للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > منتديات المــنــظـــومــــة الـــتـــعـلـيـمـيـــة > منتدى الثانوي التأهيلي > الجذع المشترك > التربية الإسلامية-الاجتماعيات-الفلسفة-التربية البدنية-الترجمة-التوثيق


إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2009-04-12, 10:35
الصورة الرمزية admin
 
الإدارة الأولـــى

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  admin غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : Mar 2009
العــــــــمـــــــــر : 40
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة :
المشاركـــــــات : 2,677 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 3211
قوة التـرشيــــح : admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute admin has a reputation beyond repute
افتراضي الطبيعة والثقافة





تقديم:
الاهتمام بالإنسان قديم قدم التفكير الإنساني، لكن شكل الاهتمام لم يكن واحدا، ففرق بين اهتمام أسطوري و آخر فلسفي و ثالث علمي، و أيا ما كان الاختلاف فالاهتمام بالإنسان يكشف عن تعقيد سلوكه، و من مظاهر هذا التعقيد أنه يتألف من عناصر فطرية طبيعية جاهزة وأخرى مكتسبة ثقافية اجتماعية، و لو أخذنا على سبيل المثال "الأكل" فهو في جوهره عملية حيوية بيولوجية طبيعية، و لكن طريقة الأكل مكتسبة من المحيط الاجتماعي فهي تختلف من مجتمع إلى آخر و هي تعبر عن جانب حضاري. معنى ذلك أن الطبيعة تمثل الأصل الثابت و القدر المشترك بين الناس بينما الثقافة كما يبدو متغيرة، هذه المفارقة الأولية تضعنا أمام تساؤلات منها: ماذا يراد أصلا بالطبيعة و الثقافة ؟ هل يكفي أن يقال أن الطبيعة ثابتة و الثقافة متغيرة حتى يتضح المعنى؟ ثم ما هي العلاقة بين ما هو طبيعي و ما هو ثقافي؟ هل هي علاقة تكامل و انسجام بمعنى أن الثقافة تكمل وتذهب ما تمدنا به الطبيعة أم أن العلاقة بينهما علاقة تضاد بمعنى أن الثقافة تقاوم و تواجه كل ما هو طبيعي؟


المحور الأول: تحديد المفاهيم
مفهوم الطبيعة:
أ- الفهم العامي: إن كلمة طبيعة في مفهومها العامي هي كل ما هو مشاهد و مرئي كالمنظر الطبيعي كما تعني كلمة طبيعي العادي كأن يقال: هذا أمر طبيعي، أو هذا أمر عادي، غير أن الفهم العامي ضيق و سطحي و ذاتي.
و هي صفات مخالفة للمعرفة العلمية أساسا فهو ضيق لأنه يحصر الطبيعة في البيئة الجغرافية و سطحي لأنه لا ينفذ إلى حقيقة الطبيعة خاصة حينما يقع الخلط بين ما هو طبيعي و بين ما هو عادة، ثم هو ذاتي لأنه ما أفهمه أنا من الطبيعي العادي قد لا يفهمه غيري.

ب- الفهم اللغوي: الطبيعة في اللغة مشتقة من الفعل طبع، و مصدرها الطبع بمعنى الأصل و الفطرة و الجبلة.
أما في اللغة الفرنسية فالكلمة ذات الأصل اللاتيني مشتقة من الفعل بمعنى ولد ومن ثمة فالطبيعة تعني ما يولد الإنسان وهو مزود به. إن فهما كهذا على أهميته يعاني الغموض فماذا ينبغي أن نفهم بالطبيعة الإنسانية التي ولد بها؟ هل نعني بها الطبيعة الحيوانية الحسية أم الطبيعة الإنسانية العاقلة؟ ثم أليس هنالك تعارضا بينهما؟

ج- المفهوم الاصطلاحي: إذا بحثنا كلمة طبيعة عند أهل الاصطلاح لم نجد لها فهما واحدا، بل يصل الاختلاف إلى حد التناقض زد على ذلك استخدامها الواسع فنقول: علوم الطبيعة و نعني شيئا غير ما نعنيه حينما نقول: العلوم الطبيعية و في الرياضيات نقول مجموعة الأعداد الطبيعية و هكذا... و من الاستخدامات المختلفة للمصطلح نذكر بعض الأمثلة: فالطبيعي هو
كما هو فطري، غريزي، عفوي، أي كل ما يتعارض مع ما جرى اكتسابه و يقال المصطلح على العقل بنحو خاص يقول ديكارت: "لا شك أن ما تعلمني إياه الطبيعة يتضمن حقيقة معينة". بينما يذهب البعض الآخر إلى أن الطبيعة تخالف تمام حقيقة العقل فالطبيعة عمياء و العقل واع. كما أن الطبيعة تطلق على النظام المثالي فقوانين الطبيعة هي التي ينبغي أن نحاكيها ونماثلها يقول دولباج: "أيتها الطبيعة، يا سيدة الكائنات كلها، و أنتن يا بناتها المعبودة الفضيلة، العاقلة، الحقيقة، كن آلهتنا الفريدة إلى الأبد". بينما هنالك من ينظر إلى الطبيعة على أنها ناقصة و ينبغي للإنسان أن يتغلب على ما بها من نقص بما يبعه عقله من نظام، و من مثل، و من قيم. زد على ذلك أن البعض يستعمل الطبيعة مساوية لله فكل ما في الطبيعة تجلي إلهي بينما يجعلها البعض الآخر مضادة للوحي و لما هو إلهي. نتيجة: يمكن أن نستنتج من التحليل السابق ما يلي:

1/ لا ينبغي التفكير في تعريف نهائي للطبيعة.
2/ من غير الممكن تصنيف معاني كلمة طبيعة و ترتيبها من الزاوية الدلالية في سلسلة خطية، فهي تبدو قد تكونت شعاعيا في عدة اتجاهات.
3/ يمكن تحديد بعض الخصائص التي تميز الطبيعة فهي أولية، سابقة، فطرية، غريزية، ثابتة، بدائية، وظيفتها حيوية بالدرجة الأولى.

مفهوم الثقافة:
أ- الفهم العامي: قد ينظر الإنسان العادي إلى الثقافة على أنها سعة إطلاع وكثرة معلومات من غير تخصص و لا تعمق، غير أن فهما كهذا لا يكشف المعنى الحقيقي للثقافة فهو سطحي لا يأخذ إلا بالمظاهر ثم هو ضيق يجعل الثقافة حكرا على البعض من الناس في حين أن الثقافة ظاهرة اجتماعية بمعنى المعنى العامي يعكس نظرة عنصرية و يترجم مفهوما أفرزته العقلية الأوربية المتعالية عن غيرها من الثقافات.

ب- الفهم اللغوي: كلمة ثقافة مشتقة من الفعل ثقف فيقال ثقف الرجل أي صار حاذقا و الرجل الثقف الحاذق الفهم ذو الفطنة والذكاء، أما في الأصل اللاتيني فكلمة تعني إصلاح الشيء وتهذيبه و إعداده للاستعمال و منه اشتقت كلمة و التي تعني إصلاح الأرض و العناية بها. رغم أهمية التحديد اللغوي للثقافة إلا أنه لا يكشف عن مكونات الثقافة.
ج- المفهوم الاصطلاحي:اختلف المفكرون في تحديد الثقافة فمنهم من جعلها مساوية للحضارة و منهم من أعطاها معنى روحيا فقط، إن الاختلاف في تعريفها لا يتوقف عند محتواها ماديا كان أو روحيا بل يمتد إلى كيفية النظر إليها، هل هي ثابتة أم متغيرة؟ ثم ما معيار المفاضلة بين ثقافة و أخرى؟ لا شك أن الإجابة على هذه الأسئلة تتأثر بمجال الدراسة فمفهوم الثقافة في إطار علم الاجتماع يختلف عن مفهومها في إطار علم النفس ففرق بين الثقافة كمكون للشخصية و بين الثقافة كتشكيل اجتماعي و فرق بين الثقافة من منظور ماركسي و الثقافة من منظور بنيوي: فالماركسية لا ترى في الثقافة سوى انعكاس اجتماعي يتأثر بالصيرورة التاريخية التي يحركها العامل الاقتصادي و من ثمة كلما تقدم التاريخ كانت الثقافة أكثر نضجا هذه الرؤية مرفوضة عند البنويين فالثقافة عندهم بنية كلية لا معنى فيها للتقدم. و مع ذلك يذهب الأنثروبولوجيون إلى وصف الثقافة بأنها كما يقول تايلور: "الثقافة أو الحضارة بمعناها الإثنوغرافي الواسع، هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة و العقائد و الفن و الأخلاق و القانون و العرف وكل القدرات و العادات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع". و يمكن أن نستنتج من التحليل السابق ما يلي:
1/ أن التفكير في إعطاء تعريف نهائي للثقافة أمر متعذر.
2/ الاختلاف في تعريف الثقافة مبرر فهو خاضع لتطور المعرفة و خاصة في المجال الإنساني.
3/ يمكن أن نقارب مفهوم الثقافة بالنظر إلى بعض خصائصها، فالثقافة ظاهرة إنسانية اجتماعية و هي متغيرة في الزمان والمكان ثن أن الثقافة تحمل طابعا حضاريا و عليه فالثقافة كل و تشكيل اجتماعي فريد و متميز. إشكالية العلاقة بين الثقافة والطبيعة:


