للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات العامة والشاملة > المنتدى الإسلامي > مدرسة القرآن والسنة > تفسير



إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2016-12-22, 21:06
الصورة الرمزية أم سهام
 
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أم سهام غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute
افتراضي تفسير سورة الاسراء





[COLOR="DarkGreen"]* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق[/COLOR]

{ سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } * { وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً } * { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً } * { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } * { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } * { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } * { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } * { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } * { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً } * { وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } * { وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً } * { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } * { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً } * { ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } * { مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } * { وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } * { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً } * { مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً } * { وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } * { كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً } * { ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } * { لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً }

اللغَة:
{ سُبْحَانَ } اسمٌ للتسبيح ومعناه تنزيه الله تعالى من كل سوء ونقصٍ وهو خاصٌ به سبحانه { أَسْرَىٰ } الإِسراء: السيرُ ليلاً يقال: أسرى وسرى لغتان قال الشاعر:
سريتَ من حَرَمٍ ليلاً إلى حَرَمٍ
***
كما سَرَى البدرُ في دَاجٍ من الظُّلَم
{ فَجَاسُواْ } قال الزجاج: طافوا، والجَوْسُ: الطواف بالليل والتردُّد والطلب مع الاستقصاء وقال الواحدي: الجوسُ هو التردُّد والطلب { ٱلْكَرَّةَ } الدَّولة والغَلَبة { تَتْبِيراً } هلاكاً ودماراً { مَحَوْنَآ } طمسنا قال علماء اللغة: المحوُ إذهاب الأثر يقال محوتُه فانمحى أي ذهب أثره { طَآئِرَهُ } عمله المقدَّر عليه سمي الخير والشر بالطائر لأن العرب كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بالطير إذا طار جهة اليمين أو الشمال { مُتْرَفِيهَا } المُتْرفُ: المتنعِّمُ الذي أبطرته النعمةُ وسَعَة العيش { يَصْلاهَا } يدخلها ويذوق حرَّها { مَّدْحُوراً } مطروداً مبعداً من رحمة الله.

التفسِير:
{ سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } أي تنزَّه وتقدَّس عما لا يليق بجلاله، اللهُ العليُّ الشأن، الذي انتقل بعبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم في جزءٍ من الليل { مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى } أي من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام قال المفسرون: وإنما قال { لَيْلاً } بلفظ التنكير لتقليل مدة الإِِسراء، وأنه قطع به المسافات الشاسعة البعيدة في جزءٍ من الليل وكانت مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في القدرة والإِعجاز ولهذا كان بدء السورة بلفظ { سُبْحَانَ } الدال على كمال القدرة، وبالغ الحكمة، ونهاية تنزهه تعالى عن صفات المخلوقين، وكان الإِسراء بالروح والجسد، يقظة لا مناماً { ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } أي الذي باركنا ما حوله بأنواع البركات الحسية والمعنوية، بالثمار والأنهار التي خصَّ الله بها بلاد الشام، وبكونه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة الأطهار { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ } أي لنريَ محمداً صلى الله عليه وسلم آياتنا العجيبة العظيمة، ونطلعه على ملكوت السماوات والأرض، فقد رأى صلوات الله عليه السماواتِ العُلى والجنةَ والنار، وسدرة المنتهى، والملائكة والأنبياء وغير ذلك من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى { إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ } أي إنه تعالى هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، فلهذا خصَّه بهذه الكرامات والمعجزات احتفاءً وتكريماً { وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ } أي أعطينا موسى التوراة هدايةً لبني إسرائيل يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإِيمان { أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً } أي لا تتخذوا لكم ربا تكلون إليه أموركم سوى الله الذي خلقكم قال المفسرون: لما ذُكر المسجدُ الأقصى وهو قلب الأرض المقدسة التي أسكنها الله بني إسرائيل جاء الحديث عنهم في مكانه المناسب من سياق السورة { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي يا ذرية ويا أبناء المؤمنين الذين كانوا مع نوح في السفينة، لقد نجينا آباءكم من الغرق فاشكروا الله على إنعامه { إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً } أي إن نوحاً كان كثير الشكر يحمد الله على كل حال فاقتدوا به، وفي النداء لهم تلطفٌ وتذكير بنعمة الله { وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ } أي أخبرناهم وأعلمناهم وأوحينا إليهم في التوراة { لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ } أي ليحصلنَّ منكم الإِفساد في أرض فلسطين وما حولها مرتين قال ابن عباس: أول الفساد قتل زكريا والثاني قتل يحيى عليهما السلام { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } أي تطغون في الأرض المقدسة طغياناً كبيراً بالظلم والعدوان وانتهاك محارم الله { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا } أي أُولى المرتين من الإِفساد { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ } أي سلَّطنا عليكم من عبيدنا أناساً جبارين للانتقام منكم { أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي أصحاب قوةٍ وبطش في الحرب شديد قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما استحلوا المحارم وسفكوا الدماء سلَّط الله عليهم بختنصر ملك بابل فقتل منهم سبعين ألفاً حتى كاد يفنيهم هو وجنوده، وذلك أول الفسادين { فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ } أي طافوا وسط البيوت يروحون ويغدون للتفتيش عنكم واستئصالكم بالقتل والسلب والنهب لا يخافون من أحد { وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } أي كان ذلك التسليط والانتقام قضاءً جزماً حتماً لا يقبل النقض والتبديل { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } أي ثمَّ لما تبتم وأنبتم أهلكنا أعداءكم ورددنا لكم الدَّوْلةَ والغلبة عليهم بعد ذلك البلاء الشديد { وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } أي أعطيناكم الأموال الكثيرة والذرية الوفيرة، بعد أن نُهبت أموالكم وسُبيت أولادكم { وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً } أي جعلناكم أكثر عدداً ورجالاً من عدوكم لتستعيدوا قوتكم وتبنوا دولتكم { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ } أي إن أحسنتم يا بني إسرائيل فإحسانكم لأنفسكم ونفعه عائد عليكم لا ينتفع الله منها بشيء { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي وإن أسأتم فعليها لا يتضرر الله بشيء منها، فهو الغني عن العباد، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ } أي فإذا جاء وعد المرة الأخيرة من إفسادكم بقتل يحيى وانتهاك محارم الله بعثنا عليكم أعداءكم مرة ثانية { لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ } أي بعثناهم ليهينوكم ويجعلوا آثار المساءة والكآبة باديةً على وجوهكم بالإِذلال والقهر { وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي وليدخلوا بيت المقدس فيخربوه كما خربوه أول مرة { وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً } أي وليدمروا ويهلكوا ما غلبوا عليه تدميراً، فقد سلّط الله عليهم مجوس الفرس فشردوهم في الأرض وقتلوهم ودمَّروا مملكتهم تدميراً { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } أي لعل الله يرحمكم ويعفو عنكم إن تبتم وأنبتم، وهذا وعدٌ منه تعالى بكشف العذاب عنهم إن رجعوا إلى الله و { عَسَىٰ } من الله واجبة { وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } أي وإن عدتم إلى الإِفساد والإِجرام عدنا إلى العقوبة والانتقام { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } أي وجعلنا جهنم محبساً وسجناً للكافرين، لا يقدرون على الخروج منها أبَدَ الآبدين، ثم بيًّن تعالى مزية التنزيل الكريم الذي فاق بها سائر الكتب السماوية فقال { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } أي إنَّ هذا القرآن العظيم يهدي لأقوم الطرق وأوضح السُّبُل، ولما هو أعدل وأصوب { وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً } أي ويبشر المؤمنين الذين يعملون بمقتضاه بالأجر العظيم في جنات النعيم { وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي ويبشرهم بأن لأعدائهم الذين لا يصدقون بالآخرة العقاب الأليم في دار الجحيم، وقد جمعت الآية بين الترغيب والترهيب { وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ } أي يدعو بالشر على نفسه كدعائه لها بالخير، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك قال ابن عباس: هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحبُّ أن يستجاب له: اللهمَّ أهلكه اللهمَّ دمْره ونحوه { وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً } أي ومن طبيعة الإِنسان العجلة، يتعجل بالدعاء على نفسه ويسارع لكل ما يخطر بباله، دون النظر في عاقبته، ثم أشار تعالى إلى آيات الله الكونية في هذا الوجود، التي كلٌ منها برهانٌ نيِّر على وحدانية الله فقال { وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ } أي علامتين عظيمتين على وحدانيتنا وكمال قدرتنا { فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ } أي طمسنا الليل فجعلناه مظلماً لتسكنوا فيه { وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً } أي جعلنا النهار مضيئاً مشرقاً بالنور ليحصل به الإِبصار { لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } أي لتطلبوا في النهار أسباب معايشكم { وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } أي ولتعلموا عدد الأيام والشهور والأعوام، بتعاقب الليل والنهار، فالليل للراحة والسكون، والنهار للكسب والسعي { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } أي وكلَّ أمرٍ من أمور الدنيا والدين، بينَّاه أحسن تبيين، وليس شيء من أمر هذا الوجود متروكاً للمصادفة والجُزاف، وإنما هو بتقديرٍ وتدبيرٍ حكيم { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } أي أن الإِنسان مرهون بعمله مجزي به، وعملُه ملازم له لزوم القلادة للعُنُق لا ينفك عنه أبداً { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً } أي نظهر له في الآخرة كتاب أعماله مفتوحاً فيه حسناته وسيئاته فيرى عمله مكشوفاً لا يملك إخفاءه أو تجاهله { ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } أي إقرأ كتاب عملك كفى أن تكون اليوم شهيداً بما عملت، لا تحتاج إلى شاهد أو حسيب { مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي من اهتدى فثواب اهتدائه له، ومن ضلَّ فعقاب كفره وضلاله عليها { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } أي وما كنا معذبين أحداً من الخلق حتى نبعث لهم الرسل مذكرين ومنذرين فتقوم عليهم الحجة { وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } أي وإذا أردنا هلاك قوم من الأقوام أمرنا المتنعمِّين فيها والقادة والرؤساء بالطاعة على لسان رسلنا فعصوا أمرنا وخرجوا عن طاعتنا وفسقوا وفجروا { فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } أي فوجب عليهم العذاب بالفسق والطغيان فأهلكناهم إهلاكاً مُريعاً قال ابن عباس: { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } أي سلَّطنا أشرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ } أي وكثير من الأمم الطاغية المكذبين للرسل أهلكناهم من بعد نوح كقوم عاد وثمود وفرعون قال ابن كثير: والآية إنذار لكفار قريش والمعنى إنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى وأحرى { وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً } أي كفى يا محمد أن يكون ربك رقيباً على أعمال العباد يدرك بواطنها وظواهرها ويجازي عليها { مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ } أي من كان يريد بعمله الدنيا فقط ولها يعمل ويسعى ليس له همٌّ إلا الدنيا عجلنا له فيها ما نشاء تعجيله من نعيمها لا كلَّ ما يريد { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً } أي ثم جعلنا له في الآخرة جهنم يدخلها مهاناً حقيراً مطروداً من رحمة الله { وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي ومن أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم، وعمل لها عملها الذي يليق بها من الطاعات وهو مؤمن صادق الإِيمان { فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً } أي فأولئك الجامعون للخصال الحميدة من الإِخلاص، والعمل الصالح، والإِيمان.
كان عملهم مقبولاً عند الله أحسن القبول، مثاباً عليه { كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ } أي كل واحدٍ من الفريقين الذين أرادوا الدنيا، والذين أرادوا الآخرة نعطيه من عطائنا الواسع تفضلاً منا وإحساناً، فنعطي المؤمن والكافر والمطيع والعاصي { وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً } أي ما كان عطاؤه تعالى محبوساً ممنوعاً عن أحد { ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي أنظر يا محمد كيف فاوتنا بينهم في الأرزاق والأخلاق في هذه الحياة الدنيا فهذا غني وذاك فقير، وهذا شريف وذاك حقير { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } أي ولتفاوتُهم في الدار الآخرة أعظم من التفاوت في هذا الدار لأن الآخرة دار القرار وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر { لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ } أي لا تجعل مع الله شريكاً ولا تتخذ غيره إلهاً تعبده { فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً } أي فتصير ملوماً عند الله مخذولاً منه لا ناصر لك ولا معين.

البَلاَغَة:
تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- براعة الاستهلال { سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ } لأنه لما كان أمراً خارقاً للعادة بدأه بلفظ يشير إلى كمال القدرة وتنزه الله عن صفات النقص.


2- إضافة التكريم والتشريف { بِعَبْدِهِ }.

3- جناس الاشتقاق { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً } { تَزِرُ وَازِرَةٌ }.

4- الطباق بين { أَحْسَنْتُمْ... وأَسَأْتُمْ } وبين { ضَلَّ... وٱهْتَدَىٰ }.

5- إيجاز بالحذف { ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ } أي يقال له يوم القيامة إقرأ كتابك { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } أي أمرناهم بطاعة الله فعصوا وفسقوا فيها.

6- المجاز العقلي { آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً } لأن النهار لا يُبصر بل يُبْصر فيه فهو من إسناد الشيء إلى زمانه.

7- الاستعارة اللطيفة { طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ } استعير الطائر لعمل الإِنسان، ولما كان العرب يتفاءلون ويتشاءمون بالطير سموا نفس الخير والشر بالطائر بطريق الاستعارة.

لطيفَة:
الحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس ثم عروجه من بيت المقدس إلى السماوات العلى أنه مجمع أرواح الأنبياء، وموطن تنزل الوحي الإِلهي على الرسل الكرام، ولما كانت هذه الرحلة رحلة تكريم أراد تعالى أن يشرفهم بزيارته. ولهذا صلى بهم إماماً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

تنبيه:
وصفه تعالى في هذه السورة بالعبودية { أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } لأنه أشرف المقامات وأسمى المراتب العلية، كما وصفه في مقام الوحي كذلك
{*فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ*}
[النجم: 10] وفي مقام الدعوة
{*وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ*}
[الجن: 19] ولهذا قال القاضي عياض:
ومما زادني شرفاً وتيهاً
***
وكدتُ بأخمصي أطأ الثريّا
دخولي تحت قولك يا عبادي
***
وأن صيَّرت أحمد لي نبياً



abouimane, خادم المنتدى و صانعة النهضة شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
رد مع اقتباس
قديم 2016-12-22, 23:43   رقم المشاركة : ( 2 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية abouimane

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 56
تـاريخ التسجيـل : Apr 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 7,382 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 8702
قوة التـرشيــــح : abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute abouimane has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

abouimane غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الاسراء

جزاك الله خيرا
خادم المنتدى, أم سهام و صانعة النهضة شكر صاحب المشاركة.
توقيع » abouimane
.................................................. ........................................

كن ابن من شئت و اكتسب أدبا \/\/ يغنيك محموده عن النسب

.................................................. ........................................

  رد مع اقتباس
قديم 2016-12-29, 20:58   رقم المشاركة : ( 3 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الاسراء

[u]* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق

[/u]{ وَقَضَىظ° رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِظ±لْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ظ±لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } * { وَظ±خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ظ±لذُّلِّ مِنَ ظ±لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ظ±رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } * { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً } * { وَآتِ ذَا ظ±لْقُرْبَىظ° حَقَّهُ وَظ±لْمِسْكِينَ وَظ±بْنَ ظ±لسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } * { إِنَّ ظ±لْمُبَذِّرِينَ كَانُوغ¤اْ إِخْوَانَ ظ±لشَّيَاطِينِ وَكَانَ ظ±لشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً } * { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ظ±بْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } * { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىظ° عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ظ±لْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً } * { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ظ±لرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً } * { وَلاَ تَقْتُلُوغ¤اْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } * { وَلاَ تَقْرَبُواْ ظ±لزِّنَىظ° إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } * { وَلاَ تَقْتُلُواْ ظ±لنَّفْسَ ظ±لَّتِي حَرَّمَ ظ±للَّهُ إِلاَّ بِظ±لحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ظ±لْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } * { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ظ±لْيَتِيمِ إِلاَّ بِظ±لَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىظ° يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ظ±لْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } * { وَأَوْفُوا ظ±لْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِظ±لقِسْطَاسِ ظ±لْمُسْتَقِيمِ ذظ°لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } * { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ظ±لسَّمْعَ وَظ±لْبَصَرَ وَظ±لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـظ°ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } * { وَلاَ تَمْشِ فِي ظ±لأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ظ±لأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ظ±لْجِبَالَ طُولاً } * { كُلُّ ذظ°لِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } * { ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىظ° إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ظ±لْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ظ±للَّهِ إِلَـظ°هاً آخَرَ فَتُلْقَىظ° فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً } * { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِظ±لْبَنِينَ وَظ±تَّخَذَ مِنَ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً } * { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } * { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىظ° ذِي ظ±لْعَرْشِ سَبِيلاً } * { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىظ° عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً } * { تُسَبِّحُ لَهُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تُ ظ±لسَّبْعُ وَظ±لأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـظ°كِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } * { وَإِذَا قَرَأْتَ ظ±لْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً } * { وَجَعَلْنَا عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيغ¤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ظ±لْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىظ° أَدْبَظ°رِهِمْ نُفُوراً } * { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىظ° إِذْ يَقُولُ ظ±لظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } * { ظ±نْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ظ±لأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً }

المنَاسَبَة:
لما جعل تعالى الإِيمان والعملَ الصالح أساساً للفوز بالسعادة الأبدية، وبيَّن حال المؤمن الذي أراد بعمله الدار الآخرة، ذكر هنا طائفةً من الأوامر والزواجر التي يقوم عليها بنيان المجتمع الفاضل، ثم ذكر تعالى موقف المشركين المكذبين من هذا القرآن العظيم.

اللغَة:
{ أُفٍّ } كلمة تضجُّر وتبرُّم قال ابن الأعرابي الأفُّ: الضجر، وأصلها أنه إذا سقط تراب أو رماد فنفخ الإِنسان ليزيله، فالصوت الحاصل هو أُفّ ثم توسعوا في الكلمة حتى أصبحت تقال لكل مكروه { تَنْهَرْهُمَا } النهْرُ: الزجرُ والغِلظة { الأَوَّابِينَ } جمع أوَّاب وهو كثير التوبة والإِنابة من الأَوْب بمعنى الرجوع { مَّحْسُوراً } منقطعاً عن النفقة والتصرف قال الفراء: تقول العرب للبعير هو محسور إذا انقطع سيره، وحَسرَت الدابة إذا انقطعت عن المسير لذهاب قوتها، فشُبّه حال من أنفق كلّ ماله بمن انقطع في سفره بسبب انقطاع مطيته { إِمْلاقٍ } فقر وفاقة، أملق الرجل إذا افتقر { خِطْئاً } قال الأزهري: خطِئ يَخْطَأُ خِطْأً إذا تعمَّد الخطأ، وأخطأ إذا لم يتعمد { ظ±لقِسْطَاسِ } الميزان مأخوذ من القِسْط وهو العدل { تَقْفُ } تَتَّبعْ مأخوذ من قفوتُ أثر فلان إذا اتبعت أثَره وأصله البهتُ والقذف بالباطل { مَرَحاً } المَرَح: شدة الفرح والمراد به هنا التكبر والخيلاء { صَرَّفْنَا } بيَّنا { أَكِنَّةً } جمع كِنان وهو الغطاء الذي يستر الشيء { وَقْراً } صمماً وثقلاً.

التفسِير:

{ وَقَضَىظ° رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ } أي حكم تعالى وأمر بأن لا تعبدوا إلَهاً غيره وقال مجاهد: { وَقَضَىظ° } يعني وصَّى بعبادته وتوحيده { وَبِظ±لْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } أي وأمر بأن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً قال المفسرون: قرن تعالى بعبادته برَّ الوالدين لبيان حقهما العظيم على الولد لأنهما السبب الظاهر لوجوده وعيشه، ولما كان إحسانهما إلى الولد قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسان الولد إليهما كذلك { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ظ±لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } أي قد أوصيناك بهما وبخاصة إذا كبرا أو كبر أحدهما، وإنما خصَّ حالة الكِبَر لأنهما حينئذٍ أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما لضعفهما ومعنى { عِندَكَ } أي في كنفك وكفالتك { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ } أي لا تقل للوالدين أقل كلمة تظهر الضجر ككلمة أفٍّ ولا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولو بكلمة التأفف { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } أي لا تزجرهما بإغلاظٍ فيما لا يعجبك منهما { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } أي قل لهما قولاً حسناً ليناً طيباً بأدبٍ ووقار وتعظيم { وَظ±خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ظ±لذُّلِّ مِنَ ظ±لرَّحْمَةِ } أي ألنْ جانبك وتواضعْ لهما بتذلّل وخضوع من فرط رحمتك وعطفك عليهما { وَقُل رَّبِّ ظ±رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } أي أدع لهما بالرحمة وقل في دعائك يا رب ارحم والديَّ برحمتك الواسعة كما أحسنا إليَّ في تربيتهما حالة الصغر { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } أي ربكم أيها الناس أعلم بما في نفوسكم من إرادة البر أو العقوق { إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً } أي إن تكونوا قاصدين للبِرّ والصلاح دون العقوق والفساد فإنه جلَّ وعلا يتجاوز عن سيئاتكم ويغفر للأوابين وهم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين قال الرازي: والمقصود من هذه الآية أن الأولى لما دلَّت على وجوب تعظيم الوالدين ثم إن الولد قد يظهر منه ما يخلُّ بتعظيمهما فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلَّة البشرية كانت في محل الغفران، وبمناسبة الإِحسان إلى الوالدين يأمر تعالى بالإِحسان إلى الأقارب والضعفاء والمساكين { وَآتِ ذَا ظ±لْقُرْبَىظ° حَقَّهُ } أي أعط كلَّ من له قرابة بك حقَّه من البر والإِحسان { وَظ±لْمِسْكِينَ وَظ±بْنَ ظ±لسَّبِيلِ } أي وأعط المسكين المحتاج والغريبَ المنقطع في سفره حقَّه أيضاً { وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } أي لا تنفق مالكَ في غير طاعة الله فتكون مبذّراً، والتبذير الإِنفاق في غير حق قال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كلَّه في الحق لم يكن مبذّراً، ولو أنفق مُدّاً في غير حق كان مبذّراً وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق والفساد { إِنَّ ظ±لْمُبَذِّرِينَ كَانُوغ¤اْ إِخْوَانَ ظ±لشَّيَاطِينِ } هذا تعليل للنهي وهو غاية في الذم والتقبيح أي إن المبذرين كانوا أمثال الشياطين وأشباههم في الإِفساد، لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر والمعصية فهم أمثالهم { وَكَانَ ظ±لشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً } أي مبالغاً في كفران نعمة الله لا يؤدي حقَّ النعمة كذلك إخوانه المبذرون لا يؤدون حق النعمة، وحقُّها أن ينفقوها في الطاعات والحقوق غير متجاوزين ولا مبذرين { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ظ±بْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } أي إن أعرضتَ عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما تعطيهم فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدْهم وعداً جميلاً { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىظ° عُنُقِكَ } تمثيلٌ للبخل اي لا تكنْ بخيلاً منوعاً لا تعطي أحداً شيئاً كمن حبست يده عن الإِنفاق وشدَّت إلى عنقه { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ظ±لْبَسْطِ } تمثيل للتبذير أي ولا تتوسع في الإِنفاق توسعاً مفرطاً بحيث لا يبقى في يدك شيء، والغرض من الآية لا تكن بخيلاً ولا مسرفاً { فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً } أي فتصير مذموماً من الخَلْق والخالق، منقطعاً من المال كمن انقطع في سفره بانقطاع مطيته { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ظ±لرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ } أي يوسّع الرزق على من يشاء ويضيِّق على من يشاء، وهو القابض، الباسط المتصرف في خلقه، بما يشاء حسب الحكمة { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً } أي إنه عالم بمصالح العباد، والتفاوتُ في الأرزاق ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية المصالح فهو تعالى يعمل من مصالحهم ما يخفى عليهم { وَلاَ تَقْتُلُوغ¤اْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } أي لا تُقدموا على قتل أولادكم مخافة الفقر { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } أي رزقُهم علينا لا عليكم فنحن نرزقهم ونرزقكم فلا تخافوا الفقر بسببهم { إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } أي قتلُهم ذنبٌ عظيم وجرمٌ خطير قال المفسرون: كان أهل الجاهلية يئدون البنات مخافة الفقر أو العار فنهاهم الله عن ذلك وضمن أرزاقهم { وَلاَ تَقْرَبُواْ ظ±لزِّنَىظ° } أي لا تدنوا من الزنى وهو أبلغ من " لا تزنوا " لأنه يفيد النهي عن مقدمات الزنى كاللَّمس، والقُبلة، والنظرة، والغمز وغير ذلك مما يجرُّ إلى الزنى فالنهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } أي إن الزنى كان فعلة قبيحة متناهية في القبح { وَسَآءَ سَبِيلاً } أي ساء طريقاً موصلاً إلى جهنم { وَلاَ تَقْتُلُواْ ظ±لنَّفْسَ ظ±لَّتِي حَرَّمَ ظ±للَّهُ إِلاَّ بِظ±لحَقِّ } أي لا تقتلوا نفساً حرَّم الله قتلها بغير حقٍ شرعي موجبٍ للقتل كالمرتد، والقاتل عمداً، والزاني المحصن { وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً } أي ومن قُتل ظلماً بغير حقٍ يوجب قتله فقد جعلنا لوارثه سلطةً على القاتل بالقصاص منه، أو أخذ الدية، أو العفو { فَلاَ يُسْرِف فِّي ظ±لْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } أي فلا يتجاوز الحدَّ المشروع بأن يقتل غير القاتل أو يُمثّل به أو يقتل اثنين بواحد كما كان أهل الجاهلية يفعلون، فحسبُه أن الله قد نصره على خصمه فليكن عادلاً في قصاصه { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ظ±لْيَتِيمِ إِلاَّ بِظ±لَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالطريقة التي هي أحسن وهي حفظه واستثماره { حَتَّىظ° يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أي حتى يبلغ اليتيم سن الرشد ويحسن التصرف في ماله { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ظ±لْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } أي وفّوا بالعهود سواءً كانت مع الله أو مع الناس لأنكم تُسألون عنها يوم القيامة { وَأَوْفُوا ظ±لْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ } أي أتموا الكيل إذا كلتم لغيركم من غير تطفيفٍ ولا بَخْس { وَزِنُواْ بِظ±لقِسْطَاسِ ظ±لْمُسْتَقِيمِ } أي زنوا بالميزان العدل السويّ بلا احتيالٍ ولا خديعة { ذظ°لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } أي وفاء الكيل وإقامة الوزن خيرٌ في الدنيا وأحسن مآلاً في الآخرة { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي لا تتَّبعْ ما لا تعلم ولا يَعْنيك بل تثبَّتْ من كل خبر، قال قتادة: لا تقل رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله { إِنَّ ظ±لسَّمْعَ وَظ±لْبَصَرَ وَظ±لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـظ°ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } أي إن الإنسان يُسأل يوم القيامة عن حواسه: عن سمعه، وبصره، وقلبه وعما اكتسبته جوارحه { وَلاَ تَمْشِ فِي ظ±لأَرْضِ مَرَحاً } أي لا تمش في الأرض مختالاً مشية المعجب المتكبر { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ظ±لأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ظ±لْجِبَالَ طُولاً } هذا تعليل للنهي عن التكبر والمعنى أنك أيها الإِنسان ضئيل هزيل لا يليق بك التكبر؟ كيف تتكبر على الأرض ولن تجعل فيها خرقاً أو شقاً؟ وكيف تتطاول وتتعظَّمْ على الجبال ولن تبلغها طولاً؟ فأنت أحقر وأضعف من كل واحدٍ من الجماديْن فكيف تتكبر وتتعالى وتختال وأنت أضعف من الأرض والجبال؟ وفي هذا تهكم وتقريع للمتكبرين { كُلُّ ذظ°لِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } أي كل ذلك المذكور الذي نهى الله عنه كان عمله قبيحاً ومحرماً عند الله تعالى { ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىظ° إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ظ±لْحِكْمَةِ } أي ذلك الذي تقدم من الآداب والقصص والأحكام بعضُ الذي أوحاه إليك ربك يا محمد من المواعظ البليغة، والحِكَم الفريدة { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ظ±للَّهِ إِلَـظ°هاً آخَرَ فَتُلْقَىظ° فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً } أي لا تشرك مع الله غيره من وثنٍ أو بشر فتلقى في جهنم ملوماً تلوم نفسك ويلومك اللهُ والخلق مطروداً مبعداً من كل خير قال الصاوي: ختم به الأحكام كما ابتدأها إشارةً إلى أن التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاها، وهو رأس الأشياء وأساسُها، والأعمالُ بدونه باطلةٌ لا تفيد شيئاً { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِظ±لْبَنِينَ وَظ±تَّخَذَ مِنَ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ إِنَاثاً } خطابٌ على وجه التوبيخ للعرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله والمعنى أفخصكم ربكم وأخلصكم بالذكور واختار لنفسه - على زعمكم - البنات؟ كيف يجعل لكم الأعلى من النسل ويختار لنفسه الأدنى! { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً } أي إنكم لتقولون قولاً عظيماً في شناعته وبشاعته حيث تنسبون إليه البنات وتجعلون لله ما تكرهون { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ } أي ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن العظيم الأمثال والمواعظ، والوعد والوعيد، ليتذكروا بما فيه من الحجج النيِّرة والبراهين الساطعة، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والضلال { وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } أي وما يزيدهم هذا البيان والتذكير إلا تباعداً عن الحق، وغفلةً عن النظر والاعتبار { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىظ° ذِي ظ±لْعَرْشِ سَبِيلاً } أي لو فرضنا أن مع الله آلهة أخرى كما يزعم هؤلاء المشركون إذاً لطلبوا طريقاً إلى مغالبة ذي العزة والجلال ليسلبوا ملكه كما يفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىظ° عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً } أي تنزَّه تعالى وتقدَّس عما يقول أولئك الظالمون، وتعالى ربنا عما نسبوه إليه من الزور والبهتان تعالياً كبيراً، فإن مثل هذه الفِرية مما يتنزّه عنه مقامه الأسمى قال الشهاب: وذكر العلُوَّ بعد عنوانه بـ { ذِي ظ±لْعَرْشِ } في أعلى مراتب البلاغة لأنه المناسب للعظمة والجلال { تُسَبِّحُ لَهُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تُ ظ±لسَّبْعُ وَظ±لأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } أي تسبح له الكائنات، وتنزهه وتقدسه الأرض والسماوات، ومن فيهن من المخلوقات { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } أي وما من شيء في هذا الوجود إلا ناطق بعظمة الله، شاهد بوحدانيته جلَّ وعلا، السماواتُ تسبّح الله في زرقتها، والحقولُ في خضرتها، والبساتينُ في نضرتها، والأشجار في حفيفها، والمياهُ في خريرها، والطيورُ في تغريدها، والشمسُ في شروقها وغروبها، والسحبُ في إمطارها، والكل شاهد بالوحدانية لله. وفي كل شيءٍ له آيةٌ
***
تدلُّ على أنه واحدُ
{ وَلَـظ°كِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أي ولكنْ لا تفهمون تسبيح هذه الأشياء لأنها ليست بلغاتكم { إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } أي إنه تعالى حليم بالعباد لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، غفورٌ لمن تاب وأناب، ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيزٍ مقتدر { وَإِذَا قَرَأْتَ ظ±لْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً } أي وإِذا قرأت يا محمد القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدّقون بالآخرة جعلنا بينك وبينهم حجاباً خفياً يحجب عنهم فهم القرآن وإِدراك أسراره وحِكمه { وَجَعَلْنَا عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } أي وجعلنا على قلوب هؤلاء الكفار أغطيةً لئلا يفهموا القرآن { وَفِيغ¤ آذَانِهِمْ وَقْراً } أي صمماً يمنعهم من استماعه { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ظ±لْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىظ° أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } أي وإذا وحدَّت الله وأنت تتلو القرآن فرَّ المشركون من ذلك هرباً من استماع التوحيد { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } أي نحن أعلم بالغاية التي يستمعون من أجلها للقرآن وهي الاستهزاء والسخرية قال المفسرون: كان المشركون يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم مظهرين الاستماع وفي الواقع قاصدين الاستهزاء فنزلت الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديداً للمشركين { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىظ° } أي حين يستمعون إلى قراءتك يا محمد ثم يتناجون ويتحدثون بينهم سراً { إِذْ يَقُولُ ظ±لظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } أي حين يقول أولئك الفجرة ما تتبعون إلا رجلاً سُحر فجُنَّ فاختلط كلامه { ظ±نْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ظ±لأَمْثَالَ فَضَلُّواْ } أي انظر يا محمد وتعجَّبْ كيف يقولون تارة عنك إنك ساحر، وتارة إنك شاعر، وتارة إنك مجنون! وقد ضلوا بهذا البهتان والزور { فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } أي لا يجدون طريقاً إلى الهدى والحق المبين.

البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1- الاستعارة المكنية { وَظ±خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ظ±لذُّلِّ } شبَّه الذل بطائر له جناح وحذف الطائر ورمز له بشيء من لوازمه وهو الجناح على سبيل الاستعارة المكنية.

2- الاستعارة التمثيلية { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىظ° عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ظ±لْبَسْطِ } مثَّل للبخيل بالذي حبست يده عن الإِعطاء وشدت إلى عنقه بحيث لا يقدر على مدها، وشبَّه السرف ببسط الكف بحيث لا تحفظ شيئاً.

3- اللف والنشر المرتب { فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً } عاد لفظ { مَلُوماً } إلى البخل ولفظ { مَّحْسُوراً } إلى الإِسراف أي يلومك الناس إن بخلت، وتصبح مقطوعاً إن أسرفت.

4- الطباق بين { يَبْسُطُ... وَيَقْدِرُ }.

5- جناس الاشتقاق { قَرَأْتَ ظ±لْقُرآنَ }.

6- التوبيخ { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِظ±لْبَنِينَ }؟

7- الفرض والتقدير { لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ }.

لطيفَة:
نقف هنا أمام مثلٍ من دقائق التعبير القرآني العجيبة ففي هذه السورة قدَّم تعالى رزق الأبناء على رزق الآباء { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } وفي سورة الأنعام قدَّم رزق الآباء
{*نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ*}
[الأنعام: 151] والسرُّ في ذلك أن قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر بسببهم فقدَّم تعالى رزق الأولاد، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلاً فقدم رزق الآباء، فللّه در التنزيل ما أروع أسراره!
خادم المنتدى و صانعة النهضة شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
قديم 2017-01-05, 21:53   رقم المشاركة : ( 4 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الاسراء

[u]* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق [/u]

{ وَقَالُوغ¤اْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } * { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } * { أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ظ±لَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىظ° هُوَ قُلْ عَسَىظ° أَن يَكُونَ قَرِيباً } * { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } * { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ظ±لَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ظ±لشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ظ±لشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً } * { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } * { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ظ±لنَّبِيِّينَ عَلَىظ° بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } * { قُلِ ظ±دْعُواْ ظ±لَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ظ±لضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } * { أُولَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىظ° رَبِّهِمُ ظ±لْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } * { وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ظ±لْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذظ°لِك فِي ظ±لْكِتَابِ مَسْطُوراً } * { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ظ±لأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ظ±لنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً } * { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِظ±لنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ظ±لرُّءْيَا ظ±لَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَظ±لشَّجَرَةَ ظ±لْمَلْعُونَةَ فِي ظ±لقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً } * { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاغ¤ئِكَةِ ظ±سْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً } * { قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىظ° يَوْمِ ظ±لْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } * { قَالَ ظ±ذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً } * { وَظ±سْتَفْزِزْ مَنِ ظ±سْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ظ±لأَمْوَالِ وَظ±لأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ظ±لشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } * { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىظ° بِرَبِّكَ وَكِيلاً } * { رَّبُّكُمُ ظ±لَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ظ±لْفُلْكَ فِي ظ±لْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } * { وَإِذَا مَسَّكُمُ ظ±لْضُّرُّ فِي ظ±لْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ظ±لْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ظ±لإِنْسَانُ كَفُوراً } * { أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ظ±لْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } * { أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىظ° فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ظ±لرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً }


المنَاسَبَة:
لما ذكر تعالى موقف المشركين من القرآن العظيم، وذكر تعاميهم عن فهم آياته البينات، أردفه بذكر شبهاتهم في إنكار البعث والنشور وكرَّ عليها بالإِبطال والتفنيد، ثم ذكر قصة آدم وإبليس للعظة والاعتبار، وأعقبها بذكر نعمه العظيمة على العباد ثم بالوعيد والتهديد إن أصرُّوا على الكفر والجحود.

اللغَة:
{ رُفَاتاً } الرُّفات: ما تكسِّر وبَلِيَ من كل شيء كالفُتات والحُطام والرُّضاض { يُنْغِضُونَ } قال الفراء: يقال أنغض فلانٌ رأسه إذا حرّكه إلى فوق وأسفل كالمتعجب من الشيء قال الراجز: " أَنْغَض نحوي رأسه وأقنعا " { يَنزَغُ } يفسد ويهيِّج الشر والنزغُ: الإِفسادُ والإِغراء { لأَحْتَنِكَنَّ } الاحتناك الأخذ بالكليَّةِ والاستئصال يقال: احتنك الجرادُ الزرعَ إذا ذهب به كلَّه { ظ±سْتَفْزِزْ } اخدعْ واستخفَّ يقال: أفزَّه الخوف واستفزّه إذا أزعجه واستخفَّه { وَأَجْلِبْ } أصل الإِجلاب السوقُ بجلبَةٍ من السائق وهو الصياح، والجَلَب والجَلَبَةُ الأصوات { وَرَجِلِكَ } الرَّجِلُ جمع راجل وهو الذي يمشي على قدميه { يُزْجِي } يسوق { حَاصِباً } الحاصب والحصباء هي الحَصَى الصغار { قَاصِفاً } القاصف ما يقصف الشيء أي يكسره والريح الشديدة التي تكسر بشدة من قصف الشيء يقصفه أي كسره بشدة، ورعد قاصف شديد الصوت { تَبِيعاً } طالباً يقال تابع وتبيع وهو النصير والمطالب.

سَبَبُ النّزول:
أ - عن ابن عباس " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن يُنحِّيَ عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: أن شئتَ أن تستأني بهم لعلنا نجتبي منهم، وإن شئتَ نعطيهم الذي سألوا فإن كفروا أُهلكوا، فقال: لا بل أستأني بهم " فنزلت { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ظ±لأَوَّلُونَ... } الآية.

ب - لما ذكر تعالى شجرة الزقوم في القرآن قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمداً يخوّفكم بشجرة الزقوم، ألستم تعلمون أن النار تُحرق الشجر؟ ومحمد يزعم أن النار تُنْبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم؟ هو التمر والزُّبد، يا جارية ابغينا تمراً وزُبداً، فجاءته به فقال: تزقّموا من هذا الذي يخوّفم به محمد فأنزل الله تعالى { وَظ±لشَّجَرَةَ ظ±لْمَلْعُونَةَ فِي ظ±لقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً }.

التفسِير:
{ وَقَالُوغ¤اْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً } استفهام تعجب وإنكار أي قال المشركون المكذبون بالبعث أئذا أصبحنا عظاماً نخرة، وذراتٍ متفتتة كالتراب { أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } أي هل سنُبعث ونُخْلق خلقاً جديداً بعد أن نبلى ونفنى؟ { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } أي قل لهم يا محمد لو كنتم حجارةً أو حديداً لقدر الله على بعثكم وإحيائكم فضلاً عن أن تكونوا عظاماً ورفاتاً فإن الله لا يعجزه شيء، فالحجارة والحديد أبعد عن الحياة وهي أصلب الأشياء ولو كانت أجسامكم منها لأعادها الله فكيف لا يقدر على إعادتكم إذا كنتم عظاماً ورفاتاً؟ { أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } أي أو كونوا خلقاً آخر أوغل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يصعب في نفوسكم تصوُّرُ الحياة فيه فسيبعثكم الله قال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون { فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا }؟ أي من الذي يردنا إلى الحياة بعد فنائنا { قُلِ ظ±لَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي قل لهم يعيدكم القادر العظيم الذي خلقكم وأنشأكم من العدم أول مرة { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىظ° هُوَ }؟ أي يحركون رءوسهم متعجبين مستهزئين ويقولون استنكاراً واستبعاداً متى يكون البعث والإِعادة؟ { قُلْ عَسَىظ° أَن يَكُونَ قَرِيباً } أي لعله يكون قريباً فإن كلَّ ما هو آتٍ قريب { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } أي سيكون بعثكم يوم الحشر الأكبر يوم يدعوكم الرب جل وعلا للاجتماع في المحشر فتجيبون لأمره، وتظنون لهوْل ما ترون أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا زمناً قليلاً { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ظ±لَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي قل لعبادي المؤمنين يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلمة الطيبة ويختاروا من الكلام ألطفه وأحسنه وينطقوا دائماً بالحسنى { إِنَّ ظ±لشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } أي إن الشيطان يُفسد ويُهيج بين الناس الشرَّ ويُشعل نار الفتنة بالكلمة الخشنة يُفلت بها اللسان { إِنَّ ظ±لشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً } أي ظاهر العداوة للإِنسان من قديم الزمان يتلمس سقَطَات لسانه ليُحْدث العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } أي ربكم أيها الناس أعلم بدخائل نفوسكم إن يشأ يرحمكم بالتوفيق للإِيمان، وإن يشأ يعذبكم بالإِماتة على الكفر والعصيان { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } أي وما جعلناك يا محمد حفيظاً على أعمال الكفار كفيلاً عنهم لتقسرهم على الإِيمان إنما أرسلناك نذيراً فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ } إنتقالٌ من الخصوص إلى العموم أي ربك جلَّ وعلا أعلمُ بعباده بأحوالهم ومقاديرهم فيخص بالنبوة من شاء من خلقه، وهو أعلم بالسعداء والأشقياء، والآية ردٌّ على المشركين حيث استبعدوا النبوة على رسول الله وقالوا: كيف يكون يتيم أبي طالب نبياً؟ وكيف يكون هؤلاء الفقراء الضعفاء أصحابه دون الأكابر والرؤساء؟ { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ظ±لنَّبِيِّينَ عَلَىظ° بَعْضٍ } أي فضلنا بعض الأنبياء على بعض حسب علمنا وحكمتنا وخصصناهم بمزايا فريدة، فاصطفينا إبراهيم بالخُلَّة، وموسى بالتكليم، وسليمان بالمُلْك العظيم، ومحمداً بالإِسراء والمعراج وجعلناه سيّد الأولين والآخرين، وكلُّ ذلك فعل الحكيم العليم الذي لا يصدر شيءٌ إلا عن حكمته { وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } أي وأنزلنا الزبور على داود المشتمل على الحكمةِ وفصلِ الخطاب { قُلِ ظ±دْعُواْ ظ±لَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ } أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دونه تعالى قال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيراً فقد كانوا يقولون إنهم يشفعون لنا عند الله { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ظ±لضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } أي فلا يستطيعون رفع البلاء عنكم ولا تحويله إلى غيركم { أُولَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىظ° رَبِّهِمُ ظ±لْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } أي أولئك الآلهة الذين يدعونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون القرب إلى الله، ويتوسلون إليه بالطاعة والعبادة، فكيف تعبدونهم معه؟ { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } أي يرجون بعبادتهم رحمته تعالى ويخافون عقابه ويتسابقون إلى رضاه { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } أي عذابه تعالى شديد ينبغي أن يُحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله { وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ظ±لْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً } أي ما من قريةٍ من القرى الكافرة التي عصتْ أمر الله وكذَّبتْ رسله إلا وسيهلكها الله إما بالاستئصال الكلي أو بالعذاب الشديد لأهلها { كَانَ ذظ°لِك فِي ظ±لْكِتَابِ مَسْطُوراً } أي كان ذلك حكماً مسطراً في اللوح المحفوظ لا يتغيَّر { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ظ±لأَوَّلُونَ } قال المفسرون: اقترح المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزاتٍ عظيمة منها أن يقلب لهم الصفا ذهباً، وأن يزيح عنهم الجبال فأخبره تعالى أنه إن أجابهم إلى ما طلبوا ثم لم يؤمنوا استحقوا عذاب الاستئصال، وقد اقتضَت حكمته تعالى إمهالهم لأنه علم أنَّ منهم من يؤمن وأن من أولادهم من يؤمن فلهذا السبب ما أجابهم إلى ما طلبوا أو المعنى ما منعنا من إرسال المعجزات والخوارق التي اقترحها قومك إلاّ تكذيبُ مَنْ سبقهم من الأمم حيث اقترحوا ثم كذبوا فأهلكهم الله ودمَّرهم { وَآتَيْنَا ثَمُودَ ظ±لنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا } أي وأعطينا قوم صالح الناقة آيةً بينة ومعجزةً ساطعة واضحة فكفروا بها وجحدوا بعد أن سألوها فأهلكهم الله { وَمَا نُرْسِلُ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً } أي وما نرسل بالآيات الكونية كالزلازل والرعد والخسوف والكسوف إلا تخويفاً للعباد من المعاصي قال قتادة: إن الله تعالى يخوّف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويرجعون { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِظ±لنَّاسِ } أي واذكر يا محمد حين أخبرناك أن الله أحاط بالناس علماً في الماضي والحاضر والمستقبل فهو تعالى لا يخفى عليه شيءٌ من أحوالهم وقد علم أنهم لن يؤمنوا ولو جئتهم بما طلبوا من الآيات والمعجزات { وَمَا جَعَلْنَا ظ±لرُّؤيَا ظ±لَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ } أي وما جعلنا الرؤية التي أريناكها عياناً ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء إلا امتحاناً وابتلاءً لأهل مكة حيث كذبوا وكفروا وارتد بعض الناس لما أخبرهم بها قال البخاري عن ابن عباس: هي رؤيا عينٍ أُريها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسريَ به وليست برؤيا منام { وَظ±لشَّجَرَةَ ظ±لْمَلْعُونَةَ فِي ظ±لقُرْآنِ } أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن وهي شجرة الزقوم إلا فتنةً أيضاً للناس قال ابن كثير: لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم كذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكماً: هاتوا لنا تمراً وزُبْداً وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقّموا فلا نعلم الزقوم غير هذا { وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً } أي ونخوّف هؤلاء المشركين بأنواع العذاب والآيات الزاجرة فما يزيدهم تخويفنا إلا تمادياً وغياً واستمراراً على الكفر والضلال، فماذا تنفع معهم الخوارق؟ ما زادتهم خارقة الإِسراء والمعراج، ولا خارقة التخويف بشجرة الزقوم إلا استهزاءً وإمعاناً في الضلال، ثم أَشار تعالى إلى أن هذا الطغيان سببه إغواء الشيطان ولهذا ذكر قصته عقب ذلك فقال { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاغ¤ئِكَةِ ظ±سْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ } أي أذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم فسجدوا كلهم إلا ابليس استكبر وأبى افتخاراً على آدم واحتقاراً له { قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً } استفهامٌ إنكاري أي أأسجد أنا العظيم الكبير لهذا الضعيف الحقير الذي خلقته من الطين؟ كيف يصح للعالي أن يسجد للداني؟ { قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } أي قال إبليس اللعين جراءةً على الربّ وكفراً به: أتُرى هذا المخلوق الذي فضَّلته عليَّ وجعلتَه أكرَم مني عندك؟ { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىظ° يَوْمِ ظ±لْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لئن أنظرتني وأبقيتني حياً إلى يوم القيامة لأستأصلنَّ ذريته بالإِغواء والإِضلال قال الطبري: أقسم عدوُّ الله فقال لربه: لئن أخرتَ إهلاكي إلى يوم القيامة لأستأصلنَّهم ولأستميلنَّهم وأضلنَّهم إلا قليلاً منهم { قَالَ ظ±ذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً } أي قال الرب جلَّ وعلا: إذهب فقد أنظرتُك وابذل جهدك فيهم فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جزاءك وجزاءهم نارُ جهنم جزاء كاملاً وافراً لا ينقص لكم منه شيء قال القرطبي: والأمر في { ظ±ذْهَبْ } أمرُ إهانة والمعنى اجهد جهدك فقد أنظرناك { وَظ±سْتَفْزِزْ مَنِ ظ±سْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } أي استخفف واستجهل وحرِّكْ من أردتَ أن تستفزَّه فتخدعه بدعائك إلى الفساد قال ابن عباس: صوتُه كلُّ داعٍ يدعو إلى معصية الله تعالى وقال مجاهد: صوته الغناء والمزامير واللهو { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } أي صِحْ عليهم بأعوانك وجنودك من كل راكبٍ وراجل قال الطبري: المعنى اجمع عليهم من ركبان جندك ومشاتهم من يصيح عليهم بالدعاء إلى طاعتك، والصرفِ عن طاعتي قال ابن عباس: خيلُه ورَجِله كلُّ راكبٍ وماشٍ في معصية الله تعالى وقال الزمخشري: الكلام واردٌ مورد التمثيل، مُثِّلَتْ حالُه في تسلطه على من يُغويه بفارسٍ مغوار أوقع على قومٍ فصوَّت بهم صوتاً يستفزهم عن أماكنهم، ويُقلقهم عن مراكزهم، وأجلبَ عليهم بجنده من خيَّالةٍ ورجَّالة حتى استأصلهم { وَشَارِكْهُمْ فِي ظ±لأَمْوَالِ وَظ±لأَوْلادِ } أي اجعل لنفسك شركة في أموالهم وأولادهم، أما الأموال فبكسبها من الحرام وإنفاقها في المعاصي، وأما الأولاد فبتحسين اختلاط الرجال بالنساء حتى يكثر الفجور ويكثر أولاد الزنى { وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ظ±لشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } أي عدْهم بالوعود المغرية الخادعة والأماني الكاذبة، كالوعد بشفاعة الأصنام، والوعد بالغِنى من المال الحرام، والوعد بالعفو والمغفرة وسَعَة رحمة الله، والوعد باللذة والسرور في ارتكاب الموبقات كقول الشاعر:
خذوا بنصيبٍ من سرورٍ ولذةٍ
***
فكلٌ وإن طال المدى يتصرَّم
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } أي إنَّ عبادي المخلصين ليس لك عليهم تسلطٌ بالإِغواء لأنهم في حفظي وأماني { وَكَفَىظ° بِرَبِّكَ وَكِيلاً } أي كفى بالله تعالى عاصماً وحافظاً لهم من كيدك وشرك، ثم ذكَّر تعالى العباد بإحسانه ونعمه عليهم وبآثار قدرته ووحدانيته فقال { رَّبُّكُمُ ظ±لَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ظ±لْفُلْكَ فِي ظ±لْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي ربكم أيها الناس هو الذي يُسيّر لكم السفن في البحر لتطلبوا من رزقه في أسفاركم وتجاراتكم { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } أي هو تعالى رحيم بالعباد ولهذا سهَّل لهم أسباب ذلك { وَإِذَا مَسَّكُمُ ظ±لْضُّرُّ فِي ظ±لْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } أي وإذا أصابتكم الشدة والكرب في البحر وخشيتم من الغَرَق ذهب عن خاطركم من كنتم تعبدونه من الآلهة ولم تجدوا غير الله مغيثاً يغيثكم، فالإِنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والوثن، والمَلك والفَلَك وإنما يتضرع إلى الله تعالى { فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ظ±لْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ } أي فلما نجاكم من الغرق وأخرجكم إلى البَرِّ أعرضتم عن الإِيمان والإِخلاص { وَكَانَ ظ±لإِنْسَانُ كَفُوراً } أي ومن طبيعة الإِنسان جحود نعم الرحمن، ثم خوَّفهم تعالى بقدرته العظيمة فقال { أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ظ±لْبَرِّ } أي أفأمنتم أيها الناس حين نجوتم من الغرق في البحر أن يخسف الله بكم الأرض فيخفيكم في باطنها؟ إنكم في قبضة الله في كل لحظة فكيف تأمنون بطش الله وانتقامه بزلزالٍ أو رجفةٍ أو بركان؟ { أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً } أي يمطركم بحجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } أي لا تجدوا من يقوم بأموركم ويحفظكم من عذابه تعالى { أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىظ° } أي يعيدكم في البحر مرةً أخرى { فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ظ±لرِّيحِ } أي يرسل عليكم وأنتم في البحر ريحاً شديدة مدمِّرة، لا تَمرُّ بشيءٍ إلا كسرته ودمَّرته { فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ } أي يغرقكم بسبب كفركم { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً } أي لا تجدوا من يأخذ لكم بالثأر منا أو يطالبنا بتبعة إغراقكم.

البَلاَغَة:
تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1- الاستفهام الإِنكاري { أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً } وتكرير الهمزة في { أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } لتأكيد النكير وكذلك تأكيده بإنَّ واللام للإِشارة إلى قوة الإِنكار.

2- التعجيز والإِهانة في الأمر { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً }.

3- الطباق بين { يَرْحَمْكُمْ... يُعَذِّبْكُمْ } وبين لفظ { ظ±لْبَرِّ... ظ±لْبَحْرِ }.

4- الإِيجاز بالحذف { وَلاَ تَحْوِيلاً } أي ولا تحويل الضر عنكم حُذف لدلالة ما سبق.

5- المقابلة اللطيفة بين الجملتين { يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } ، { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ }.

6- الإِسناد المجازي { وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِظ±لآيَاتِ } المنع محالٌ في حقه تعالى لأن الله لا يمنعه عن إرادته شيء فالمنع مجاز عن الترك أي ما كان سبب ترك إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين.

7- المجاز العقلي { ظ±لنَّاقَةَ مُبْصِرَةً } لما كانت الناقة سبباً في إبصار الحق والهدى نسب إليها الإِبصار ففيه مجاز عقلي علاقته السببية.

8- الاستعارة التمثيلية { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } مُثِّلَتْ حال الشيطان في تسلطه على من يغويه بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء لاستئصالهم.

9- التذييل { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } لأنه كالتعليل لما سبق من تسيير السفن وتسخيرها في البحر.

تنبيه:
الغالب في لفظ { ظ±لرُّؤيَا } أن تكون منامية وإذا كانت بالعين يقال { رؤية } بالتاء، وقوله تعالى { وَمَا جَعَلْنَا ظ±لرُّؤيَا ظ±لَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ } جاءت على غير الغالب لأن المراد بها الرؤية البصرية التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإِسراء والمعراج وقد تقدم قول ابن عباس: " هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به " ولو كانت رؤيا منام لما كانت فتنةً للناس ولما ارتد بعضهم عن الإسلام.
خادم المنتدى, Abderrahman1 و صانعة النهضة شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
قديم 2017-01-19, 21:53   رقم المشاركة : ( 5 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الاسراء

* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق

{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ظ±لْبَرِّ وَظ±لْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ظ±لطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىظ° كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } * { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـظ°ئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } * { وَمَن كَانَ فِي هَـظ°ذِهِ أَعْمَىظ° فَهُوَ فِي ظ±لآخِرَةِ أَعْمَىظ° وَأَضَلُّ سَبِيلاً } * { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ظ±لَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } * { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } * { إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ظ±لْحَيَاةِ وَضِعْفَ ظ±لْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً } * { وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ظ±لأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } * { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } * { أَقِمِ ظ±لصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ظ±لشَّمْسِ إِلَىظ° غَسَقِ ظ±لَّيلِ وَقُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } * { وَمِنَ ظ±لْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىظ° أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } * { وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَظ±جْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً } * { وَقُلْ جَآءَ ظ±لْحَقُّ وَزَهَقَ ظ±لْبَاطِلُ إِنَّ ظ±لْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } * { وَنُنَزِّلُ مِنَ ظ±لْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ظ±لظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً } * { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ظ±لإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ظ±لشَّرُّ كَانَ يَئُوساً } * { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىظ° شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىظ° سَبِيلاً } * { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لرُّوحِ قُلِ ظ±لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ظ±لْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } * { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } * { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً } * { قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنْسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } * { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىظ° أَكْثَرُ ظ±لنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً }

المنَاسَبَة:
لما ذكر تعالى ما امتنَّ به على الناس من تسيير السفن في البحر، ومن تنجيتهم من الغرق، تمّم ذكر المنَّة بما أنعم به على النوع الإِنساني من تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم على سائر المخلوقات، ثم ذكر أحوال الناس ودرجاتهم في الآخرة، ثم حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء المشركين.

اللغَة:

{ بِإِمَامِهِمْ } الإِمام في اللغة: كل من يأتم به غيره سواء كان على هدى أو ضلال ويطلق الإِمام على كتاب الأعمال لأن الإِنسان يكون تابعاً لكتاب أعماله يقوده إلى الجنة أو النار { فَتِيلاً } الفتيل: القشرة التي في شق النواة ويضرب مثلاً للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير { تَرْكَنُ } تميل { لَيَسْتَفِزُّونَكَ } الاستفزاز: الإِزعاج بسبب من الأسباب للحمل على الخروج من الوطن وغيره { تَحْوِيلاً } تغييراً وتبديلاً { لِدُلُوكِ } الدلوك: الغروب يقال دلكت الشمس أي غابت قال أبو عبيد وابن قتيبة: الدلوك الغروب وأنشد لذي الرمة:
مصابيحُ ليستْ باللواتي تقودها
***
نجومٌ ولا بالآفلات الدَّوَالكِ
وقال الأزهري: أصل الدلوك الميل يقال: مالت الشمس للزوال، ومالت للغروب { غَسَقِ } غسَقُ الليل: سواده وظلمته يقال: غسق الليل إذا اشتدت ظلمته { فَتَهَجَّدْ } التهجد: صلاة الليل بعد الاستيقاظ من النوم، والهجودُ: النوم، قال الشاعر:
أَلاَ طَرَقَتْنَا والرِّفَاقُ هُجُود
***
فباتَتْ بعَلاَّتِ النَّوَال تَجُود
{ زَهَقَ } زال وبطل { نَأَى } تباعد والنأي: البُعد { ظَهِيراً } مُعيناً ونَصيراً.

سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح فأنزل الله { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لرُّوحِ قُلِ ظ±لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي... } الآية.

التفسِير:
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } أي لقد شرفنا ذرية آدم على جميع المخلوقات بالعقل، والعلم، والنطق، وتسخير جميع ما في الكون لهم { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ظ±لْبَرِّ وَظ±لْبَحْرِ } أي وحملناهم على ظهور الدواب والسفن { وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ظ±لطَّيِّبَاتِ } أي من لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى وجعلنا رزق الحيوان التبن والعظام وغيرها { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىظ° كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } أي وفضلناهم على جميع من خلقنا من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } أي اذكر يوم الحشر حين ننادي كل إنسان بكتاب عمله ليسلَّم له وينال جزاءه، والإِمام الكتاب الذي سجل فيه عمل الإِنسان ويقوّيه
{*وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيغ¤ إِمَامٍ مُّبِينٍ*}
[يس: 12] قال ابن عباس: الإِمام ما عُمل وأُملي فكتب عليه، فمن بُعث متقياً لله جُعل كتابُه بيمينه فقرأه واستبشر { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } أي فمن أُعطي كتاب عمله بيمينه وهم السعداء أولو البصائر والنُّهى المتقون لله { فَأُوْلَـظ°ئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ } أي يقرءون حسناتهم بفرح واستبشار لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي ولا يُنقصون من أجور أعمالهم شيئاً ولو كان بمقدار الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة { وَمَن كَانَ فِي هَـظ°ذِهِ أَعْمَىظ° } أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب، لا يهتدي إلى الحق ولا إلى الخير { فَهُوَ فِي ظ±لآخِرَةِ أَعْمَىظ° وَأَضَلُّ سَبِيلاً } أي فهو في الآخرة أشدُّ عمىً وأشدُّ ضلالاً عن طريق السعادة والنجاة قال قتادة: من كان في هذه الدنيا أعمى عمًّا عايَنَ من نعم الله وخلقه وعجائبه، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أشد عمى وأضلُّ طريقاً { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ظ±لَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } أي وإن كان الحال والشأن أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك يا محمد من بعض الأوامر والنواهي { لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } أي لتأتي بغير ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه { وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحباً وصديقاً قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في دعوته منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرَّمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ } أي لولا أن ثبتاك على الحق بعصمتنا إياك { لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا { إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ظ±لْحَيَاةِ وَضِعْفَ ظ±لْمَمَاتِ } أي لو ركَنْتَ إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لأن الذنب من العظيم جرمٌ كبير يستحق مضاعفة العذاب، والغرضُ من الآية بيانُ فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلَّى عن عصمتِه لمالَ إليهم بعض الشيء و { لَوْلاَ } حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما يُنقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً } أي لا تجد من ينصرك منا أو يدفع عنك عذابنا { وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ظ±لأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا } أي وإن كاد المشركون بمكرهم وإِزعاجهم أن يخرجوك يا محمد من أرض مكة { وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك إلا زمناً يسيراً وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من أوطانهم قال قتادة: همَّ أهلُ مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ولكنَّ الله تعالى منعهم من إخراجه حتى أمره بالخروج { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } أي هذه عادة الله مع رسله في إهلاك كل أمةٍ أَخرجتْ رسولَها من بين أظهرهم { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } أي لن تجد لها تبديلاً أو تغييراً { أَقِمِ ظ±لصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ظ±لشَّمْسِ إِلَىظ° غَسَقِ ظ±لَّيلِ } أي حافظ يا محمد على الصلاة في أوقاتها من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل { وَقُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ } أي وأقم صلاة الفجر، وإنما عبَّر عنها بقرآن الفجر لأنه تطلب إطالة القراءة فيها { إِنَّ قُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } أي تشهده ملائكة الليل والنهار كما في الحديث
" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر.... " الحديث، قال المفسرون: في الآية الكريمة إشارة إلى الصلوات المفروضة، فدلوكُ الشمس زوالُها وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغَسَقُ الليل ظلمتُه وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر، فالآية رمزٌ إلى الصلوات الخمس { وَمِنَ ظ±لْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } أي وقم من الليل بعد النوم متهجداً بالقرآن فضيلةً وتطوعاً لك { عَسَىظ° أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } أي لعلَّ ربك يا محمد يقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام " الشفاعة العظمى " قال المفسرون: { عَسَىظ° } في كلام الله للتحقيق لأنه وعد كريم وهو لا يتخلف ولهذا قال ابن عباس: عسى من الله واجبة أي تفيد القطع { وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ } أي قل يا رب أدخلني قبري مُدْخل صدق أي إدخالاً حسناً { وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } أي أخرجني من قبري عند البعث إخراجاً حسناً هذا قول ابن عباس، وقال الحسن والضحاك: المراد دخوله المدينة المنورة، وخروجه من مكة المكرمة وذلك حين أخرجه المشركون بعد أن تآمروا على قتله صلوات الله وسلامه عليه { وَظ±جْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً } أي اجعل لي من عندك قوةً ومَنَعة تنصرني بها على أعدائك وتُعزُّ بها دينك، وقد استجاب الله دعاءه فنصره على الأعداء، وأعلا دينه على سائر الأديان { وَقُلْ جَآءَ ظ±لْحَقُّ وَزَهَقَ ظ±لْبَاطِلُ } أي سطع نور الحق وضياؤه وهو الإِسلام، وزهق الباطل وأنصاره وهو الكفر وعبادةُ الأصنام، فلا شرك ولا وثنية بعد إشراق نور الإِيمان { إِنَّ ظ±لْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } أي إن الباطل لا بقاء له ولا ثبوت لأنه يضمحل ويتلاشى، وإن كانت له صولةٌ وجولة فسرعان ما تزول كشعلة الهشيم ترتفع عالياً ثم تخبو سريعاً، روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: { جَآءَ ظ±لْحَقُّ وَزَهَقَ ظ±لْبَاطِلُ إِنَّ ظ±لْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } فما بقي منها صنمٌ إلا خرَّ لوجهه ثم أمر بها فكسرت " { وَنُنَزِّلُ مِنَ ظ±لْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } أي وننزّل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب من أمراض الجهل والضلال، ويُذهب صدأ النفس من الهوى والدَّنس، والشُّح والحسد، وما هو رحمة للمؤمنين بما فيه من الإِيمان والحكمة والخير المبين { وَلاَ يَزِيدُ ظ±لظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً } أي ولا يزيد هذا القرآن الكافرين به عند سماعه إلا هلاكاً ودماراً لأنهم لا يصدقون به فيزدادون كفراً وضلالاً { وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ظ±لإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أي وإذا أنعمنا على الإِنسان بأنواع النعم من صحةٍ، وآمنٍ، وغنىً أعرض عن طاعة الله وعبادته، وابتعد عن ربه غروراً وكِبْراً { وَإِذَا مَسَّهُ ظ±لشَّرُّ كَانَ يَئُوساً } أي وإذا أصابته الشدائد والمصائب أصبح يائساً قانطاً من رحمة الله، والآية تمثيلٌ لطغيان الإِنسان فإن أصابته النعم بطر وتكبَّر، وإن أصابته الشدة أيس وقنط كقوله

{*إِنَّ ظ±لإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ظ±لشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ظ±لْخَيْرُ مَنُوعاً*}
[المعارج: 19-21] { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىظ° شَاكِلَتِهِ } أي كل واحدٍ يعمل على نهجه وطريقته في الهدى والضلال، فإن كانت نفس الإِنسان مشرقةً صافية صدرت عنه أفعال كريمة فاضلة، وإن كانت نفسه فاجرةً كافرة صدرت عنه أفعال سيئةٌ شرّيرة { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىظ° سَبِيلاً } أي ربكم أعلم بمن اهتدى إلى طريق الصواب وبمن ضلَّ عنه وسيجزي كل عاملٍ بعمله { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لرُّوحِ قُلِ ظ±لرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } أي يسألك يا محمد الكفار عن الروح ما هي؟ وما حقيقتها؟ فقل لهم إنها من الأسرار الخفية التي لا يعلمها إلا ربُّ البرية { وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ظ±لْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } أي وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا شيئاً قليلاً لأن علمكم قليل بالنظر إلى علم الله { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي لو أردنا لمحونا هذا القرآن الذي هو مِنَّةُ الرحمن من صدرك يا محمد فإن ذلك في قدرتنا { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } أي لا تجد من يتوكل علينا باسترداده، وردّه إليك بعد ذهابه { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } أي لكنْ رحمةً من ربك تركناه محفوظاً في صدرك وصدر أصحابك { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً } أي فضل الله عليك عظيم حيث أنزل عليك القرآن، وأعطاك المقام المحمود، وجعلك خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين، والمقصود بالآية الامتنان على الرسول بالقرآن والتحذير له عن التفريط فيه، والخطاب له عليه السلام والمراد أمته { قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنْسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } أي لو اتفق واجتمع أرباب الفصاحة والبيان من الإِنس والجان وأرادوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما أطاقوا ذلك ولو تعاونوا وتساعدوا على ذلك جميعاً فإن هذا أمر لا يستطاع وليس بمقدور أحد { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } أي بيَّنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم بالحقَّ بالآياتِ والعِبَر، والترغيب والترهيب { فَأَبَىظ° أَكْثَرُ ظ±لنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً } أي ومع البراهين القائمة والحجج الواضحة أبى أكثر الناس إلا جحوداً للحق وتكذيباً لله ورسوله.

البَلاَغة:
تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1- الاستعارة { كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } الإِمام الذي يتقدم الناس في الصلاة وقد استعير هنا لكتاب الأعمال لأنه يرافق الإِنسان ويتقدمه يوم القيامة.

2- الاستعارة التمثيلية { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } يضرب مثلاً للقلة أي لا ينقصون من ثواب أجورهما ولا بمقدار الخيط الذي في شق النواة.

3- الطباق { ضِعْفَ ظ±لْحَيَاةِ وَضِعْفَ ظ±لْمَمَاتِ }.

4- المجاز المرسل { وَقُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ } أطلق الجزء على الكل أي قراءة الفجر والمراد بها الصلاة لأن القراءة جزء منها فالعلاقة الجزئية.

5- الإِظهار في مقام الإِضمار لمزيد الاهتمام والعناية { إِنَّ قُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } بعد قوله { وَقُرْآنَ ظ±لْفَجْرِ }.

6- التفصيل بعد الإِجمال { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ... وَمَن كَانَ فِي هَـظ°ذِهِ أَعْمَىظ° } بعد ذكر كتاب الأعمال.

7- المقابلة اللطيفة بين { وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ } { وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } وبين { جَآءَ ظ±لْحَقُّ } { وَزَهَقَ ظ±لْبَاطِلُ }.

8- إسناد الخير إلى الله والشر لغيره { أَنْعَمْنَا عَلَى ظ±لإنْسَانِ.... وَإِذَا مَسَّهُ ظ±لشَّرُّ } لتعليم الأدب مع الله تعالى.

لطيفَة:
ذكر أن عالماً ممن ينكر المجاز والاستعارة في القرآن الكريم جاء إلى شيخٍ فاضل عالم منكراً عليه دعوى المجاز - وكان ذلك السائل المنكر أعمى - فقال له الشيخ ما تقول في قوله تعالى { وَمَن كَانَ فِي هَـظ°ذِهِ أَعْمَىظ° فَهُوَ فِي ظ±لآخِرَةِ أَعْمَىظ° وَأَضَلُّ سَبِيلاً } هل المراد بالعمى الحقيقة وهو عمى البصر، أم المراد به المجاز وهو عمى البصيرة؟ فبهت السائل وانقطعت حجته.
خادم المنتدى و صانعة النهضة شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 10:54 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd