة { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } زيادة في التوبيخ والتشنيع.

4- جناس الاشتقاق { فَإِذَا نُقِرَ فِي ظ±لنَّاقُورِ }.

5- تقديم المفعول لإِفادة الاختصاص { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ }.

6- الطباق بين { كَذَلِكَ يُضِلُّ ظ±للَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ } وبين { يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ }.

7- أسلوب التقريع والتوبيخ بطريق الاستفهام { فَمَا لَهُمْ عَنِ ظ±لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }؟

8- التشبيه التمثيلي { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.

9- الإِيجاز بحذف بعض الجمل { يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ظ±لْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ }؟ أي قائلين لهم: ما سلككم في سقر، فحذف اعتماداً على فهم المخاطبين.

10- الاستفهام للتهويل والتفخيم { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ }؟

11- ذكر الخاص بعد العام { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ظ±لدِّينِ } خصَّه بالذكر مع أنه داخل في الخوض بالباطل مع الخائضين لبيان تعظيم هذا الذنب.

12- السجع المرصَّع مثل { كَلاَّ وَظ±لْقَمَرِ * وَظ±للَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَظ±لصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ * إِنَّهَا لإِحْدَى ظ±لْكُبَرِ } ومثل { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ظ±لُخَآئِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ظ±لدِّينِ * حَتَّىظ° أَتَانَا ظ±لْيَقِينُ } الخ.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 10:52 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd