عرض مشاركة واحدة
قديم 2010-10-08, 00:00 رقم المشاركة : 1
ابن خلدون
بروفســــــــور
إحصائية العضو







ابن خلدون غير متواجد حالياً


الوسام الذهبي

وسام المراقب المتميز

افتراضي بيداغوجية الإدماج والمشروع التربوي المدلل... الجزء الخامس


بيداغوجية الإدماج والمشروع التربوي المدلل... الجزء الخامس


لحسم كجديحي


...من كل ما سلف نجد أن إيراد سبب واحد منفرد أو نظرية واحدة لتفسير إنزال بيداغوجيا في حجم بيداغوجية الإدماج هو محض افتراض إن لم يكن افتراء. فبيداغوجية الإدماج ظاهرة معقدة التركيب إلى أبعد حد، وتكاد تكون تعقيدا داخل تعقيد. فالإنسان الفرد ودوافعه المتشنجة حالة معقدة،


والجماعة التي تمارس هذه البيداغوجيا وداخلها أفراد هذا شأنهم هي تعقيد أكبر، محاط بتعقيدات عديدة أصغر في داخله. كما يمكننا أن ندرج أيضا استشعار الفرد ـ نفسيا ـ بالتشوه الرمزي عندما يدخل الجماعة، أي جماعة. والمقصود بالتشوه النفسي هنا فقد بعض الفطرة نتيجة تخلي الفرد عن جزء من ذاته كضرورة للذوبان في الجماعة.

نحن إذن بصدد ظاهرة سلبية، قد لا يكون هناك اتفاق محدد على أسبابها وتبرير دوافعها، لكن لا شك أن هناك اتفاقا بديهيا على رفض الآثار السلبية لها. بالضبط نجد أنفسنا كما لو كنا في مواجهة مرض، وثمة اقتراحات للعلاج، من بينها دواء مجرّب، هو باختصار بيداغوجية الإدماج الملتزم بتطبيقها على المستوى الوطني، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة في التطبيق. وأن يجري الممارس محاولة لتقنين هذا الدواء مع فتح باب البحث في فهم آليات عمله وهذا بدوره قد يكون كفيلا بالكشف عن أسباب محددة للداء. ويمنهج العلاج بتقصي التجربة، ولا يرفع يده عن الواقع الملموس. لهذا لا يضيع كثيرا في متاهات التنظير، ومن ثم يستخدم مصطلحات يومية سهلة لصياغة الأفكار المركبة.

النقاش حول شكل القيادة التربوية ومهماتها ليس نقاشا حديثا بل هو قديم، بدأه إخوان الصفا والشيخ ابن سينا عندما لفت ، كل منهما، النظر إلى حقيقة أن كل جماعة تحتاج إلى طبقة خاصة "عليا" ممن سماهم "بالأوصياء" تمثل وظيفتهم حماية الجماعة من الانزلاق والحفاظ على الفرد داخل مجتمعه مندمجا وفاعلا، ويقابل هذه الوظيفة في العصر الحديث ما يمكن أن يسمى تحقيق الاتزان والاندماج بسهولة داخل البيئة الاجتماعية. إن مبررات عبور الجسر تربويا لم تعد ترفا ثقافيا، فقد تكون ضرورة مستقبلية. وليس النموذج لعبور جسر التحول الحرج وقفا على بيداغوجية الإدماج، كما أسلفت، فهناك بيداغوجيات أخرى مهمة، عبرت الجسر نحو الضفة الأخرى وهي أقرب للمقارنة والاعتبار، وإن لم تذكرها المصوغة المؤطرة لهذه البيداغوجيا التي كانت محور موضوعنا.

بهدوء شديد يجب أن نعترف بأننا نعاني من أزمة تربوية طاحنة وصلت آخر مراحلها، وأصبحت تهدد وجودنا على سجل التاريخ الآتي، في مرحلة فاصلة من تحولات هائلة آنية تحدث على كل المستويات في عالمنا المعاصر، وأن نقر ببساطة بأننا في القاع نتنفس الخرافة ونستحلب الأسطورة ونستطيب الهيام في العوالم السحرية. وإذا لم نلق الآن في الماء الراكد بكل حجر تصل إليه أيدينا بسرعة وبقوة ودون وجل أو خوف من سادة المنهج السائد وسدنته والمنتفعين ببقائه جاثما فوق صدورنا ومضببا لعقولنا، فربما لا نكون بعدها أبدا. وإذا لم نفتح الآن كل النوافذ لتجديد هوائنا الآسن دون وجل من تحريمات ورعب من سيف التكفير المصلت على رؤوسنا. فعلينا أن نكتب آخر الحلقات في يومياتنا قبل أن نذهب في طوايا القرون الغوابر، ويتلو التاريخ على الدنيا آياتنا عبرة مع عاد وثمود والهنود الحمر.

ولا شك أننا نفصح بجلاء أن منهج قراءة واقعنا التربوي الذي ساد في الفترات السابقة كان وراء تغييب مناخ الاجتهاد الملتزم في بلادنا، وقد تم استخدامه انتهازيا حيث لم نحصد سوى خليط براني وهجين من الأفكار.وذلك من مناحي عدة انتهت بنا إلى ما نحن فيه الآن لعل أهمها :

المنحى الأول يتعلق بمنهج البحث في الحقل التربوي ذاته، وبدأ باعتبار بعض مناطقه من المناطق الممنوعة من البحث وقفا على أشخاص معينين، وانتهى إلى إسدال ستار كامل من التحريمات على كل مناطقه، وتم أثناء ذلك استبعاد كل ما وصل إليه البحث في البلدان المجاورة، وتحويله إلى ضيعة وقع عليها الحصار حتى إشعار آخر.

المنحى الثاني فإن الفكر التربوي حينما يتم تناوله يجب أن يتناول من الناحية العصرية الملائمة لواقعنا الخصوصي (التخطيط المنطقي العقلاني)، وليس من الناحية العاطفية (الحلم الهيامي اللاعقلاني)، نعم هذا هو وضع الفكر التربوي الحالم بفكره الهيامي اللانقدي ذي الازدواجية الفكرية في بناء مشروعه الوطني التربوي ، والذي أدى إلى خروج نوعين من المثقفين، مثقف يحلم بتغيير متمدن يساير التطور والتقدم، والآخر صقل نفسه بثقافة مقاومة التدخل الأجنبي. فاختزل مشروع التجديد بزوجين من الثقافة طارحا مسألة الهوية التربوية حتى يومنا هذا وفق سؤال... ما هويتنا التربوية؟

المنحى الثالث ارتباط العقلية عندنا بمعادلة الإعجاب والكراهية بالغرب (التقانة والاستعمار)، ولكن يجب التخلص من هذا التعميم، لأنه لا يخدم الفكر الثقافي ولا المسألة التربوية، بل على العكس يضع هذه القضية في أزمة دائمة مزمنة وجعلها مشاكل تاريخية ملازمة لتاريخ الأمة العربية وإلغاء تحديد مشاكل الحاضر المحدود ضمن حدود زمكانية ، تجعل من بناء المشروع التربوي مشروعا لا يخضع للواقع المعاصر.



إن المشروع التربوي، الذي لم يتحول إلى واقع ملموس، يجب أن يخرج من دائرة العبارات الحالمة ذات المعنى الفارغ متوجها إلى دائرة اللغة العلمية، والتي تحتم إعادة بناء التاريخ التربوي بصورة فلسفية، وليس إعادة بناء الوعي بصورة فلسفات تربوية. ولكن يجب بناء الوعي الذاتي النقدي ذي الخصوصية المغربية، ويجب أن تكون فلسفة التربية نابعة من الحاضر، ومن حاجة هذا العصر ومدعماً من الخلف من أجل تأسيس وتدعيم الوعي المؤدي إلى طريق المستقبل، وهذا واضح من خلال الفلسفات التربوية الحديثة.

إن مواجهة تحديات المستقبل تحتاج إلى مواجهة حقيقية واقعية، وشعارات واقعية تراعي فيه الواقع التربوي من أجل إنجاح المشروع التربوي المتزن، كي لا يكون الشعار المرفوع متناقضا مع أرض الواقع، وبعيدا عن الخصوصية المغربية، الأمر الذي جعل المشروع التربوي ناقصا، لأنه يفتقد إلى عنصر أساس هو الديمقراطية، لأن من دون الديمقراطية، ومن دون التغيير الديمقراطي الحر، لا يمكن احتواء المشاكل التي تهدد هذا المشروع كإشكالية الزبونية، والتعصب للرأي...

فرحم الله أبا العلاء المعري القائل :

أما اليقين فلا يقين وإنما * * أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا


عن المسائية العربية





    رد مع اقتباس