يبدو من التحليل السابق أن الطبيعة تختلف عن الثقافة رغم صعوبة تعريفهما غير أن الصلة بيم ما هو طبيعي و ما هو ثقافي قوية فهما يشملان السلوك معا فالإنسان يتوفر على إمكانيات حبته بها الطبيعة و يزيد عليها بمكتسبات ثقافية و اجتماعية و لكن السؤال الذي يطرح عادة هو: كيف ينبغي أن نتصور العلاقة بين ما هو ثقافي و ما هو طبيعي؟ هل الثقافة تعمل على تهذيب ما هو طبيعي بمعنى أن مهمة الثقافة هي على وجه التحديد تنمية و تكملة ما هو طبيعي أم أن مهمة الثقافة أكبر من حصرها في ذلك بل مهمتها إعطاء معنى حضاري إنساني للحياة وعليه فمهمتها هي مواجهة الطبيعة ومقاومتها باعتبارها حيوانية بدائية غاشمة؟


أ- الثقافة امتداد للطبيعة: يذهب بعض الفلاسفة إلى أن الثقافة امتداد للطبيعة أو هذا ما ينبغي لها أن تكون على الأقل، لقد ذهب روسو في كتابه أصل التفاوت إلى أن الأسلم للإنسان هو أن يستجيب لصوت الطبيعة و للعاطفة الطبيعية التي هي أساس بقاء النوع الإنساني يقول: "إن الجنس البشري كان يصير إلى الفناء لو أن بقاءه لم يكن معلقا إلا على قياسات رجال المنطق وبراهينهم" و في نفس الاتجاه يؤكد فرويد أن الثقافة مهما كانت إبداعية فهي في المحصلة إعلاه لرغبة مكبوتة ذات أصل طبيعي بالأساس و نفس المنحى نكتشفه مع يوسف الحوراني الذي يقول في كتابه الإنسان و الحضارة: "لا يبدو أننا بحاجة كبيرة إلى العقل كي يكون لنا حضارة، فنحن نحس ونتعاطف وفق دوافع طبيعية بريئة". إن حجة هؤلاء ذات مظهرين، الأول أن مكونات الثقافة ذاتها طبيعية و من ثمة لا ينبغي للثقافة إلا أن تسير على وفاق مع الطبيعة و أما المظهر الثاني فمنطقي فإذا كانت مهمة الثقافة هي تحقيق التكيف فالأولى أن تسير ملائمة للطبيعة. على أن روسو ذهب إلى أبعد حينما تحامل على الثقافة لأنها ببساطة أفسدت الطبيعة النقية. إن النقد الذي يواجه به هؤلاء يختصره أوجين شريدر في كتابه البيولوجيا الإنسانية حينما يصور ضحالة التصور البيولوجي ذلك أن التقدم الإنساني سار ببطء شديد يوم أن كان التقليد شفهيا و لكنه تسارع و ازداد اتساعا مع اختراع المطبعة... ثم أن الموقف البيولوجي يقزم الثقافة و يختزلها في مجرد عناصر طبيعية.
ب- الثقافة تقابل الطبيعة: في المقابل سارت جل العقلانيات إلى تمجيد الثقافة وإعطائها دورا يواجه و يضاد كل ما هو طبيعي بحكم أنه بدائي حيواني غريزي أعمى لا يساير الإبداع و التميز الإنساني فهذا كانط يرفض أن يؤسس الأخلاق على أساس من الطبيعة البشرية القائمة على اللذة كما أن الماركسية ظلت ترى التقدم الإنساني مقرونا تاريخيا بمدى سيطرة و تحكم الإنسان في الطبيعة فكلما تغلب الإنسان على الدوافع الطبيعية الفطرية الساذجة و أقواها الأنانية و حب التملك كلما أصاب التقدم الذي لا يحصل في المرحلة الشيوعية يوم يحل الوعي محل الطبيعة، إن الإنسان بثقافته يعيد تشكيل العالم و تشكيل نفسه من خلال مقاومة كل ما هو طبيعي. إن المبررات التي يستند إليها هؤلاء كثيرة نذكر منها التاريخية فالإنسان تقدم لأنه يمتلك ثقافة ومنها الواقعية كلما امتلك الإنسان ناصية العلم- و هو مظهر من مظاهر الثقافة- كلما تقدم أكثر من خلال تحكمه في الطبيعة و سيطرته عليها، ثم من الناحية النظرية يظهر التمايز بين الثقافة و الطبيعة تفوق الأولى و بقاء الثانية ثابتة.
المحور الثاني: مشكلة الطبيعة الإنسانية
عندما نتحدث عن الطبيعة الإنسانية فنحن نتحدث عن ماهية الإنسان أي عما هو ثابت فيه وموجود لديه منذ البدء عما هو فطري ويشكل القاسم المشترك بين جميع بني الإنسان –وإن اختلفت ظروفهم و حيثياتهم- ويميزهم عن باقي الحيوانات… ولكن هل للإنسان بالفعل طبيعة ثابتة وخاصة به أم لا؟ ثم إذا كانت للإنسان طبيعة خاصة به وثابتة لديه فهل يكون خاضعا للضرورة- شأن سائر الكائنات الطبيعية الأخرى-أم متمتعا بالحرية؟
جوابا على هذه الأسئلة نجد أنفسنا أمام عدة مواقف فلسفية يمكن إجمالها في ثلاث أطروحات أساسية وهي: الأطروحة الماهوية ثم الأطروحة الوجودية وأخيرا الأطروحة الروسوية (المتأرجحة بينهما).
فأما الأطروحة الماهوية فترى بأن للإنسان ماهية (أي طبيعة) ثابتة وخاصة به، إذ أنه يولد محملا بها ومن ثم فماهيته سابقة على وجوده، وقد اختلف رواد هذه الأطروحة في تحديد هذه الماهية المميزة للإنسان عن غيره: فهذا ديكارت يرى بأن ماهية الإنسان تتمثل في الفكر/ العقل على اعتبار أن الإنسان عنده حيوان عاقل أو كائن عاقل (Homo Sapiens). أما برغسون فيرى بأنها تتمثل في الضحك وكذا الصناعة، بمعنى أن الإنسان عنده كائن صانع (Homo Faber). في حين يذهب شوبنهاور إلى أن طبيعة الإنسان تتمثل في كونه «حيوانا ميتافيزيقيا» بمعنى كائنا يحل ما فوق الواقعي مكان الواقعي وما وراء الطبيعة مكان الطبيعة، فهو كائن يتجاوز ما هو كائن صوب ما ينبغي أن يكون. بينما يرى إرنست كاسيرر بأن «الإنسان حيوان رامز» على اعتبار أنه يستعيض عن الواقع بالرمز ويستبدل الأشياء بالكلمات والمسميات بالأسماء فيخلق لنفسه عالما رمزيا بديلا عن الواقع المادي…
وأما الأطروحة الوجودية فتذهب إلى أنه« ليس للإنسان طبيعة ثابتة» أو أن طبيعته هي أن لا طبيعة له. فهذا أحد أبرز مؤسسي الوجودية وهو جان بول سارتر يقول:«تعلن الوجودية (…) أن هناك على الأقل كائنا يسبق الوجود لديه الماهية، كائنا يوجد قبل أن يكون بالإمكان تعريفه بهذا المفهوم أو ذاك، وأن هذا الكائن هو الإنسان (…) لكن ما الذي نعنيه هنا بالقول بأن الوجود سابق على الماهية؟ إن معنى ذلك هو أن الإنسان يوجد أولا، ويلاقي ذاته وينبثق في العالم، ثم يتحدد بعد ذلك، فإن لم يكن الإنسان، وفق ما تتصوره الوجودية، قابلا للتعريف(أو التحديد)، فذلك لكونه في البداية عبارة عن لاشيء. إنه لن يكون إلا فيما بعد، ولن يكون إلا وفق ما سيصنع به نفسه(…) إنه أولا وقبل كل شيء مشروع يعاش بكيفية ذاتية(…) ولا شيء يكون في وجوده سابقا على هذا المشروع». ومعنى هذا أن الإنسان يوجد أولا غير متحدد ولا متعين، ككائن غير ذي طبع أو طابع معين، ككائن لا ماهية ولا طبيعة له… أو "عبارة عن لا شيء" ثم يحقق ماهيته ويكتسب طبيعته بعد وجوده ومن خلال وجوده أي فعل الكينونة(Existence) . فالإنسان إذن لا يتحدد بفعل الماضي (التصور الماهوي) ولا حتى بفعل الحاضر (التصور الروسوي) بل بفعل المستقبل( التصور الوجودي) على اعتبار أن "الإنسان مشروع" والمشروع لا يتحقق إلا فيما يأتي من الزمان «أي أن الإنسان في البدء هو ما يثب نحو المستقبل».
وأما الأطروحة الروسوية (نسبة لجون جاك روسو) فهي –إن صح التعبير- تقف موقفا وسطا بين الأطروحتين السابقتين(الماهوية والوجودية) إذ أن روسو يرى بأن الإنسان لا يولد محملا بطبيعة ثابتة خاصة به متجلية في ملكة ما من ملكاته كالعقل أو الضحك أو الصنع…الخ(كما ادعت الأطروحة الماهوية). كما أنه لا يولد خاوي الوفاض، " عبارة عن لا شيء" أو " أنه كثلة من لحم و دم " (كما ادعت الأطروحة الوجودية). بل الإنسان يولد محملا باستعدادات وقابليات وإمكانيات قابلة للظهور أو الضمور، وخاضعة لتغيرات الوجود و إكراهات الحياة الاجتماعية. فظروفنا وحياتنا الاجتماعية تعمل إما على إظهار تلكم الاستعدادات وإما على إقبارها. فطبيعة الإنسان إذن ليست كاملة كمالا مطلقا منذ البدء (الماهوية) ولا ناقصة نقصا مطلقا (الوجودية) بل«خاصية الاكتمال هي طبيعة الإنسان» فهذا روسو يقول«هناك صفة أخرى مميزة للنوع تفرق بينهما (يقصد الإنسان والحيوان) ولا يمكن أن تكون موضع نزاع: تلك خاصية التدرج في الاكتمال وهي التي تنمي جميع الخصائص الأخرى بتتابع وبمؤاتاة ظروف الأحوال. وهذه الخاصية تكمن بيننا، في النوع كما في الفرد، بينما أن الحيوان يبلغ، في بضعة أشهر، منتهى ما يكون عليه طول حياته، وأن نوعه يظل بعد ألف سنة على الحال التي كان عليها في السنة الأولى من هذه الألف».
وما قد يتبادر إلى الذهن بعد استعراض هذه الأطروحات الثلاث هو أن الأمر يتعلق بتحديد ما إذا كانت للإنسان طبيعة خاصة به وثابتة أم لا؟ ولكن إذا ما دققنا في الأمر مليا وجدناه يتعدى ذلك ليتساءل عما إذا كان الإنسان خاضعا للضرورة الطبيعية أم هو متمتع بالحرية؟ أهو كائن مخير أم مسير؟
فإن نحن أثبتنا للإنسان طبيعة خاصة أثبتنا في الوقت ذاته أنه محكوم بها ومجبر على الخضوع لها ولا حول ولا قوة له أمامها. بمعنى أن من جبل على طبع ما فطر عليه لا قدرة له على تجاوزه، إذ سيكون عبدا له لا سيدا عليه، ألا يقولون«غلب الطبع التطبع» ؟ (الأطروحة الماهوية).
أما حين ننفي أن تكون للإنسان طبيعة خاصة به وثابتة وأنه إنما يكتسبها بفعل الوجود والكينونة فإننا في الوقت ذاته نقر بأن الإنسان صانع نفسه بنفسه وان أمر حياته بيده وبالتالي فهو مخير لا مجبر أو مسير. وفي هذا يقول سارتر«إن الجبان يصنع من نفسه جبانا والبطل يصنع من نفسه بطلا. وهناك دائما إمكانية لكي يغادر الجبان جبنه والبطل بطولته».
وأما حين نذهب إلى أن ما يوجد أو يولد مع الإنسان إنما هو مجرد استعدادات وقدرات أولية مفتوحة على كل الاحتمالات وقابلة للاستكمال بفعل ظروف الحياة الاجتماعية وإكراهاتها، فإننا-حينها- نقر بأن الإنسان مجبر ومخير في الوقت ذاته: فالضرورة والجبرية الطبيعية تتجلى في أنه لا يمكنه الخروج عن إطار هذه الاستعدادات الفطرية إذ هو محكوم بها وخاضع لها، ومن جهة أخرى فإن هذه الاستعدادات لا تكتمل وتبلغ مداها إلا بفعل الإرادة الحرة للكائن الإنساني. وهذا ما يقودنا إلى التساؤل عن علاقة الفطري بالمكتسب في الإنسان.

المحور الثالث: الإنسان والطبيعة
من الانسجام مع الطبيعة إلى الصراع معها
الإنسان أعلى الرئيسات، خرج من صيرورة نشوء الحياة على سطح الأرض وتطور أنواعها بقامة تميل إلى الانتصاب الكامل Homo Erectus وبدماغ حجمه كبير جدا وجهاز عصبي مركزي عالي التعقيد قادر على توجيه اليد وضبط حركاتها ضبطا محكما مما شكل تحولا نوعيا حقيقيا وجديدا، لم يسبق له مثيل في تاريخ تطور الأنواع الحية. هذا التطور العالي جدا للجهاز العصبي، بالقياس إلى الأنواع الحية القريبة من الإنسان، رافقه انحسار كامل لأنماط السلوك الغريزية المبرمجة وراثيا و بيولوجيا بصورة مسبقة لصالح محركات (دوافع) جديدة مثل الحاجة والميل والنزوع والدافع ولصالح هيمنة آليات مثل التعلم وإمكانية نقل ما تم تعلمه من جيل إلى جيل بطريق مغايرة كلية لطريق النقل الوراثي- البيولوجي المسيطرة سيطرة شبه كلية في باقي مملكة الحيوان...
بالمقارنة مع باقي أنواع المملكة التي ينتمي إليها الإنسان، يبدو الإنسان أكثر الحيوانات ضعفا وعجزا وأكثرها حاجة لغيره وأعظمها اعتمادا على أفراد جنسه. في الواقع إنه الكائن الحي "المحتاج" بامتياز. بهذا المعنى، الإنسان نقلة نوعية حقيقية وجديدة في تاريخ نشوء الأنواع وتطورها، إنه في وقت واحد: من صنع الطبيعة وإنتاجها من جهة أولى، ومنفصل عنها ومنقطع عن آلياتها المعروفة من جهة ثانية.
إن الإنسان هو الكائن الوحيد، من بين كل الكائنات، الذي يوجد ويعي أنه يوجد، وحيث إنه كذلك لم يكن أبدا ليكتفي بمعرفة وجوده فقط بل تجاوز المعرفة إلى العمل، العمل على قهر الصعوبات المحيطة به وتطويع الطبيعة التي رسمت له حدودا وخطوطا لم يكن في غالب الفترات ليتجاوزها، لقد حددت الطبيعة للإنسان مجال التحرك وقيدته وحكمت عليه بعدم تجاوز المجال المحدد له عن طريق الألم أو المرض أو الموت. لكن الإنسان لم يكفتي بالتفرج على الطبيعة وهي تقيده وتحدد مجال تصرفه وتحكمه وتسوده ، بل سعى إلى التغلب على الصعاب وقهر العقبات لخلق شروط حياتية أفضل ولسيادة الطبيعة والتماهي مع الخالق .

لهذا تسلح الإنسان بالمعرفة والعمل، النظرية والتطبيق، وأخذ يقطع الخطوات الأولى في طريق التقدم : اكتشف النار، طهى الأطعمة، صنع الأدوات البدائية، اصطاد الحيوانات و دجن الكثير منها ... ثم اختراع اللغة للتواصل و يتساءل عن الظواهر من حوله سعيا لتفسيرها ففسرها لاهوتيا فميتافيزيقيا ثم وضعيا. ومع مرور السنين والقرون كان الإنسان قد شق طرقه نحو استيعاب وفهم الظواهر الطبيعية متسلحا بالمعرفة والعمل، العلم والتقنية، وذلك عبر آلاف السنين من الجوع والمرض و الخوف و القلق والصراع مع الكوارث الطبيعية ... لقد استطاع الإنسان أن يكتشف قوانين الطبيعة الكبرى وأن يحول الطبيعة ويطوع قواها لصالح تحقيق حاجياته ورغباته.

وهاهو الإنسان اليوم، يغوص في أعماق البحار، ويستكشف الكواكب والمجرات من حوله ويسافر عبر الفضاء صائلا وجائلا، لقد استطاع أن يصبر أغوار الكل (الكون ـ الكوسموس) والجزء (الذرة الإلكترون ـ البلوتون ـ ال ADN ) .

انتهى هذا كله بالإنسان إلى أن يكون الأقوى على الأرض ، لكن أين يقود هذا التقدم الإنسان؟

إن فكرة التطور العلمي والتقني المستمر الذي سيقود الإنسانية إلى عهد جديد قوامه السعادة للنوع البشري هي التي سادت في القرن 19 م ، فقد اعتقد دعاة التطور ( كونت، ماركس، سان سيمون، رينان، فيكتور هيكو وكوندورسي) أن العلم إذا دعم بالتقنية سيخلق السعادة للنوع البشري لا محالة. بيد أن التطورات اللاحقة ستفضي إلى عكس هذا التصور، فمع انتهاء القرن 19 م، اندلعت الحرب العالمية الأولى بكل وحشيتها ومآسيها ومعها قفزت البشرية في مستنقع الهمجية والوحشية، وما كاد يمضي عقدان حتى اندلعت حرب عالمية ثانية أسفكت فيها الدماء وأزهقت الأرواح بوحشية أكبر واستخدمت فيها أفظع الأسلحة التقنية وأكثرها دمارا. ليجد العالم نفسه بعدها (الحرب العلمية الثانية) أمام صراع قوتين، إحداهما في الشرق والأخرى الغرب: صراع خلف وراءه آلاف القتلى عبر العالم كله ودفع إلى سباق محموم نحو اكتساب التقنية وتطبيقها في الميادين العسكرية بغرض خلق "توازن الرعب" في العالم.
وبانتهاء حقبة "الحرب الباردة" ، برزت أمام العلم الحديث مشكلات أخرى اكثر تعقيدا لينتهي القرن 20م بعد سنوات من الفظاعة والهمجية في مختلف أنحاء العالم. سوف يحصل القرن 20م من قائمة جوائز التاريخ على الجائزة الكبرى في الرعب عن جدارة واستحقاق . في الاتجاه الآخر، كان القرن 20م، الذي يجسد قمة الحداثة زمنيا ومعرفيا، قرن الاختلالات الاقتصادية الكبرى بين دول الشمال والجنوب. تلك الاختلالات التي جاءت "العولمة" لتكرسها ذلك أن ربع سكان العالم يعيشون حياة ميسورة في مقابل ثلاثة أرباع يعيشون في مستويات اقتصادية متدينة. وكان القرن الماضي كذلك قرن تدمير البيئة بامتياز، فهو قرن استخدام السلاح النووي و كارثة تشرنوبيل وثقب الأزون... لقد أضحى النمو الاقتصادي يتم على حساب الطبيعة الأمر الذي أصبح يهدد الإنسان. فوق هذا وذاك، انتهه بنا التطور العلمي والتقني إلى استلاب الإنسان، فقد أجهز على الشروط التي من شأنها أن تسمح للإنسان بتطوير قدراته الإبداعية والخلاقة إذ أصبح مجرد تابع ومستغل من طرف الآلة، مستلبا، مقطوعا عن الجماعات وعن نقسه، فالعمل قد انتزع منه إنسانيته وجعله ينفي ذاته بدل أن يثبتها مما أدى به إلى الإحساس بالبؤس بدل السعادة. وهكذا فقد جمد العمل الإنسان وأتلف ذهنه و بالتالي لم يعد قادرا على الخلق والإبداع الحـر ونتيجة لهذا المعطى تشكلت الفردانية في أسمى صورها على حساب المعايير الدينية والأخلاقية ووصل الإنسان إلى حالة الأنومالية Anomalie (حالة تفكك القواعد المعيارية). حيث تقلص دور العلاقات الإنسانية بفعل عمل التقنية وهكذا غدا الإنسان ذا بعد واحد.
لقد خلف التصنيع والتكنولوجيا الحديثة آثاراً سلبية على الطبيعة، فانطلاق الأبخرة والغازات وإلقاء النفايات أدى إلى اضطراب السلاسل الغذائية، وانعكس ذلك على الإنسان الذي أفسدت الصناعة بيئته وجعلتها في بعض الأحيان غير ملائمة لحياته كما يتضح مما يلي:
- تلويث المحيط المائي: إن للنظم البيئية المائية علاقات بحياة الإنسان، فمياهها التي تتبخر تسقط في شكل أمطار ضرورية للحياة على اليابسة، ومدخراتها من المادة الحية النباتية والحيوانية تعتبر مدخرات غذائية للإنسانية جمعاء في المستقبل، كما أن ثرواتها المعدنية ذات أهمية بالغة.
- تلوث الجو: تتعدد مصادر تلوث الجو، ويمكن القول أنها تشمل المصانع ووسائل النقل والانفجارات الذرية والفضلات المشعة والغازية وبعض المركبات العضوية والعناصر المشعة. وإذا زادت نسبة هذه الملوثات عن حد معين في الجو أصبح لها تأثيرات واضحة على الإنسان وعلى كائنات البيئة.

- تلوث التربة: تتلوث التربة نتيجة استعمال المبيدات المتنوعة والأسمدة وإلقاء الفضلات الصناعية، وينعكس ذلك على الكائنات الحية في التربة، وبالتالي على خصوبتها وعلى النبات والحيوان، مما ينعكس أثره على الإنسان في نهاية المطاف.
والإنسان يحتاج إلى أكسجين لتنفسه للقيام بعملياته الحيوية، وكما يحتاج إلى مورد مستمر من الطاقة التي يستخلصها من غذائه العضوي الذي لا يستطيع الحصول عليه إلا من كائنات حية أخرى نباتية وحيوانية، ويحتاج أيضاً إلى الماء الصالح للشرب لجزء هام يمكنه من الاستمرار في الحياة. وتعتمد استمرارية حياته بصورة واضحة على إيجاد حلول عاجلة للعديد من المشكلات البيئية الرئيسية التي من أبرزها مشكلات ثلاث:
· كيفية الوصول إلى مصادر كافية للغذاء لتوفير الطاقة لأعداده المتزايدة.
· كيفية التخلص من حجم فضلاته المتزايدة وتحسين الوسائل التي يجب التوصل إليها للتخلص من نفاياته المتعددة، وخاصة النفايات غير القابلة للتحلل.
· كيفية التوصل إلى المعدل المناسب للنمو السكاني، حتى يكون هناك توازن بين عدد السكان والوسط البيئي.
ومن الثابت أن مصير الإنسان، مرتبط بالتوازنات البيولوجية وبالسلاسل الغذائية التي تحتويها النظم البيئية، وأن أي إخلال بهذه التوازانات والسلاسل ينعكس مباشرة على حياة الإنسان ولهذا فإن مننفعة الإنسان تكمن في المحافظة على سلامة النظم البيئية التي تؤمن له حياة أفضلمن خلال:
التدبير الجيد للغابات وللمراعي وللأراضي الزراعية، ومكافحة تلوث البيئة، والتعاون البناء بين القائمين على المشروعات وعلماء البيئة، ثم تنمية الوعي البيئي لأن البشرية بحاجة إلى أخلاق اجتماعية عصرية ترتبط باحترام البيئة. ولا يمكن أن نصل إلى هذه الأخلاق إلا بعد توعية حيوية توضح للإنسان مدى ارتباطه بالبيئة و تعلمه أ، حقوقه في البيئة يقابلها دائماً واجبات نحو البيئة، فليست هناك حقوق دون واجبات





توقيع » admin
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 08:13 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd