منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد

منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد (https://www.profvb.com/vb/)
-   الأدب العالمي (https://www.profvb.com/vb/f220.html)
-   -   مفهوم «العالمية» في الأدب الروائي (https://www.profvb.com/vb/t172984.html)

خادم المنتدى 2017-01-26 20:09

مفهوم «العالمية» في الأدب الروائي
 
مفهوم «العالمية» في الأدب الروائي


اختلف النقاد والأدباء والقراء في معنى «عالمية الأدب»، ففسرها البعضُ بأنّه الأدب المترجم للغات أخرى، وقال آخرون إنه الأدب الذي يتأثر بغيره فيتغير تبعاً لذلك. وكان للعالم الألماني الشهير يوهان غوته رأي آخر، حيث نفى وطنية الأدب وانتماءاته باعتبار أنّ كل نتاج أدبي هو إرثٌ وأدبٌ عالمي؛ غير أننا نقوم هنا بعملية إسقاط على بعض كتابات البرازيلي باولو كويلو والتركية إليف شافاق، في محاولة للوصول إلى تعريف الأدب العالمي بناءً على مقوماته الذاتية التي توجد داخل المتن نفسه والتي تجعله يتحدى الخطوط الجغرافية ويحلق نحو شعوب العالم بلا تردد، تعريف قائم على معايير النص تعطى له مساحة أكثر شمولية.
فمن جانب، يرى بعض علماء الأدب المقارن ومنهم محمد غنيمي هلال في كتابه «عالمية الأدب وعوالمها» أن معنى الأدب العالمي هو خروجه عن نطاق اللغة التي كتب بها إلى لغات أو آداب أخرى، أي أنه الأدب المترجم ضمن إطار التعاون الفكري، وأنه تبعاً لذلك يكون الأدب عالميّاً إذا تحدث عن قومية مختلفة. وعليه يمكن، مثلاً، تسمية رواية «القندس» للسعودي محمد علوان أنها عالمية؛ لأن بعضها حدث في الولايات المتحدة ونعتبر «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ محلية؛ لأنّ أحداثها لم تسافر!
من جانب آخر، نستذكر المبدأ الذي ذهب إليه غوته في كتاباته والتي تعتبر بالفعل إرثا وتاريخا أدبيا عالميا، فقد تنوع غوته في كتاباته بين الشعر والرواية والمسرح، كما أنه اهتم بالأدب الشرقي وتعلم اللغات اللاتينية، والفرنسية، والانجليزية، والايطالية والعبرية واطلع على الأدب الصيني والفارسي والعربي. فهل ما كتبه غوته بعد هذه الثقافة الواسعة يعتبر عالميّاً بسبب ذلك؛ لأنها استجابة للحاجات الفكرية المجتمعية وأنه لايمكن اخضاعها لقومية معينة؟
وفي السياق ذاته، نأخذ رأي الكاتب غسان الشهابي الذي قال: «كما الكثير من المصطلحات، لا يمكنني البتّ في معنى واحد وواضح لمصطلح «الأدب العالمي»؛ لأنه ليس وصفة معينة يمكن من خلالها للأديب أن يصل إلى العالمية متوسّلاً بما يمكن أن ينقله إليها. ومن وجهة نظري أن من يضع عينه على العالمية ويسعى للوصول إليها سيكون كالناقد الأدبي الذي يكتب نصّاً أدبيّاً وعينه على ما قد يقوله النقاد في شأنه، وبالتالي يأتي نصّه فارغاً من الروح التي يمكنها أن تجعل هذا الأدب حيّاً وقابلاً للنبض على مرّ الزمان».
وقال الروائي أحمد المؤذن: «يكون كذلك حينما يحرك المؤلف عوالمه ثم يقوم بسبكها في اتجاه إنساني وكوني يعالج أبسط التفاصيل وأعقدها في بيئته المحلية، ولتكن منطلقاً في المعالجة الإبداعية كما أرى. اليوم أغلب القضايا الإنسانية تعد هموماً مشتركة وتتخطى الحواجز الثقافية والعرقية، لهذا فليكن تجوال الكاتب من بيئته مستشعراً وقارئاً ما حوله، حتما سيعمل على تفكيك (الأحاجي) الاجتماعية والإشكالية المختلفة التي تعترضه، وبهذا تكتمل لديه الصورة حيث يصل إلى مراتب الأدب العالمي. فالأدب عندما يرتقي بخطابه الإنساني النبيل، بكل تأكيد سيصل ويعبر الحدود وحواجز اللغة ليقدم رسالته.
وبدورها أبدت الكاتبة فتحية ناصر رأيها قائلة: «أعتقد أن ترجمة الأدب إلى لغة عالمية أو إلى عدد من اللغات قد تساعد في وضعه خطوة على طريق العالمية، لكن الاختبار الحقيقي لعالمية الأدب هو في امكانيته على الصمود في وجه الزمن. صحيح أن الكثير من الأمور في الحياة تتغير، لكن الأدب العالمي ينبغي ألا يشيخ حين يقدم تاريخ اصداره. بل أن يبقى مؤثراً على رغم مرور العقود وتعاقب الأجيال، فهذا البقاء والقدرة على التأثير هما ما يؤكدان أن بداخله جوهراً أصيلاً لا يمكن أن يتجاوزه الزمن أو يغض الطرف عنه، أي أنه يعتمد على (الثيمة) كما في روايات (ذهب مع الريح) و(البؤساء) و(رحلات جوليفر) و(مزرعة الحيوان)».
وأبدت خولة الشاعر رأيها موضحة أن «الأدب العالمي هو أدب يرتقي الى مستوى العالمية في محتواه الانساني وفنه الأدبي وموضوعاته المطروحة من دون أن يتعدى حدوده القومية أو المحلية، أعمال تُرجمت لأكثر من لغة وانتشرت بشكل ناجح في العديد من الدول، لدرجة أنه يتم تدارسه في مختلف الجامعات والمؤسسات التعليمية ويؤخذ فنه كأسس لاستنباط فنون أخرى، فهذا النوع من الأدب يسعى للارتقاء بالأمم، لذلك يبتعد عن الحس السياسي أو الديني البحت حيث يحدث مختلف العقول. وهنا يكمن سوأل آخر، اذ تتم ترجمة هذا الأدب الى أكثر من لغة، فهل يحمل نفس معنى لغته الأساسية التي كتب بها، وهذا عبء يقع على عاتق المترجم أن يتحلى بالمصداقية والمعرفة الكافية لنقل تلك الأفكار والمحتوى الأدبي و جماليته بكل مصداقية».
بعد تلك الآراء، يمكن القول إنّ الأدب يعتبر عالميّاً إذا أصبح متنه يحمل قيماً مشتركة لكل المجتمعات الانسانية، فلا يشعر القارئ بالغربة تجاه النص بل يعي ويدرك أن الكاتب يحاوره بذاته، ومن هذه المميزات والقيم: تسلق المكان والزمان، الفلسفات العامة، الأديان، اللغات، الأساطير الانسانية المشتركة. هذه العناصر قمنا باسقاطها على عملين يعتبران من الأدب العالمي وهما رواية «ألف» لباولو كويلو و«قواعد العشق الأربعون» لإليف شافاق حيث حققا انتشاراً واسعاً جدا وترجما الى أكثر من ستين لغة. فما الذي ميّز هذه الأعمال لتصبح عالمية حقاً؟
إلغاء الحدود الجغرافية: كما تمكن كويلو في «الخيميائي» من كسر جمود المكان، استطاع في «ألف» أن ينقل بطله من إفريقيا الى أوروبا وصولا لسيبيريا، أما شافاق فتنقلت شخوصها من بغداد وقونية وصولا للولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، وهو تنقل وتنوع جغرافي يعطي جواز عبور للشخوص حتى ليظن القارئ أنها كتبت لعامة القوميات وأنها لا تنتمي إلى منطقة واحدة.
عدم الاعتراف بالأزمنة: استطاع الكاتبان أن يتلاعبا بالزمن من دون أن تضيع الحبكة الدرامية بين يديهما، فكتبت شافاق عن قصتين متناغمتين يفصل بينهما ثمانيمئة سنة فيما كتب كويلو عن حبه الجديد الذي صادفه في سيبيريا لكنه متيقن أنه رآه وقابله قبل نصف قرن من الزمان.
الفلسفة الانسانية: لم يكن من قبيل الصدفة أن يركز الكاتبان على الفلسفة الصوفية وطقوسها من خلال الروايتين، فكلاهما يظهر ثقافة عريضة مطلعة على الأديان المختلفة ثم الغوص فيها باعتبارها ارثا انسانيا مشتركاً، فدعا كويلو عبر الصوفية الى اعاددة اكتشاف الذات والى التجدد والنمو الروحي وكذلك الى التواصل مع الآخر، فيما دعت شافاق عبر شخصية التبريزي إلى معايشة طبقات المجتمع الدنيا وتلمس أوجاعها حتى نشعر بالسعادة الحقيقية.
الأساطير والموروثات البشرية: تنتشر في كثير من المجتمعات فكرة تناسخ الأرواح، ولذلك فإن ذكرها في سياق روائي يثير فضول القارئ للبحث والتحري ومحاولة الوصول إلى الحقيقة، هي فكرة عامة تحدث عنها كويلو في سياقه الروائي فيما أبدت شافاق موروثاً يتحدث عن امكانية مخاطبة الأرواح والغيبيات كما حدث مع شخصية شمس التبريزي.
القيم الخالدة: اختار الكاتبان بصورة منفصلة الغور في الإلهيات وغرائب الحب الالهي، ذلك الحب الطاهر الذي يرفع الانسان عن دناءة الدنيا وحب الماديات، فحب المعرفة الكمال هو الذي دفع شخصيات شافاق الى مغازلة الروح من دون الدخول في تفاصيل غرائز الأجساد.
اللغات: تمكّن كويلو باقتدار من إدراج معارفه باللغات في أعماله وخاصة في عناوين رواياته مما أعطاها صبغة عالمية، فأطلق اسم «ألف» على روايته باعتباره الحرف الأول للغات الشرق السامية ومنها العربية والعبرية. كما نتيح هنا المجال للقارئ في استنتاج الهدف من اختيار عنواوين كـ«الخيميائي» و«الزهير».
في الختام، يمكن القول إن الأدب العالمي هو الأدب الذي يحمل على عاتقه القيم والعادات والتقاليد الموروثة والمشتركة بين شعوب العالم كافة وتكون الترجمة للّغات المختلفة نتيجة وليست سبباً لذلك، كما أن الأدب العالمي هو الذي لا يخضع لقومية معينة بل يشعر القارئ بأن العمل كُتب لأجله وحده.
-************************************-



الساعة الآن 23:39

جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd