للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات العامة والشاملة > المنتدى الإسلامي > مدرسة القرآن والسنة > تفسير


شجرة الشكر4الشكر
  • 2 Post By أم سهام
  • 1 Post By أم سهام

إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2017-08-26, 16:09
الصورة الرمزية أم سهام
 
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أم سهام غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute
افتراضي





* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق
{ حـمۤ } * { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } * { مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } * { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ } * { وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } * { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } * { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } * { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } * { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } * { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ } * { وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } * { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ } * { وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }

اللغَة:
{ شِرْكٌ } شركة ونصيب { أَثَارَةٍ } بقية من الشيء { تُفِيضُونَ } الإِفاضة في الشيء: الخوضُ فيه والاندفاع يقال: أفاضوا في الحديث اندفعوا فيه، وأفاض الناس من عرفات أي دفعوا منها { بِدْعاً } البدع بالكسر الشيء المبتدع قال الرازي: والبِدعُ والبديع من كل شيء المبدع، والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله بحكم السُنَّة { إِفْكٌ } كذب { كُرْهاً } بكرهٍ ومشقة { فِصَالُهُ } فطامه { أَوْزِعْنِيۤ } ألهمني { أُفٍّ } كلمة تضجّر وتبرم { خَلَتِ } مضت.

التفسِير:
{ حـمۤ } الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } أي هذا الكتاب المجيد منزَّل من عند الإِله العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه { مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } أي ما خلقنا السماواتِ والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثاً، وإِنما خلقناهما خلقاً متلبساً بالحكمة، لندل على وحدانيتنا وكمال قدرتنا { وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } أي وإِلى زمنٍ معيَّن هو زمن فنائهما يوم القيامة

{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }
[إبراهيم: 48] { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ } أي وهؤلاء الكفار معرضون عما خُوّفوه من العذاب ومن أهوال الآخرة، لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له.. ثم لما بيَّن وجود الإِله العزيز الحكيم ردَّ على عبدة الأصنام فقال { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، وتزعمون أنا آلهة { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ }؟ أي أرشدوني وأخبروني أيَّ شيءٍ خلقوا من أجزاء الأرض، وممَّا على سطحها من إِنسان أو حيوان؟ { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ }؟ أي أمْ لهم مشاركة ونصيب مع الله في خلق السماواتِ؟ { ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ } أي هاتوا كتاباً من الكتب المنزلة من عند الله قبل هذا القرآن يأمركم بعبادة هذه الأصنام؟ وهو أمر تعجيز لأنهم ليس لهم كتابٌ يدل على الإِشراك بالله، بل الكتب كلُّها ناطقة بالتوحيد { أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ } أي أو بقية من علمٍ من علوم الأولين شاهدة بذلك { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أي إِن كنتم صادقين في دعواكم أنها شركاء مع الله قال في البحر: طلب منهم أن يأتوا بكتابٍ يشهد بصحة ما هم عليه من عبادة غير الله، أو بقيةٍ من علوم الأولين، والغرضُ توبيخهم لأن كل كتب الله المنزَّلة ناطقة بالتوحيد وإِبطال الشرك، فليس لهم مستند من نقل أو عقل.. ثم أخبر تعالى عن ضلال المشركين فقال { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ }؟ أي لا أحد أضلُّ وأجهل ممن يعبد أصناماً لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجاتِ المحتاجين، ولا تستجيب لمن ناداها أبداً لأنها جمادات لا تسمع ولا تعقل { وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ } أي وهم لا يسمعون ولا يفهمون دعاء العابدين، وفيه تهكم بها وبعبدتها، وإِنما ذكر الأصنام بضمير العقلاء، لأنهم لما عبدوها ونزَّلوها منزلة من يضر وينفع، صحَّ أن توصف بعدم الاستجابة وبعدم السمع والنفع، مجاراة لزعم الكفار { وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً } أي وإِذا جمع الناس للحساب يوم القيامة كانت الأصنام أعداءً لعابديها يضرونهم ولا ينفعونهم { وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } أي وتتبرأ الأصنام من الذين عبدوها قال المفسرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة فتتبرأ من عابديها وتقول

{ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ }
[القصص: 63] وهذه الآية كقوله تعالى
{ كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }
[مريم: 82] واللهُ على كل شيء قدير { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } أي وإِذا قرئت عليهم آيات القرآن واضحات ظاهرات أنها من كلام الله { قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ } أي قال الكافرون عن القرآن الحق لما جاءهم من عند الله { هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي هذا سحرٌ لا شبهة فيه ظاهر كونه سحراً، وإِنما وضع الظاهر { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } موضع الضمير تسجيلاً عليهم بكمال الكفر والضلالة قال في البحر: وفي قوله { لَمَّا جَآءَهُمْ } تنبيهٌ على أنهم لم يتأملوا ما يُتلى عليهم، بل بادروا أول سماعه إلى نسبته إلى السحر عناداً وظلماً، ووصفوه بأنه { مُّبِينٌ } أي ظاهر أنه سحر لا شبهة فيه { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } أي أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ وهو إِنكار توبيخي { قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي قل إن افتريتُه - على سبيل الفرض - فالله حسبي في ذلك وهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه، ولا تقدرون أنتم على أن تردُّوا عني عذاب الله، فكيف أفتريه من أجلكم وأتعرض لعقابه؟ { هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } أي هو جل وعلا أعلمُ بما تخوضون في القرآن وتقدحون به من قولكم هو شعر، هو سحر، هو افتراء، وغير ذلك من وجوه الطعن { كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أي كفى أن يكون تعالى شاهداً بيني وبينكم، يشهد لي بالصدق والتبليغ، ويشهد عليكم بالجحود والتكذيب { وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } أي وهو الغفور لمن تاب، الرحيم بعباده المؤمنين قال أبو حيان: وفيه وعدٌ لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر، وإِشعارٌ بحلمه تعالى عليهم إِذْ لم يعاجلهم بالعقوبة { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } أي لست أول رسول طرق العالم، ولا جئت بأمرٍ لم يجىء به أحدٌ قبلي، بل جئت بما جاء به ناسٌ كثيرون قبلي، فلأيّ شيءٍ تنكرون ذلك عليَّ؟ والبدْعُ والبديعُ من الأشياء هو الذي لم يُر مثله قال ابن كثير: أي ما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إِليكم، فقد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم { وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } أي ولا أدري بما يقضي اللهُ عليَّ وعليكم، فإِن قدر الله مغيَّب { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ } أي لا أتبع إلا ما ينزله اللهُ عليَّ من الوحي، ولا أبتدع شيئاً من عندي { وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي وما أنا إلا رسولٌ منذرٌ لكم من عذاب الله، بيّن الإِنذار بالشواهد الظاهرة، والمعجزات الباهرة { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ } أي قل يا محمد: أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن كلام الله حقاً وقد كذبتم به وجحدتموه وجوابه محذوف تقديره: كيف يكون حالكم؟ { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } أي وقد شهد رجل من علماء بني إِسرائيل على صدق القرآن، فآمن به واستكبرتم أنتم عن الإِيمان، كيف يكون حالكم، ألستم أضل الناس وأظلم الناس؟ قال الزمخشري: وجوابُ الشرط محذوف تقديره: إِن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ودلَّ على هذا المحذوف قوله تعالى { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ } أي لا يوفق للخير والإِيمان من كان فاجراً ظالماً قال المفسرون: والشاهدُ من بني إِسرائيل هو " عبد الله بن سلام " وذلك حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاء إليه ابن سلام ليمتحنه، فلما نظر إلى وجهه علم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمه؟ فلما أجابه صلى الله عليه وسلم قال: أشهد أنك رسول الله حقاً.
. الخ ثم ردَّ تعالى على شبهةٍ أُخرى من شبه المشركين فقال { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ } أي وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا القرآن والدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن كثير: يعنون " بلالاً " و " عماراً " و " صهيباً " و " خباباً " وأشباههم من المستضعَفين والعبيد والإِماء ممن أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ } أي ولمّا لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إِعجازه، قالوا هذا كذبٌ قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً } أي ومن قبل القرآن التوراة التي أنزلها الله على موسى قدوةً يؤتم بها في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإِمام، ورحمة لمن آمن بها وعمل بما فيها قال الإِمام الفخر: ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فردَّ الله عليهم بأنكم لا تنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب - التوراة - إِماماً يقتدى به، ثم إِن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإِذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسولٌ حقاً من عند الله { وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً } أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدِّقٌ للكتب قبله بلسانٍ عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بياناً، وأظهر برهاناً، وأبلغ إِعجازاً من التوراة؟ { لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } أي ليخوِّف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر المؤمنين المحسنين بجنات النعيم.

. ولما بيَّن تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال { إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ } أي جمعوا بين الإِيمان والتوحيد والاستقامة على شريعة الله { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } أي فلا يلحقهم مكروهٌ في الآخرة يخافون منه { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أي ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا في الدنيا { أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا } أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل الجنة ماكثين فيها أبداً { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي نالوا ذلك النعيم جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً } لمَّا كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حثَّ تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا الإِنسان أمراً جازماً مؤكداً بالإِحسان إلى الوالدين، ثم بيَّن السبب فقال { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } أي حملته بكرهٍ ومشقة ووضعته بكرهٍ ومشقة { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحَم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضاً من الطَّلق وشدته، وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان
{ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ }
[لقمان: 14] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قويٌ صحيح { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي حتى إِذا عاش هذا الطفل وبلغ كمال قوته وعقله { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد { قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ } أي قال ربِّ ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وعلى والديَّ حتى ربياني صغيراً { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ } أي ووفقني لكي أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ } أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين قال شيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة والثاني: أن يوفقه للإِتيان بالطاعة المرضية عند الله والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية { إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي إِني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإِني من المستمسكين بالإِسلام قال ابن كثير: وفي الآية إِرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدِّد التوبة والإِنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها { وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ } أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران { وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ } أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم.

. ولما مثَّل تعالى لحال الإِنسان البار بوالديه وما آل إِليه حاله من الخير والسعادة، مثَّل لحال الإِنسان العاقِّ لوالديه وما يئول إِليه أمره من الشقاوة والتعاسة فقال { وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ } أي وأمَّا الولد الفاجر الذي يقول لوالديه إِذا دعواه إلى الإِيمان أفٍ لكما أي قبحاً لكما على هذه الدعوة { أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي }؟ أي أتعدانني أن أُبعث بعد الموت وقد مضت قرونٌ من الناس قبلي ولم يُبعث منهم أحد؟ { وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ } أي وأبواه يسألان الله أن يغيثه ويهديه للإِسلام قائلين له: ويْلك آمنْ بالله وصدِّق بالبعث والنشور وإِلاَّ هلكت { إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي وعدُ الله صدقٌ لا خُلف فيه { فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي فيقول ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلاّ خرافات وأباطيل سطَّرها الألولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي أولئك المجرمون هم الذين حقَّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله كما في الحديث " هؤلاء في النار ولا أبالي " { فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ } أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن والإِنس { إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ } أي كانوا كافرين لذلك ضاع سعيهم وخسروا آخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم قال الإِمام الفخر: قال بعضهم: إِن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق قبل إِسلامه، والصحيحُ أنه لا يراد بالآية شخص معيَّن، بل المراد منها كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحقِّ فأباه وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه { أُفٍّ لَّكُمَآ } بأنه من الذين حقَّ عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إِسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } أي لكلٍ من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة عالية، ومراتب الكافرين في جهنم سافلة { وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي وليعطيهم جزاء أعمالهم وافيه كاملة، المؤمنون بحسب الدرجات، والكافرون بحسب الدركات، من غير نقصان بالثواب، ولا زيادة في العقاب.





خادم المنتدى و oujdi شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام

التعديل الأخير تم بواسطة خادم المنتدى ; 2017-08-27 الساعة 15:51
رد مع اقتباس
قديم 2017-08-27, 15:33   رقم المشاركة : ( 2 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الاحقاف

* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق
{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ظ±لنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـظ°تِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ظ±لدُّنْيَا وَظ±سْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَظ±لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ظ±لْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ظ±لأَرْضِ بِغَيْرِ ظ±لْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } * { وَظ±ذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِظ±لأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ظ±لنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ ظ±للَّهَ إِنَّيغ¤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } * { قَالُوغ¤اْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ظ±لصَّادِقِينَ } * { قَالَ إِنَّمَا ظ±لْعِلْمُ عِندَ ظ±للَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَـظ°كِنِّيغ¤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ } * { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـظ°ذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ظ±سْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىظ° إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي ظ±لْقَوْمَ ظ±لْمُجْرِمِينَ } * { وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىظ° عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ظ±للَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ظ±لْقُرَىظ° وَصَرَّفْنَا ظ±لآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } * { فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّخَذُواْ مِن دُونِ ظ±للَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } * { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ظ±لْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ظ±لْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوغ¤اْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىظ° قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } * { قَالُواْ يظ°قَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىظ° مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيغ¤ إِلَى ظ±لْحَقِّ وَإِلَىظ° طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { يظ°قَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ظ±للَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } * { وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ظ±للَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ظ±لأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـظ°ئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ظ±للَّهَ ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىظ° أَن يُحْيِـيَ ظ±لْمَوْتَىظ° بَلَىظ° إِنَّهُ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىظ° ظ±لنَّارِ أَلَيْسَ هَـظ°ذَا بِظ±لْحَقِّ قَالُواْ بَلَىظ° وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ظ±لْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } * { فَظ±صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ظ±لْعَزْمِ مِنَ ظ±لرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوغ¤اْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ظ±لْقَوْمُ ظ±لْفَاسِقُونَ }

المنَاسَبَة:
لما ذكر تعالى أحوال بعض الأشقياء، أعقبه بذكر حال الكفار الفجار في الآخرة، ثم ذكر قصة عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم مع ما كانوا عليه من القوة والشدة، تذكيراً لكفار قريش بعاقبة التكذيب والطغيان، وختم السورة الكريمة بقصة النفر من الجنِّ الذين آمنوا بالقرآن حين سمعوه ودعوا قومهم إِلى الإِيمان.


اللغَة:
{ ظ±لْهُونِ } الهوان والذل { ظ±لأَحْقَافِ } الرمال العظيمة جمع حِقْف وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوجَّ، والأحقاف ديار عاد { لِتَأْفِكَنَا } لتصرفنا وتزيلنا، والإِفك: الكذب { عَارِضاً } سحاباً يعرض في الأفق { تُدَمِّرُ } تُهلك، والتدميرُ الهلاك وكذلك الدَّمار { صَرَّفْنَا } بعثنا ووجهنا { يَعْيَ } يضعف ويعجز من الإِعياء وهو التعب والعجز.


التفسِير:
{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ظ±لنَّارِ } أي وذكّرهم يا محمد يوم يُكشف الغطاء عن نار جهنم، وتبرز للكافرين فيقرَّبون منها وينظرون إِليها { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ظ±لدُّنْيَا } في الكلام حذف أي ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً أذهبتم طيباتكم أي لقد نلتم وأصبتم لذائد الدنيا وشهواتها فلم يبق لكم نصيب اليوم في الآخرة قال في البحر: والطيبات هنا المستلذات من المآكل والمشارب، والملابس والمفارش. والمراكب والمواطىء، وغير ذلك مما يتنعَّم به أهل الرفاهية { وَظ±سْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } أي وتمتعتم بتلك اللذائذ والطيبات في الدنيا قال المفسرون: المراد بالآية إِنكم لم تؤمنوا حتى تنالوا نعيم الآخرة، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها عن الإِيمان والطاعة، وأفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي، فلم يبق لكم بعد ذلك شيء من النعيم، ولهذا قال بعده { فَظ±لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ظ±لْهُونِ } أي ففي هذا اليوم - يوم الجزاء - تنالون عذاب الذُلِّ والهَوان { بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ظ±لأَرْضِ بِغَيْرِ ظ±لْحَقِّ } أي بسبب استكباركم في الدنيا عن الإِيمان وعن الطاعة { وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي وبسبب فسقكم وخروجكم عن طاعة الله، وارتكاب الفجور والآثام قال الإِمام الفخر: وهذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإِنما وبَّخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولا يؤدي شكر المنعم بطاعته والإِيمان به، وأما المؤمن فإِنه يؤدي بإِيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ودليله

{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ظ±للَّهِ ظ±لَّتِيغ¤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ظ±لرِّزْقِ }
[الأعراف: 32]!! نعم لا يُنكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، وعليه يُحمل قول عمر " لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعاماً، وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي لحياتي الآخرة " وقال في التسهيل: الآية في الكفار بدليل قوله تعالى { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } وهي مع ذلك واعظةٌ لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر ابن عبد الله - وقد رآه اشترى لحماً - أو كلما اشتهى أحدكم شيئاً جعله في بطنه! أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ممن قال الله فيهم { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ظ±لدُّنْيَا }!! { وَظ±ذْكُرْ أَخَا عَادٍ } أي اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين قصة نبي الله هود عليه السلام مع قومه عادٍ ليعتبروا بها { إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِظ±لأَحْقَافِ } أي حين حذَّر قومه من عذاب الله إِن لم يؤمنوا وهم مقيمون بالأحقاف - وهي تلالٌ عظيمة من الرمل في بلاد اليمن - قال ابن كثير: الأحقاف جمع حِقْف وهو الجبل من الرمل، قال قتادة: كانوا حياً باليمن أهل رملٍ مشرفين على البحر بأرضٍ يُقال لها: الشَحْر { وَقَدْ خَلَتِ ظ±لنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي وقد مضت الرسلُ بالإِنذار من قبل هودٍ ومن بعده، والجملة اعتراضية وهي إِخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلاً متقدمين قبل هودٍ وبعده { أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ ظ±للَّهَ } أي حذَّرهم هود عليه السلام قائلا لهم: بأن لا تعبدوا إلا الله { إِنَّيغ¤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي إِني أخاف عليكم إِن عبدتم غير الله عذاب يومٍ هائلٍ وهو يوم القيامة { قَالُوغ¤اْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا } أي قالوا جواباً لإِنذاره: أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ وهو استفهام، يراد منه التسفيه والتجهيل لما دعاهم إليه { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ظ±لصَّادِقِينَ } أي فأتنا بالعذاب الذي وعدتنا به إِن كنت صادقاً فيما تقول قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعاداً منهم لوقوعه { قَالَ إِنَّمَا ظ±لْعِلْمُ عِندَ ظ±للَّهِ } أي قال لهم هود: ليس علم وقت العذاب عندي إِنما علمه عند الله { وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ } أي وإِنما أنا مبلّغٌ ما أرسلني به الله إِليكم { وَلَـظ°كِنِّيغ¤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ } أي ولكنني أجدكم قوماً جهلة في سؤالكم استعجال العذاب { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } أي فلما رأوا السحاب معترضاً في أفق السماء متجهاً نحو أوديتهم استبشروا به { قَالُواْ هَـظ°ذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } أي وقالوا هذا السحاب يأتينا بالمطر قال المفسرون: كانت عاد قد أبطأ عنهم المطر، وقُحطوا مدةً طويلةً من الزمن، فلما رأوا ذلك السحاب العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به واستبشروا وقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا { بَلْ هُوَ مَا ظ±سْتَعْجَلْتُم بِهِ } أي قال لهم هود: ليس الأمر كما زعمتم أنه مطر، بل هو ما استعجلتم به من العذاب ثم فسَّره بقوله { رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي هو ريحٌ عاصفة مدمّرة فيها عذابٌ فظيع مؤلم { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } أي تُخَرِّب وتُهلك كل شيء أتت عليه من رجالٍ ومواشٍ وأموال، بأمره تعالى وإِذنه قال ابن عباس: أول ما جاءت الريح على قوم عاد، كانت تأتي على الرجال والمواشي فترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء حتى يصبح الواحد منهم كالريشة، ثم تضربهم على الأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، فهي التي قال الله فيها { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } أي تدمّر كل شيء مرت عليه من رجال عادٍ وأموالها، والتدميرُ الهلاك، وفي الحديث عن عائشة قالت:
" كان صلى الله عليه وسلم إِذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه، فقلت يا رسول الله: الناسُ إِذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إِذا رأيته عُرف في وجهك الكراهية؟ فقال يا عائشة: ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عُذّب قوم بالريح " ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا { هَـظ°ذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } { فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىظ° إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ } أي فأصبحوا هلكى لا تُرى إِلا مساكنهم، لأن الريح لم تبق منهم إِلا الآثار والديار خاوية { كَذَلِكَ نَجْزِي ظ±لْقَوْمَ ظ±لْمُجْرِمِينَ } أي بمثل هذه العقوبة الشديدة نعاقب من كان عاصياً مجرماً قال الرازي: والمقصود منه تخويف أهل مكة، ولهذا قال بعده { وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ } " إِنْ " نافية بمعنى " ما " أي ولقد مكَّنا عاداً في الذي لم نمكنكم فيه يأ أهل مكة من القوة، والسَّعة، وطول الأعمار، وهو خطاب لكفار مكة على وجه التهديد { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً } أي وأعطيناهم الأسماع والأبصار والقلوب، ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على الخالق المنعم { فَمَآ أَغْنَىظ° عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ } أي فما نفعتهم تلك الحواس أي نفع، ولا دفعت عنهم شيئاً من عذاب الله قال الإِمام الفخر: المعنى أنّا فتحنا عليهم أبواب النعم: أعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبَر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدينا ولذاتها، فلا جرم أنها لم تغن عنهم من عذاب الله شيئاً { إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ظ±للَّهِ } تعليلٌ لما سبق أي لأنهم كانوا يكفرون وينكرون آيات الله المنزَّلة على رسله ويكذبون رسله { وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلون به بطريق الاستهزاء { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ظ±لْقُرَىظ° } تخويفٌ آخر لكفار مكة أي ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم يا أهل مكة والمحيطة بكم، كقرى عاد وثمود وسبأ وقوم لوط، والمراد بإِهلاك القرى إِهلاكُ أهلها { وَصَرَّفْنَا ظ±لآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي وكررنا الحجج والدلالات، والمواعظ والبينات، أوضحناها وبيَّناها لهم لعلهم يرجعون عن كفرهم وضلالهم { فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±تَّخَذُواْ مِن دُونِ ظ±للَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ } أي فهلاَّ نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله بزعمهم، وجعلوها شفعاءهم لتدفع عنهم العذاب؟! و " لولا " تحضيضية بمعنى هلاَّ ومعناها النفي أي لم تنصرهم آلهتهم ولم تدفع عنهم عذاب الله { بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } أي غابوا عن نصرتهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، فإِن الصديق وقت الضيق قال أبو السعود: وفي الآية تهكمٌ بهم كأنَّ عدم نصرهم كان لغيبتهم { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي وذلك الذي أصابهم هو كذبهم وافتراؤهم على الله، حيث زعموا أن الأصنام شركاء الله وشفعاء لهم عند الله { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ظ±لْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ظ±لْقُرْآنَ } أي واذكر يا محمد حين وجهنا إِليك وبعثنا جماعةً من الجن ليستمعوا القرآن قال البيضاوي: والنفر دون العشرة، روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده القرآن { فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوغ¤اْ أَنصِتُواْ } أي فلما حضروا القرآن عند تلاوته قال بعضهم لبعضٍ: اسكتوا لاستماع القرآن قال القرطبي: هذا توبيخٌ لمشركي قريش، أي إِن الجنَّ سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرّون على الكفر { فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىظ° قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } أي فلما فُرغَ من قراءة القرآن رجعوا إِلى قومهم مخوفين لهم من عذاب الله إِن لم يؤمنوا قال الرازي: وذلك لا يكون إِلا بعد إِيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلاّ وقد آمنوا { قَالُواْ يظ°قَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىظ° } أي سمعنا كتاباً رائعاً مجيداً منزَّلاً على رسولٍ من بعد موسى قال ابن عباس: إِن الجنَّ لم تكن قد سمعت بأمر عيسى عليه السلام { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي مصدِّقاً لما قبله من التوراة { يَهْدِيغ¤ إِلَى ظ±لْحَقِّ وَإِلَىظ° طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي هذا القرآن يرشد إِلى الحقِّ المبين، وإِلى دين الله القويم { يظ°قَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ظ±للَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ } أي أجيبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإِيمان وصدِّقوا برسالته { يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } أي يمحو الله عنكم الذنوب والآثام { وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } أي ويخلِصْكم وينجكم من عذاب شديد مؤلمٍ { وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ظ±للَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ظ±لأَرْضِ } هذا ترهيبٌ بعد الترغيب أي ومن لم يؤمن بالله ويستجب لدعوة رسوله، فإِنه لا يفوت الله طلباً، ولا يعجزه هرباً { وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ } أي وليس له أنصار يمنعونه من عذاب الله { أُوْلَـظ°ئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } أي أولئك الذين لا يستجيبون لدعوة الله في خسرانٍ واضح، وإِلى هنا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن، ثم ذكر تعالى الأدلة على قدرته ووحدانيته فقال { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ظ±للَّهَ ظ±لَّذِي خَلَقَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ } أي أولم يعلم هؤلاء الكفار المنكرون للبعث والنشور أن الله العظيم القدير الذي خلق السماواتِ والأرض ابتداءً من غير مثال سابق { وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } أي ولم يضعف ولم يتعب بخلقهنَّ { بِقَادِرٍ عَلَىظ° أَن يُحْيِـيَ ظ±لْمَوْتَىظ° }؟ أي قادرٌ على أن يعيد الموتى بعد الفناء، ويحييهم بعد تمزق الأشلاء؟ { بَلَىظ° إِنَّهُ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي بلى إِنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، فكما خلقهم يعيدهم { وَيَوْمَ يُعْرَضُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىظ° ظ±لنَّارِ } أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الأهوال والشدائد التي يرونها في الآخرة، وذكّرهم يوم يُعرضون على النار فيقال لهم { أَلَيْسَ هَـظ°ذَا بِظ±لْحَقِّ }؟ أي أليس هذا العذاب الذي تذوقونه حقٌّ؟ { أَفَسِحْرٌ هَـظ°ذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ }
[الطور: 15] { قَالُواْ بَلَىظ° وَرَبِّنَا } أي قالوا بلى وعزة ربنا، أكَّدوا كلامهم بالقسم طمعاً في الخلاص قال الفخر الرازي: والمقصود بالآية التهكمُ بهم، والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم:
{ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }
[الشعراء: 138] { قَالَ فَذُوقُواْ ظ±لْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أي فيقال لهم: ذوقوا العذاب الأليم بسبب كفركم { فَظ±صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ظ±لْعَزْمِ مِنَ ظ±لرُّسُلِ } أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين كما صبر مشاهير الرسل الكرام وهم " نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى " { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } أي ولا تدع على كفار قريش بتعجيل العذاب فإِنه نازل بهم لا محالة { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوغ¤اْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } أي كأنهم حين يعاينون العذاب في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعةً واحدة من النهار، لما يشاهدون من شدة العذاب وطوله { بَلاَغٌ } أي هذا بلاغ وإِنذار { فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ظ±لْقَوْمُ ظ±لْفَاسِقُونَ } أي لا يكون الهلاك والدمار إِلا للكافرين الخارجين عن طاعة الله.

تنبيه:
قال المفسرون: " إن الجنَّ كانوا يسترقون السمع، فلما حُرست السماء بالشهب، قال إبليس: إِن هذا الذي حدث بالسماء من أمر حدث في الأرض، فبعث سراياه ليعرف الخبر، فذهب ركبٌ من نصيبين - وهم أشراف الجن - إلى تهامة، فلما بلغوا باطن نخلة سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا ثم لما انتهى صلى الله عليه وسلم من القراءة آمنوا ثم رجعوا إِلى قومهم منذرين فدعوهم إِلى الإِيمان، وجاءوا بعد ذلك جماعات جماعات إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك سبب قوله تعالى { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ظ±لْجِنِّ }.


البَلاَغَة:
تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:


1- التعجيز
{ ظ±ئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـظ°ذَآ }
[الأحقاف: 4] أمرٌ يراد منه التعجيز.

2- جناس الاشتقاق { يَدْعُواْ.. وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ } ومثله
{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ }
[الأحقاف: 10].

3- الطباق بين { آمَنَ..وَكَفَرْتُمْ } وبين { يُنذِرَ.. وَبُشْرَىظ° }.

4- ذكر الخاص بعد العام
{ وَوَصَّيْنَا ظ±لإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ }
[الأحقاف: 15] ثم قال
{ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً }
[الأحقاف: 15] فذكر الخاص بعد العام لزيادة العناية والاهتمام بشأن الأم لحقها العظيم.

5- الطباق بين { حَمَلَتْهُ.. وَوَضَعَتْهُ }.

6- صيغة الحصر
{ مَا هَـظ°ذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ظ±لأَوَّلِينَ }
[الأحقاف: 17].

7- الاستعارة
{ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ }
[الأحقاف: 19] استعار الدرجات للمراتب، للسعداء والأشقياء.

8- الإِيجاز بالحذف مع التوبيخ والتقريع { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ظ±لدُّنْيَا } أي يقال لهم أذهبتم.

9- الإِطناب بتكرار اللفظ { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً } ثم قال { فَمَآ أَغْنَىظ° عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ } لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم.

10- توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام وحسن تناسقه وهو من المحسنات البديعية مثل
{ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }
[الجاثية: 33] { وَصَرَّفْنَا ظ±لآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } الخ.

خادم المنتدى شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
قديم 2017-08-27, 15:51   رقم المشاركة : ( 3 )
مدير التواصــل

الصورة الرمزية خادم المنتدى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12994
تـاريخ التسجيـل : Oct 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الإقــــــــامــة : أرض اللـه الــواســعـــة
المشاركـــــــات : 32,928 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 18732
قوة التـرشيــــح : خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

خادم المنتدى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الاحقاف

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 10:44 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd