للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات العامة والشاملة > المنتدى الإسلامي > مدرسة القرآن والسنة > تفسير


شجرة الشكر6الشكر
  • 2 Post By أم سهام
  • 1 Post By أم سهام
  • 1 Post By oujdi

إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2017-08-31, 15:33
الصورة الرمزية أم سهام
 
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أم سهام غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute
افتراضي تفسير سورة الفتح





* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق
{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } * { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } * { وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } * { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } * { لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً } * { وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } * { وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } * { إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } * { لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } * { سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } * { بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } * { وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً } * { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } * { سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } * { قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } * { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً }

اللغَة:
{ ٱلسَّكِينَةَ } السكونُ والطمأنينة والثباتُ { ٱلسَّوْءِ } المساءة والحزن والألم قال الجوهري: ساءَه سوءاً بالفتح ومساءةً نقيضُ سَّره، والإِسمُ السُّوءُ بالضم، ودائرة السُّوء يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة { تُعَزِّرُوهُ } تعظّموه وتنصروه وتمنعوا الأذى عنه، وسمي التعزيزُ في الحدود تعزيزاً لأنه مانع من فعل القبيح { نَّكَثَ } نقض البيعة والعهد { بُوراً } هلكى قال الجوهري: البورُ: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، و " قوماً بوراً " جمع بائر، وبار فلان أي هالك { حَرَجٌ } إثم وذنب.


سَبَبُ النّزول:
عن ابن عباس قال: تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعراب المدينة حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم معه حذراً من قريش، وأحرم بعمرةٍ وساق معه الهدي ليعلم الناسُ أنه لا يريد حرباً، فتثاقلوا عنه واعتلُّوا بالشغل فنزلت { سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا.. } الآية.


التفسِير:
{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } أي قد فتحنا لك يا محمد مكة فتحاً بيناً ظاهراً، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، والمراد بالفتح فتح مكة، وعده الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين قال الزمخشري: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وهو وعدٌ له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة ربّ العزَّة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لا يخفى { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } أي ليغفر لك ربك يا محمد جميع ما فرط منك من ترك الأولى قال أبو السعود: وتسميتُه ذنباً بالنظر إِلى منصبه الجليل وقال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريفٌ عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ هو أكمل البشر على الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره الله بالفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر { وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } أي ويكمّل نعمته عليك بإِعلاء الدين ورفع مناره { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } أي ويرشدك إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم؛ بما يشرعه لك من الدين العظيم { وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } أي وينصرك الله على أعدائك نصراً قوياً منيعاً، فيه عزةٌ وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخرة { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي هو جل وعلا الذي جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين { لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ } أي ليزدادوا يقيناً مع يقينهم، وتصديقاً مع تصديقهم، برسوخ العقيدة في القلوب، والتوكل على علاَّم الغيوب { وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي وللهِ - جلَّت عظمته - كل جنود السماوات والأرض، من الملائكة والجن، والحيوانات، والصواعق المدمّرة، والزلازل، والخسف، والغرق، جنودٌ لا تُحصى ولا تُغلب، يسلطها على من يشاء قال ابن كثير: ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد، لما له في ذلك من الحجة القاطعة والحكمة البالغة ولذلك قال { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } أي عليماً بأحوال خلقه، حكيماً في تقديره وتدبيره قال المفسرون: أراد بإِنزال السكينة في قلوب المؤمنين " أهل الحديبية " حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما يزعج النفوس ويزيغ القلوب، من صد الكفار لهم عن دخول مكة، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصود، فلم يرجع منهم أحدٌ عن الإِيمان، بعد أن هاج الناس وماجوا، وزلزلوا حتى جاء عمر بن الخطاب إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست نبيَّ الله حقاً؟ قال: بلى، قال ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال بلى، قال: فلم نعط الدنيَّة في ديننا إِذن؟ قال إِني رسول الله وليست أعصيه وهو ناصري.
.الخ. { لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } أي ليدخلهم - على طاعتهم وجهادهم - حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً { وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } أي ويمحو عنهم خطاياهم وذنوبهم { وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً } أي وكان ذلك الإِدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزاً كبيراً وسعادةً لا مزيد عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم { وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ } أي وليعذِّب الله أهل النفاق والإِشراك، وقدَّمهم على المشركين لأنهم أعظم خطراً وأشد ضرراً من الكفار المجاهرين بالكفر { ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر رسوله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعاً كما قال تعالى { بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً } قال القرطبي: ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إِلى المدينة ولا أحدٌ من أصحابه حين خرج إِلى الحديبية { عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ } دعاءٌ عليهم أي عليهم ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار { وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ } أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } أي وهيأ لهم في الآخرة ناراً مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعاً ومنقلباً لأهل النفاق والضلال { وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } تأكيد للانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود الله قد يكون إِنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين وثانياً لبيان إِنزال العذاب عل الكافرين { وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } أي عزيزاً في ملكه وسلطانه، حكيماً في صنعه وتدبيره قال الصاوي: ذكر هذه الآية أولاً في معرض الخلق والتدبير فذيَّلها بقوله{ عَلِيماً حَلِيماً }
[الأحزاب: 51] وذكرها ثانياً في معرض الانتقام فذيَّلها بقوله { عَزِيزاً حَكِيماً } وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى ينزل جنود الرحمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإِهلاك الكافرين.. ثم امتن تعالى على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إِلى كافة الخلق فقال { إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } أي: إِنا أرسلناك يا محمد شاهداً على الخلق يوم القيامة، ومبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين من عذاب النار { لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حقَّ الإِيمان، إِيماناً عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب { وَتُعَزِّرُوهُ } أي تُفخموه وتُعظِّموه { وَتُوَقِّرُوهُ } أي تحترموا وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم { وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب متصلاً بالله في كل آن، ثم قال تعالى { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } أي إن الذين يبايعونك يا محمد في الحديبية " بيعة الرضوان " إِنما يبايعون في الحقيقة اللهَ، وهذا تشريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سفيرٌ ومعبِّر عن الله قال المفسرون: المراد بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت كما روى الشيخان عن سلمة ابن الأكوع أنه قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت " وسميت " بيعة الرضوان " لقول الله فيها
{ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ }
[الفتح: 18] { يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } قال ابن كثير: أي هو تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى لله عليه وسلم وقال الزمخشري: يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يدُ الله، والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى
{ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }
[النساء: 80] { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } أي فمن نقض البيعة فإِنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه { وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ } أي ومنْ وفَّى بعهده { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } أي فسيعطيه الله ثواباً جزيلاً، وهو الجنة دار الأبرار { سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } أي سيقول لك يا محمد المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية من أعراب المدينة { شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } أي شُغلنا عن الخروج معك بالأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا لم يكن باختيار بل عن اضطرار قال في التسهيل: سمَّاهم تعالى بالمخلَّفين لأنهم تخلَّفوا عن غزوة الحديبية، - والأعراب هم أهل البوادي من العرب - لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدواً كثيراً من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إِيمانهم متمكناً فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة وأعلمَ تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إِليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } اي يقولون خلاف ما يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذار وطلب الاستغفار، لأنهم قالوه رياءً من غير صدقٍ ولا توبة { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً }؟ أي قل لهم: مَن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إِن أراد أن يُلحق بكم أمراً يضركم كالهزيمة، أو أمراً ينفعكم كالنصر والغنيمة؟ قال القرطبي: وهذا ردٌ عليهم حين ظنوا ان التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضرُّ، ويُعجل لهم النفع { بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في قلوبكم من الكذب والنفاق، ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال { بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً } أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمداً وأصحابه لن يرجعوا إِلى المدينة أبداً { وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ } أي وزُيّن ذلك الضلال في قلوبكم { وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } أي ظننتم أنهم يُسْتأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد { وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } أي وكنتم قوماً هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه { وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } لما بيَّن حال المتخلفين عن رسول الله، وبيَّن حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إِلى الكفر، حرَّضهم على الإِيمان والتوبة على سبيل العموم والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق الإِخلاص والصدق { فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً } أي فإِنَّا هيأنا للكافرين ناراً شديدة مستعرة، وهو وعيدٌ شديد للمنافقين { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي له جل وعلا جميع ما في السماوات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء { يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } أي يرحم من يشاء من عباده ويُعذب من يشاء، وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم { وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي واسع المغفرة عظيم الرحمة { سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } أي سيقول الذين تخلَّفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ذهابكم إِلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } أي اتركونا نخرج معكم إِلى خيبر لنقاتل معكم { يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ } أي يريدون أن يُغيّروا وعد الله الذي وعده لأهل الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد قال القرطبي: إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضاً عن فتح مكة إِذ رجعوا من الحديبية على صلح { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } أي قل لهم لا تتبعونا فلن يكون لكم فيها نصيب { كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } أي كذلكم حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب قبل رجوعنا منها { فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أي فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنيمة، قال تعالى ردّاً عليهم { بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لا يفهمون إِلا فهماً قليلاً وهو حرصهم على الغنائم وأمور الدنيا { قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي قل لهؤلاء الذين تخلَّفوا عن الحديبية ـ كرَّر وصفهم بهذا الإِسم إظهاراً لشناعته ومبالغةً في ذمهم - ستُدعون إِلى حرب قوم أشداء، هم بنو حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - أصحاب الردة { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي إِما أن تقتلوهم أو يدخلوا في دينكم بلا قتال { فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً } أي فإِن تستجيبوا وتخرجوا لقتالهم يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي وإِن تتخلفوا عن الخروج كما تخلفتم زمن الحديبية، يعذبكم اللهُ عذاباً شديداً مؤلماً في نار جهنم. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فقال { لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } أي ليس على هؤلاء إِثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار الظاهرة { وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } أي من يطع أمر الله وأمر الرسول يدخله جنات النعيم خالداً فيها { وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } أي ومن ينكل عن الجهاد لغير عذر يعذبه الله عذاباً شديداً، في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار.



خادم المنتدى و oujdi شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
رد مع اقتباس
قديم 2017-09-03, 16:04   رقم المشاركة : ( 2 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الفتح

* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق
{ لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ظ±لشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } * { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان ظ±للَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } * { وَعَدَكُمُ ظ±للَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـظ°ذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ ظ±لنَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } * { وَأُخْرَىظ° لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ظ±للَّهُ بِهَا وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً } * { وَلَوْ قَـظ°تَلَكُمُ ظ±لَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ظ±لأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { سُنَّةَ ظ±للَّهِ ظ±لَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ظ±للَّهِ تَبْدِيلاً } * { وَهُوَ ظ±لَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } * { هُمُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ وَظ±لْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ظ±للَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } * { إِذْ جَعَلَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ظ±لْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ظ±لْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىظ° رَسُولِهِ وَعَلَى ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ظ±لتَّقْوَىظ° وَكَانُوغ¤اْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ظ±للَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } * { لَّقَدْ صَدَقَ ظ±للَّهُ رَسُولَهُ ظ±لرُّءْيَا بِظ±لْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ظ±لْمَسْجِدَ ظ±لْحَرَامَ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } * { هُوَ ظ±لَّذِيغ¤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِظ±لْهُدَىظ° وَدِينِ ظ±لْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ظ±لدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىظ° بِظ±للَّهِ شَهِيداً } * { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ظ±لْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ظ±للَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ظ±لسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ظ±لتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ظ±لإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَظ±سْتَغْلَظَ فَظ±سْتَوَىظ° عَلَىظ° سُوقِهِ يُعْجِبُ ظ±لزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ظ±لْكُفَّارَ وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }

المنَاسَبَة:
لمَّا ذكر تعالى حال المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى حال المؤمنين المجاهدين الذين بايعوا الرسول " بيعة الرضوان " تسجيلاً لرضى الله تعالى عنهم، وتخليداً لمآثرهم الكريمة، وختم السورة الكريمة بالثناء على الصحابة الأبرار، بأبلغ ثناء وأكرم تمجيد.


اللغَة:
{ أَظْفَرَكُمْ } أظهركم وأعلاكم، ظفر بالشيء غلب عليه، وأظفره غلبه { مَعْكُوفاً } محبوساً ومنه الاعتكاف { مَّعَرَّةٌ } المعرَّة: العيب والمشقة اللاصقة بالإِنسان من العُرِّ وهو الجرب { تَزَيَّلُواْ } تميَّزوا { ظ±لْحَمِيَّةَ } الأنفة والغضب الشديد { سِيمَاهُمْ } علامتهم { شَطْأَهُ } الشطء: الفراخ قال الجوهري: شطءُ الزرع والنبات فراخُه والجمع أشطاء { آزَرَهُ } قوَّاه وأعانه وشدَّه.


سَبَبُ النّزول:
عن أنس رضي الله عنه أن ثمانين من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من التنعيم متسلحين يريدون الغدر به وبأصحابه فأخذناهم أسرى فأنزل الله تعالى { وَهُوَ ظ±لَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ... } الآية.


التفسِير:
{ لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ظ±لشَّجَرَةِ } اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك يا محمد " بيعة الرضوان " تحت ظل الشجرة بالحديبية قال المفسرون: كان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية أرسل عثمان بن عفان إلى أهل مكة يخبرهم أنه إِنما جاء معتمراً، وأنه لا يريد حرباً، فلما ذهب عثمان حبسوه عندهم، وجاء الخبر إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إِلى البيعة على أن يدخلوا مكة حرباً، وبايعوه على الموت، فكانت بيعة الرضوان، فلما بلغ المشركين ذلك أخذهم الرعب وأطلقوا عثمان وطلبوا الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يأتي في العام القابل، ويدخلها ويقيم فيها ثلاثة أيام، وكانت هذه البيعة تحت شجرة سمرة بالحديبية وقد سميت " بيعة الرضوان " ولما رجع المسلمون يعلوهم الحزنُ والكآبة، أراد الله تسليتهم وإِذهاب الحزن عنهم فأنزل هذه السورة على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من الحديبية

{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً }
[الفتح: 1] وكان عدد الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاً وأربعمائة رجل، وفيهم نزلت الآية الكريمة { لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ظ±لشَّجَرَةِ } ولم يتخلف عن البيعة إلا " الجد ابن قيس " من المنافقين، وحضر هذه البيعة روح القدس جبريل الأمين، ولهذا سُطرت في الكتاب المبين { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي فعلم تعالى ما في قلوبهم من الصدق والوفاء، عند مبايعتهم لك على حرب الأعداء { فَأنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } أي رزقهم الطمأنينة وسكون النفس عند البيعة { وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } أي وجازاهم على بيعة الرضوان بفتح خيبر، وما فيها من النصر والغنائم، زيادةً على ثواب الآخرة { وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } أي وجعل لهم الغنائم الكثيرة التي غنموها من خيبر قال ابن كثير: هو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العامِّ بفتح خبير، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى { وَكَان ظ±للَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } أي غالباً على أمره، حكيماً في تدبيره وصنعه، ولهذا نصركم عليهم وغنَّمكم أرضهم وديارهم وأموالهم { وَعَدَكُمُ ظ±للَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } أي وعدكم الله معشر المؤمنين - على جهادكم وصبركم - الفتوحات الكثيرة، والغنائم الوفيرة تأخذونها من أعدائكم، قال ابن عباس: هي المغانم التي تكون إِلى يوم القيامة قال في البحر: ولقد اتَّسع نطاق الإِسلام، وفتح المسلمون فتوحاً لا تُحصى، وغنموا مغانم لا تُعدُّ وذلك في شرق البلاد وغربها، حتى في الهند والسودان - تصديقاً لوعده تعالى - وقدم علينا أحد ملوك غانة من بلاد التكرور، وقد فتح أكثر من خمسة وعشرين مملكة من بلاد السودان، وأسلموا معه وقدم علينا ببعض ملوكهم يحج معه { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـظ°ذِهِ } أي فعجَّل لكم غنائم خيبر بدون جهد وقتال { وَكَفَّ أَيْدِيَ ظ±لنَّاسِ عَنْكُمْ } أي ومنع أيدي الناس أن تمتد إِليكم بسوء قال المفسرون: المراد أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرغب { وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } أي ولتكون الغنائم، وفتح مكة، ودخول المسجد الحرام علامة واضحة تعرفون بها صدق الرسول فيما أخبركم به عن الله { وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } أي ويهديكم تعالى إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم بجهادكم وإِخلاصكم قال الإِمام الفخر: والآية للإِشارة إِلى أنَّ ما أعطاهم من الفتح والمغانم، ليس هو كل الثواب، بل الجزاء أمامهم، وإِنما هي شيء عاجل عجَّله لهم لينتفعوا به، ولتكون آية لمن بعدهم من المؤمنين، تدل على صدق وعد الله في وصول ما وعدهم به كما وصل إِليكم { وَأُخْرَىظ° لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } أي وغنيمةً أخرى يسَّرها لكم، لم تكونوا بقدرتكم تستطيعون عليها، ولكنَّ الله بفضله وكرمه فتحها لكم، والمراد بها فتح مكة { قَدْ أَحَاطَ ظ±للَّهُ بِهَا } أي قد استولى الله عليها بقدرته ووهبها لكم، فهي كالشيء المحاط به من جوانبه محبوسٌ لكم لا يفوتكم { وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً } أي قادراً على كل شيء، لا يعجزه شيء أبداً، فهو القادر على نصرة أوليائه، وهزم أعدائه قال ابن كثير: المعنى أي وغنيمةً أخرى وفتحاً آخر معيناً، لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسَّرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإِنه تعالى يرزق عباده المتقين من حيث لا يحتسبون والمرادُ بها في هذه الآية " فتح مكة " وهو اختيار الطبري { وَلَوْ قَـظ°تَلَكُمُ ظ±لَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ظ±لأَدْبَارَ } تذكيرٌ لهم بنعمةٍ أخرى أي ولو قاتلكم أهل مكة ولم يقع الصلح بينكم وبينهم، لغلبوا وانهزموا أمامكم ولم يثبتوا { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } أي ثم لا يجدون من يتولّى أمرهم بالحفظ والرعاية، ولا من ينصرهم من عذاب الله { سُنَّةَ ظ±للَّهِ ظ±لَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } أي تلك طريقة الله وعادتُه التي سنَّها فيمن مضى من الأمم، من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين قال في البحر: أي سنَّ الله لأنبيائه ورسله سنة قديمة وهي قوله{ كَتَبَ ظ±للَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيغ¤ }
[المجادلة: 21] { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ظ±للَّهِ تَبْدِيلاً } أي وسنته تعالى لا تتبدَّل ولا تتغيَّر { وَهُوَ ظ±لَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } أي وهو تعالى بقدرته وتدبيره صرف أيدي كفار مكة عنكم كما صرف عنهم أيديكم بالحديبية التي هي قريبة من البلد الحرام قال ابن كثير: هذا امتنانٌ من الله تعالى على عباده المؤمنين، حين كفَّ أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إِليهم منهم سوء، وكفَّ أيدي المؤمنين عن المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلاً من الفريقين وأوجد بينهم صلحاً، فيه خيرة للمؤمنين وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي من بعد ما أخذتموهم أسارى وتمكنتم منهم قال الجلال: وذلك أن ثمانين من المشركين طافوا بعسكر المؤمنين ليصيبوا منهم، فأُخذوا وأُتي بهم إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح وقال في التسهيل: وروي في سببها أن جماعةً من فتيان قريش خرجوا إِلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إِليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعةٍ من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوماً، وساقوهم إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، فكفُّ أيدي الكفار هو هزيمتهم وأسرهم، وكفُّ أيدي المؤمنين عن الكفار هو إِطلاقهم من الأسر وسلامتهم من القتل { وَكَانَ ظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } أي هو تعالى بصير بأعمالكم وأحوالكم، يعلم ما فيه مصلحة لكم، ولذلك حجزكم عن الكافرين رحمةً بكم، وحرمةً لبيته العتيق لئلا تسفك فيه الدماء.. ثم ذكر تعالى استحقاق المشركين للعذاب والدمار فقال { هُمُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ } أي هم كفار قريش المعتدون الذين كفروا بالله والرسول، ومنعوا المؤمنين عن دخول المسجد الحرام لأداء مناسك العمرة عام الحديبية { وَظ±لْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } أي وصدُّوا الهدي أيضاً - وهو ما يُهدى لبيت الله لفقراء الحرم - معكوفاً أي محبوساً عن أن يبلغ مكانه الذي يذبح فيه وهو الحرم قال القرطبي: يعني قريشاً منعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام عام الحديبية، حين أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالعمرة، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محله، وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنه حملتهم الأنفة ودعتهم الحمية الجاهلية على أن يفعلوا ما لا يعتقدونه ديناً، فوبخهم الله على ذلك وتوعَّدهم عليه، وأدخل الأنس على رسول الله ببيانه ووعده { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ } أي ولولا أن في مكة رجالاً ونساءً من المؤمنين المستضعفين، الذين يخفون إِيمانهم خوفاً من المشركين { لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } أي لا تعرفونهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين { أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي كراهة أن توقعوا بهم وتقتلوا منهم دون علم منكم بإِيمانهم، فينالكم بقتلهم إِثم وعيب وجواب " لولا " محذوفٌ تقديره: لأذن لكم في دخول مكة، ولسلَّطكم على المشركين قال الصاوي: والجواب محذوف قدَّره الجلال بقوله: لأذِنَ لكم في الفتح، ومعنى الآية: لولا كراهة أن تُهلكوا أناساً مؤمنين بين أظهر الكفار، حال كونكم جاهلين بهم فيصيبكم بإِهلاكهم مكروه لما كفَّ أيديكم عنهم، ولأذن لكم في فتح مكة { لِّيُدْخِلَ ظ±للَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } أي إِنما فعل ذلك ليخلّص المؤمنين من بين أظهر المشركين، وليرجع كثيرٌ منهم إِلى الإِسلام قال القرطبي: أي لم يأذن الله لكم في قتال المشركين، ليُسلم بعد الصلح من قضى أن يُسلم من أهل مكة، وكذلك كان، أسلم الكثير منهم وحسن إِسلامُه، ودخلوا في رحمته وجنته { لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي لو تفرقوا وتميَّز بعضهم عن بعض، وانفصل المؤمنون عن الكفار، لعذبنا الكافرين منهم أشدَّ العذاب، بالقتل والسبي والتشريد من الأوطان { إِذْ جَعَلَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ظ±لْحَمِيَّةَ } أي حين دخل إِلى قلوب الكفار الأنفة والكبرياء بالباطل، فرفضوا أن يكتبوا في كتاب الصلح " بسم الله الرحمن الرحيم " ورفضوا أن يكتبوا " محمد رسولُ الله " وقولهم: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكنْ اكتبْ اسمك واسم أبيك { حَمِيَّةَ ظ±لْجَاهِلِيَّةِ } أي أنفةً وغطرسةً وعصبيةً جاهلية { فَأَنزَلَ ظ±للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىظ° رَسُولِهِ وَعَلَى ظ±لْمُؤْمِنِينَ } أي جعل الطمأنينة والوقار في قلب الرسول والمؤمنين، ولم تلحقهم العصبية الجاهلية كما لحقت المشركين { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ظ±لتَّقْوَىظ° } أي اختار لهم كلمة التقوى - إِلزام تكريم وتشريف - وهي كلمة التوحيد " لا إِله إِلا الله " هذا قول الجمهور، والظاهر: أن المراد بكلمة التقوى هي إِخلاصهم وطاعتهم لله ورسوله، وعدم شقّ عصا الطاعة عندما كُتبت بنود الصلح، وكانت مجحفةً بحقوق المسلمين في الظاهر، فثبَّت الله المؤمنين على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في هذا الصلح كل الخير للمسلمين { وَكَانُوغ¤اْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } أي وكانوا أحقَّ بهذه الفضيلة من كفار مكة، لأن الله اختارهم لدينه وصحبة نبيه { وَكَانَ ظ±للَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } أي عالما بمن هو أهل للفضل، فيخصه بمزيد من الخير والتكريم.. ثم أخبر تعالى عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام - وهي رؤيا حق - لأنها جزء من الوحي فقال { لَّقَدْ صَدَقَ ظ±للَّهُ رَسُولَهُ ظ±لرُّءْيَا بِظ±لْحَقِّ } اللام موطئة للقسم، و " قد " للتحقيق أي والله لقد جعل الله رؤيا رسوله صادقة محققة لم يدخلها الشيطان لأنها رؤيا حق قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه أنه دخل مكة هو وأصحابه وطافوا بالبيت، ثم حلق بعضهم وقصَّر بعضهم، فحدَّث بها أصحابه ففرحوا واستبشروا، فلما خرج إِلى الحديبية مع الصحابة، وصدَّه المشركون عن دخول مكة، ووقع ما وقع من قضية الصلح، ارتاب المنافقون وقالوا: واللهِ ما حلقنا ولا قصَّرنا ولا رأينا البيت، فأين هي الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء فنزلت الآية { لَّقَدْ صَدَقَ ظ±للَّهُ رَسُولَهُ ظ±لرُّءْيَا بِظ±لْحَقِّ } فأعلم تعالى أن رؤيا رسوله حقٌّ، وأنه لم يكذب فيما رأى، ولكنه ليس في الرؤيا أنه يدخلها عام ستٍ من الهجرة، وإِنما أراه مجرد صورة الدخول، وقد حقق الله له ذلك بعد عام فذلك قوله تعالى { لَتَدْخُلُنَّ ظ±لْمَسْجِدَ ظ±لْحَرَامَ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ } أي لتدخلن يا محمد أنت وأصحابك المسجد الحرام بمشيئة الله { آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } أي تدخلونها آمنين من العدو، تؤدون مناسك العمرة ثم يحلق بعضكم رأسه، ويقصِّر بعض { لاَ تَخَافُونَ } أي غير خائفين، وليس فيه تكرارٌ لان المراد آمنين وقت دخولكم، وحال المكث، وحال الخروج { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } أي فعلم تعالى ما في الصلح من الحكمة والخير والمصلحة لكم ما لم تعلموه أنتم قال ابن جزي: يريد ما قدَّره تعالى من ظهور الإِسلام في تلك المدة، فإِنه لما انعقد الصلح وارتفعت الحرب، رغب الناس في الإِسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وأربعمائة، وغزا " غزوة الفتح " بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف { فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } أي فجعل قبل ذلك فتحاً عاجلاً لكم وهو " صلح الحديبية " وسُمي فتحاً لما ترتَّب عليه من الآثار الجليلة، والعواقب الحميدة، ولهذا روى البخاري " عن البراء رضي الله عنه: " تعدُّون أنتم الفتح " فتح مكة " وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعدُّ الفتح " بيعة الرضوان " يوم الحديبية.. " الحديث { هُوَ ظ±لَّذِيغ¤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِظ±لْهُدَىظ° وَدِينِ ظ±لْحَقِّ } أي هو جلَّ وعلا الذي أرسل محمداً بالهداية التامة الشاملة الكاملة، والدين الحق المستقيم دين الإِسلام { لِيُظْهِرَهُ عَلَى ظ±لدِّينِ كُلِّهِ } أي ليعليه على جميع الأديان، ويرفعه على سائر الشرائع السماوية { وَكَفَىظ° بِظ±للَّهِ شَهِيداً } أي وكفى بالله شاهداً على أن محمداً رسوله. ثم أثنى تعالى على أصحاب رسول الله بالثناء العاطر، وشهد لرسوله بصدق الرسالة فقال { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ظ±للَّهِ } أي هذا الرسول المسمَّى محمداً هو رسولُ الله حقاً لا كما يقول المشركون { وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ظ±لْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } أي وأصحابه الأبرار الأخيار غلاظٌ على الكفار متراحمون فيما بينهم كقوله تعالى
{ أَذِلَّةٍ عَلَى ظ±لْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ظ±لْكَافِرِينَ }
[المائدة: 54] قال أبو السعود: أي يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة قال المفسرون: وذلك لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم
{ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً }
[التوبة: 123] وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمسَّ أبدانهم، وكان الواحد منهم إِذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } أي تراهم أيها السامع راكعين ساجدين من كثرة صلاتهم وعبادتهم، رهبانٌ بالليل أسودٌ بالنهار { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ظ±للَّهِ وَرِضْوَاناً } أي يطلبون بعبادتهم رحمة الله ورضوانه قال ابن كثير: وصفهم بكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإِخلاص لله عز وجل والاحتساب عنده بجزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ورضاه { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ظ±لسُّجُودِ } أي علامتهم وسمتُهم كائنة في جباههم من كثرة السجود والصلاة قال القرطبي: لاحت في وجوههم علامات التهجد بالليل وأمارات السهر، قال ابن جريج: هو الوقار والبهاء، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع، قال منصور سألت مجاهداً عن قوله تعالى { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ } أهو أثرٌ يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنه نورٌ في وجوههم من الخشوع { ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ظ±لتَّوْرَاةِ } أي ذلك وصفهم في التوراة: الشدة على الكفار، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة الصلاة والسجود { وَمَثَلُهُمْ فِي ظ±لإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } أي ومثلهم في الإِنجيل كزرعٍ أخرج فراخه وفروعه { فَآزَرَهُ فَظ±سْتَغْلَظَ } أي فقوَّاه حتى صار غليظاً { فَظ±سْتَوَىظ° عَلَىظ° سُوقِهِ } أي فقام الزرع واستقام على أصوله { يُعْجِبُ ظ±لزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ظ±لْكُفَّارَ } أي يعجب هذا الزرع الزراع، بقوته وكثافته وحسن منظره، ليغتاظ بهم الكفار قال الضحّاك: هذا مثل في غاية البيان، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطءُ أصحابُه، كانوا قليلاً فكثروا، وضعفاء فقووا، وقال القرطبي: وهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعوة ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً فيقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ نباته، وأفراخه، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } أي وعدهم تعالى بالآخرة بالمغفرة التامة والأجر العظيم والرزق الكريم في جنات النعيم، اللهم ارزقنا محبتهم يا رب العالمين.
البَلاَغَة:
تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:


1- الطباق بين { مَا تَقَدَّمَ.. وَمَا تَأَخَّرَ } وبين { وَمُبَشِّراً.. وَنَذِيراً } وبين { بُكْرَةً.. وَأَصِيلاً } وبين { نَّكَثَ.. و أَوْفَىظ° } وبين
{ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً }
[الفتح: 11] وبين { يَغْفِرُ.. وَيُعَذِّبُ } وبين { مُحَلِّقِينَ.. وَمُقَصِّرِينَ } وبين { أَشِدَّآءُ.. و رُحَمَآءُ }.

2- المقابلة بين
{ لِّيُدْخِلَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَاتِ.. }
[الفتح: 5] الآية وبين
{ وَيُعَذِّبَ ظ±لْمُنَافِقِينَ وَظ±لْمُنَافِقَاتِ }
[الفتح: 6] الآية.

3- الاستعارة التصريحية المكنية
{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ظ±للَّهَ يَدُ ظ±للَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }
[الفتح: 10] شبَّه المعاهدة على التضحية بالأنفس في سبيل الله طلباً لمرضاته بدفع السِّلع في نظير الأموال، واستعير اسم المشبَّه به للمشبه واشتق من البيع يبايعون بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل الله، والمكنية في قوله { يَدُ ظ±للَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } شبَّه اطلاع الله على مبايعتهم ومجازاته على طاعتهم بملكٍ وضع يده على يد أميره ورعيته، وطوى ذكر المشبَّه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد على طريق الاستعارة المكنية، ففي الآية استعارتان.

4- الكناية { لَوَلَّوُاْ ظ±لأَدْبَارَ } كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يدير ظهره لعدوه للهرب.

5- التعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة { لَّقَدْ رَضِيَ ظ±للَّهُ عَنِ ظ±لْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ.. }.

6- الالتفات من ضمير الغائب إِلى الخطاب { وَعَدَكُمُ ظ±للَّهُ مَغَانِمَ } بعد قوله تعالى { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ظ±لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } وذلك لتشريف المؤمنين في مقام الامتنان.

7- الإِطناب بتكرار الحرج
{ لَّيْسَ عَلَى ظ±لأَعْمَىظ° حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ظ±لأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ظ±لْمَرِيضِ حَرَجٌ }
[الفتح: 17] لتأكيد نفي الإِثم عن أصحاب الأعذار.

8- التشبيه التمثيلي { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَظ±سْتَغْلَظَ فَظ±سْتَوَىظ° عَلَىظ° سُوقِهِ.. } الآية لأن وجه الشبه منتزعٌ من متعدد.

9- مراعاة الفواصل في نهاية الآيات وهو من المحسنات البديعية.
خادم المنتدى شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
قديم 2017-09-03, 16:33   رقم المشاركة : ( 3 )
مدير الأفكار والمشاريع الأستاذية
رأس قلعة التنظيم الأستاذي

الصورة الرمزية oujdi

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 14471
تـاريخ التسجيـل : Dec 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الإقــــــــامــة : la navette
المشاركـــــــات : 10,499 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 17050
قوة التـرشيــــح : oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute oujdi has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

oujdi غير متواجد حالياً

افتراضي

جعل الله هذا العمل في ميزان حسناتك
خادم المنتدى شكر صاحب المشاركة.
توقيع » oujdi





  رد مع اقتباس
قديم 2017-09-03, 16:37   رقم المشاركة : ( 4 )
مدير التواصــل

الصورة الرمزية خادم المنتدى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12994
تـاريخ التسجيـل : Oct 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الإقــــــــامــة : أرض اللـه الــواســعـــة
المشاركـــــــات : 32,927 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 18732
قوة التـرشيــــح : خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

خادم المنتدى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الفتح

أم سهام
شكرا جزيلا لك و بارك الله فيك
-*****************************-
توقيع » خادم المنتدى
السبت 01 ذي الحجة1440هـ/*/03غشت2019م
الإثنين 10 ذي الحجة1440هـ/*/12غشت2019م
الأحد 01 محرم1441هـ/*/01 شتنبر 2019م



  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 03:21 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd