للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات العامة والشاملة > المنتدى الإسلامي > مدرسة القرآن والسنة > تفسير


شجرة الشكر2الشكر
  • 1 Post By أم سهام
  • 1 Post By أم سهام

إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2016-10-28, 10:41
الصورة الرمزية أم سهام
 
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أم سهام غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute
افتراضي تفسير سورة الحجر





[color="red"]* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق [/color]

{ الۤرَ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } * { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } * { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } * { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ } * { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } * { وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } * { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ } * { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } * { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } * { وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } * { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } * { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } * { لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } * { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } * { وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } * { إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } * { وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } * { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } * { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } * { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } * { وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ } * { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } * { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } * { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } * { فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } * { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } * { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } * { قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } * { قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } * { وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } * { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } * { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ } * { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } * { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } * { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } * { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } * { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } * { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } * { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ }

اللغَة:
{ رُّبَمَا } ربَّ للتقليل و { مَآ } نكره موصوفة أي رب شيء { لَّوْمَا } للتحضيض كلولا وهلاّ { شِيَعِ } جمع شيعة وهي الفرقة والطائفة من الناس { نَسْلُكُهُ } ندخله، والسَّلْك: إدخال الشيء في الشيء { يَعْرُجُونَ } عَرَج: صعد، والمعارج المصاعد { سُكِّرَتْ } سُدَّت ومنعت { بُرُوجاً } البروج: منازل الكواكب السيارة وأصله الظهور ومنه تبرج المرأة وهو إظهار زينتها { لَوَاقِحَ } جمع لاقح وهي الريح التي تحمل المطر، والتي لا تأتي بخير تسمى الريح العقيم، أو ملقّحة للشجر أي تحمل اللّقاح له { صَلْصَالٍ } طين يابس يسمع له صلصلة إذا يبس { حَمَإٍ } الحمأ: الطين الأسود { مَّسْنُونٍ } منتن متغير قال الفراء: هو المتغيّر وأصله من سننتُ الحجر إذا حككته به { ٱلسَّمُومِ } الريح الحارة القاتلة.

سَبَبُ النّزول:
عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ }.

التفسِير:
{ الۤرَ } إشارة إلى إعجاز القرآن أي هذا الكتاب العجيب المعجز كلام الله تعالى وهو منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية الألف واللام والراء { تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ } أي هذه آيات الكتاب، الكامل في الفصاحة والبيان، المتعالي عن الطاقة البشرية، { وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } أي قرآنٍ عظيم الشأن، واضحٍ بيّن، لا خلل فيه ولا اضطراب { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي ربما تمنى الكفار { لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } أي لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك عند معاينة أهوال الآخرة { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } أي دَعْهم يا محمد يأكلوا كما تأكل البهائم، ويستمتعوا بدنياهم الفانية { وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ } أي يشغلهم الأمل بطول الأجل، عن التفكر فيما ينجيهم من عذاب الله { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي عاقبة أمرهم إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهو وعيد وتهديد { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ } أي وما أهلكنا أهل قرية من القرى الظالمة التي كذبت رسل الله { إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ } أي إلا لها أجل محدود لإِهلاكها { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } أي لا يتقدم هلاك أمةٍ قبل مجيء أوانه { وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } أي ولا يتأخر عنهم قال ابن كثير: وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإِرشاد لهم إلى الإِقلاع عما هم عليه من العِناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك { وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ } قال كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم على جهة الاستهزاء والتهكم: يا من تزعم وتدعي أن القرآن نزل عليك { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } أي إنك حقاً لمجنون، أكّدوا الخبر بإنَّ واللام مبالغة في الاستخفاف والاستهزاء بمقامه الشريف عليه السلام { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } أي هلاّ جئتنا بالملائكة لتشهد لك بالرسالة إن كنت صادقاً في دعواك أنك رسول الله!! قال تعالى رداً عليهم { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ } أي ما ننزّل ملائكتنا إلا بالعذاب لمن أردنا إهلاكه { وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ } أي وفي هذه الحالة وعندئذٍ لا إمهال ولا تأجيل، والغرض أن عادة الله تعالى قد جرت في خلقه أنه لا ينزل الملائكة إلا لمن يريد إهلاكهم بعذاب الاستئصال، وهو لا يريد ذلك مع أمته صلى الله عليه وسلم لعلمه تعالى أنه يخرج من أصلابهم من يعبد الله، ففيه ردٌ عليهم فيما اقترحوا { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ } أي نحن بعظمة شأننا نزلنا عليك القرآن يا محمد { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } أي ونحن الحافظون لهذا القرآن، نصونه عن الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، قال المفسرون: تكفَّل الله بحفظ هذا القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان، ولا على التبديل والتغيير كما جرى في غيره من الكتب فإن حفظها موكولٌ إلى أهلها لقوله تعالى

{*بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ*}
[المائدة: 44] وانظر الفرق بين هذه الآية { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } حيث ضمن حفظه وبين الآية السابقة حيث وكل حفظه إليهم فبدَّلوا وغيَّروا { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ } أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً في طوائف وفرق الأمم الأولين { وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي وما جاءهم رسولٌ إلاّ سخروا منه واستهزءوا به، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى كما فعل بك هؤلاء المشركون فكذلك فُعل بمن قبلك من الرسل فلا تحزن { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي كذلك نسلك الباطل والضلال والاستهزاء بأنبياء الله في قلوب المجرمين، كما سلكناه وأدخلناه في قلوب أولئك المستهزئين { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ } أي لا يؤمنون بهذا القرآن وقد مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء من الهلاك والدمار؟ ثم بيَّن تعالى أن كفار مكة لا ينقصهم توافر براهين الإِيمان فهم معاندون مكابرون، وفي ضلالهم وعنادهم سائرون فقال { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } أي لو فرض أننا أصعدناهم إلى السماء، وفتحنا لهم باباً من أبوابها، فظلوا يصعدون فيه حتى شاهدوا الملائكة والملكوت { لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا } أي لقالوا - لفرط مكابرتهم وعنادهم - إنما سُدَّت أبصارنا وخُدعت بهذا الارتقاء والصعود { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } أي سحرنا محمد وخيَّل إلينا ذلك وما هو إلا سحر مبين قال الرازي: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه، وإِلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكّوا في تلك الرؤية، وبقوا مصرين على الكفر والعناد كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر، والقرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإِنس أن يأتوا بمثله، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً } أي جعلنا في السماء منازل تسير فيها الأفلاك والكواكب { وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } أي زيناها بالنجوم ليُسرَّ الناظر إليها { وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } أي حفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين مطرود من رحمة الله { إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } أي إلا من اختلس شيئاً من أخبار السماء فأدركه ولحقه شهاب ثاقب فأحرقه { وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } أي بسطناها ووسعناها وجعلنا فيها جبالاً ثوابت { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } أي أنبتنا في الأرض من الزروع والثمار من كل شيءٍ موزونٍ بميزان الحكمة، بدقةٍ وإحكام وتقدير { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } أي ما تعيشون به من المطاعم والمشارب { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } أي وجعلنا لكم من العيال والمماليك والأنعام من لستم له برازقين، لأننا نخلق طعامهم وشرابهم لا أنتم { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } أي ما من شيء من أزراق الخلق والعباد ومنافعهم إلا عندنا خزائنه ومستودعاته { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي ولكن لا ننزله إلا على حسب حاجة الخلق إليه، وعلى حسب المصالح، كما نشاء ونريد { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } أي تلقِّح السحاب فيدر ماءً، وتلقّح الشجر فيتفتَّح عن أوراقه وأكمامه، فالريح كالفحل للسحاب والشجر { فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } أي فأنزلنا من السحاب ماءً عذباً، جعلناه لسقياكم ولشرب أرضكم ومواشيكم { وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } أي لستم بقادرين على خزنه بل نحن بقدرتنا نحفظه لكم في العيون والآبار والأنهار، ولو شئنا لجعلناه غائراً في الأرض فهلكتم عطشاً كقوله

{*قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ*}
[الملك: 30] { وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ } أي الحياة والموت بيدنا ونحن الباقون بعد فناء الخلق، نرث الأرض ومن عليها وإلينا يُرجعون { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ } أي أحطنا علماً بالخلق أجمعين، الأموات منهم والأحياء قال ابن عباس: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة وقال مجاهد: المستقدمون: الأمم السابقة، والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والغرضُ أنه تعالى محيطٌ علمه بمن تقدم وبمن تأخر، لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } أي وإن ربك يا محمد هو يجمعهم للحساب والجزاء { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } أي حكيمٌ في صنعه عليمٌ بخلقه، ولما ذكر تعالى الموت والفناء، والبعث والجزاء، نبّههم إلى مبدأ أصلهم وتكوينهم من نفسٍ واحدة، ليشير إلى أن القادر على الإِحياء قادر على الإِفناء والإِعادة، وذكّرهم بعداوة إبليس لأبيهم آدم ليحذروه فقال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ } أي خلقنا آدم من طين يابسٍ يسمع له صَلْصلة أي صوت إذا نُقر { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } أي من طين أسود متغيّر { وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } أي ومن قبل آدم خلقنا الجانَّ - أي الشياطين ورئيسهم إبليس - من نار السموم وهي النار الحارة الشديدة التي تنفذ في المسامّ فتقتل بِحرها قال المفسرون: عني بالجانِّ هنا " إبليس " أبا الجنِّ لأن منه تناسلت الجن فهو أصل لها كما أن آدم أصل للإِنس { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } أي اذكر يا محمد وقت قول ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين يابسٍ، أسود متغيّر قال ابن كثير: فيه تنويهٌ بذكر آدم في الملائكة قبل خلقه له، وتشريفه إيّاه بأمر الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس عدوه عن السجود له حسداً وكفراً { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي سويت خَلْقه وصورته، وجعلته إنساناً كاملاً معتدل الأعضاء { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي } أي أفضتُ عليه من الروح التي هي خلقٌ من خلقي فصار بشراً حياً { فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } أي خرو له ساجدين، سجود تحيةٍ وتكريم لا سجود عبادة، قال المفسرون: وإنما أضاف الروح إليه تعالى على سبيل التشريف والتكريم كقوله " بيت الله، ناقة الله! شهر الله " وهي من إضافة الملك إلى المالك، والصنعة إلى الصانع { فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } أي سجد لآدم جميع الملائكة لم يمتنع منهم أحد { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } الاستثناء منقطع لأن إبليس خلقٌ آخر غير الملائكة، فهو من نار وهم من نور، وهم لا يعصون الله ما أمرهم وهو أبى وعصى، فليس هو من الملائكة بيقين، ولكنه كان بين صفوفهم فتوجه إليه الخطاب والمعنى: سجد جميع الملائكة لكنْ إبليس امتنع من السجود بعد أن صدر له الأمر الإِلهي { قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ } أي ما المانع لك من السجود؟ وأيُّ داعٍ دعا بك إلى الإِباء والامتناع؟ وهو استفهام تبكيتٍ وتوبيخ { قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } أي قال إبليس: لا ينبغي ولا يليق لمثلي أن يسجد لآدم وهو مخلوق من طينٍ يابسٍ متغير، فهو من طينٍ وأنا من نار فكيف يسجد العظيم للحقير، والفاضل للمفضول؟ رأى عدوُّ الله نفسه أكبر من أن يسجد لآدم، ومنعه كبره وحسده عن امتثال أمر الله { قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } أي اخرجْ من السماوات فإنك مطرودٌ من رحمتي { وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } أي وإن عليك لعنتي إلى يوم الجزاء والعقوبة { قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي قال اللعين: أمهلني وأخرني إلى يوم البعث { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } أي قال له الله: إنك من المؤجلين إلى حين موتِ الخلائق قال القرطبي: أراد بسؤاله الإِنظار - إلى يوم يبعثون - ألا يموت، لأن البعث لا موتَ بعده، فأجابه المولى بالإِنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم موت الخلائق، فيموت إبليس ثم يُبعث { قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } أي بسبب إغوائك وإضلالك لي { لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } أي لأزيننَّ لذرية آدم المعاصي والآثام { وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي ولأظلَّنهم عن طريق الهدى أجمعين { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي إلا من استخلصته من عبادك لطاعتك ومرضاتك فلا قدرة لي على إِغوائه { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } أي قال تعالى: هذا طريق مستقيم واضح، وسنة أزليةٌ لا تتخلف وهي { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } أي إن عبادي المؤمنين لا قوة لك على إضلالهم { إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } استثناء منقطع لأن الغاوين ليسوا من عباد الله المخلصين والمعنى لكنْ من غوى وضل من الكافرين فلك عليهم تسلط، لأن الشيطان إنما يتسلط على الشاردين عن الله، كما يتسلط الذئب على الشاردة من القطيع { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } أي موعد إبليس وأتباعه جميعاً { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } أي لجهنم سبعة أبواب يدخلون منها لكثرتهم وروي عن عليّ أنها أطباقٌ، طبقٌ فوق طبق وأنها دركاتٌ بعضها أشد من بعض { لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } أي لكل جماعة من أتباع إبليس بابٌ معينٌ معلوم، قال ابن كثير: كلٌ يدخل من بابٍ بحسب عمله، ويستقر في دَرَكٍ بقدر عمله.

البَلاَغَة:
تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1- المجاز المرسل في { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ } المراد أهلها وهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحالّ.

2- الاستعارة التخيليَّة في { عِندَنَا خَزَائِنُهُ } فهو تمثيل لكمال قدرته، شبَّه قدرته على كل شيء بالخزائن المودوعة فيها الأشياء، وإخراج كل شيء بحسب ما اقتضته حكمته على طريق الاستعارة.

3- الطباق بين { نُحْيِي... وَنُمِيتُ } وبين { ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ... ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ }.

4- جناس الاشتقاق في { خَزَائِنُهُ... وخَازِنِينَ }.

5- السجع الذي له وقع على السمع مثل { ٱلْمُجْرِمِينَ } ، { ٱلأَوَّلِينَ } ، { ٱلْمُنظَرِينَ } الخ.

لطيفَة:
ذكر أن رجلاً أراد أن يمتحن الأديان أيها أصح وأحسن؟ فعمد إلى التوراة والإِنجيل والقرآن - وكان خطاطاً - فنسخ من كل كتاب نسخة بخط جميل وزاد فيها ونقص، ثم عرض التوراة على علماء اليهود فقبلوها وتصفحوها وأكرموه بالمال، ثم عرض الإِنجيل الذي نسخه بيده على القسس فاشتروه بثمن كبير وأكرموه، ثم عرض نسخة القرآن على شيوخ المسلمين فنظروا فيه فلما رأوا فيه بعض الزيادة والنقص أمسكوا به فضربوه ثم رفعوا أمره إلى السلطان فحكم بقتله، فلما أراد قتله أشهر إسلامه وأخبرهم بقصته وأنه امتحن الأديان فعرف أن الإِسلام دين حق. انظر تفسير القرطبي 10/6.



خادم المنتدى شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
رد مع اقتباس
قديم 2016-11-03, 21:26   رقم المشاركة : ( 2 )
بروفســــــــور

الصورة الرمزية أم سهام

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20495
تـاريخ التسجيـل : Aug 2010
العــــــــمـــــــــر : 62
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــامــة : المغرب
المشاركـــــــات : 2,306 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 5180
قوة التـرشيــــح : أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute أم سهام has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

أم سهام غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الحجر

* تفسير صفوة التفاسير/ الصابوني (مـ 1930م -) مصنف و مدقق

{ إِنَّ ظ±لْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { ظ±دْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } * { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَظ°ناً عَلَىظ° سُرُرٍ مُّتَقَـظ°بِلِينَ } * { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } * { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ظ±لْغَفُورُ ظ±لرَّحِيمُ } * { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ظ±لْعَذَابُ ظ±لأَلِيمُ } * { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } * { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } * { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } * { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىظ° أَن مَّسَّنِيَ ظ±لْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } * { قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ظ±لْقَانِطِينَ } * { قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ظ±لضَّآلُّونَ } * { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ظ±لْمُرْسَلُونَ } * { قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىظ° قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } * { إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } * { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ظ±لْغَابِرِينَ } * { فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ظ±لْمُرْسَلُونَ } * { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } * { قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } * { وَآتَيْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } * { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ظ±لَّيلِ وَظ±تَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَظ±مْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } * { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ظ±لأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } * { وَجَآءَ أَهْلُ ظ±لْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } * { قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ } * { وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } * { قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ظ±لْعَالَمِينَ } * { قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } * { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } * { فَأَخَذَتْهُمُ ظ±لصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } * { فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } * { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } * { وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ظ±لأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ } * { فَظ±نتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } * { وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ظ±لحِجْرِ ظ±لْمُرْسَلِينَ } * { وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } * { وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ظ±لْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ } * { فَأَخَذَتْهُمُ ظ±لصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } * { فَمَآ أَغْنَىظ° عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } * { وَمَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِظ±لْحَقِّ وَإِنَّ ظ±لسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَظ±صْفَحِ ظ±لصَّفْحَ ظ±لْجَمِيلَ } * { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ظ±لْخَلاَّقُ ظ±لْعَلِيمُ } * { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ظ±لْمَثَانِي وَظ±لْقُرْآنَ ظ±لْعَظِيمَ } * { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىظ° مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَظ±خْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } * { وَقُلْ إِنِّيغ¤ أَنَا ظ±لنَّذِيرُ ظ±لْمُبِينُ } * { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ظ±لْمُقْتَسِمِينَ } * { ظ±لَّذِينَ جَعَلُواْ ظ±لْقُرْآنَ عِضِينَ } * { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } * { عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { فَظ±صْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ظ±لْمُشْرِكِينَ } * { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ظ±لْمُسْتَهْزِئِينَ } * { ظ±لَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ظ±للَّهِ إِلـظ°هاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } * { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } * { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ظ±لسَّاجِدِينَ } * { وَظ±عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىظ° يَأْتِيَكَ ظ±لْيَقِينُ }

المنَاسَبَة:
لما ذكر تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أعقبهم بذكر حال السعداء من أهل النعيم، ثم ذكر قصص بعض الرسل مع أقوامهم " لوط، وشعيب، وصالح " تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم في الصبر، ثم ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، وختم السورة ببشارته عليه السلام بإهلاك أعدائه المستهزئين.

اللغَة:

{ نَصَبٌ } تعب وإعياء { وَجِلُونَ } خائفون فزعون { ظ±لْغَابِرِينَ } الباقين في العذاب { ظ±لْقَانِطِينَ } القنوط: كمالُ اليأس { تَفْضَحُونِ } الفضيحةُ: أن يُظهر من أمره ما يلزمه به العارُ، يقال: فضحه الصبح إذا أظهره للناس قال الشاعر:
ولاح ضوءُ هلالٍ كاد يفضحنا
***
مثلُ القلامةِ قد قُصَّت من الظُّفُر
{ لَعَمْرُكَ } قسمٌ بحياة محمد صلى الله عليه وسلم أي وحياتك { سَكْرَتِهِمْ } السكرة: الغواية والضلالة { يَعْمَهُونَ } يترددون تحيراً أو يعمون عن الرشد. والعَمه للقلب مثل العمى للبصر { لِلْمُتَوَسِّمِينَ } التوسُّم من الوَسم وهي العلامة التي يستدل بها على المطلوب يقال: توسَّم فيه الخير إذا رأى فيه أثراً منه قال ابن رواحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إني توسَّمتُ فيك الخير أعرفه
***
والله يعلم أني ثابتُ البصر
وأصله التثبتُ والتفكر مثل التفرس وفي الحديث " اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " { ظ±لأَيْكَةِ } الشجرة الملتفَّة وجمعها أيْك { ظ±لحِجْرِ } اسم واد كانت تسكنه ثمود { عِضِينَ } أجزاءٌ متفرقة من التعضية وهي التجزئة والتفريق { ظ±لْيَقِينُ } الموت لأنه أمر متيقن.

سَبَبُ النّزول:
روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنةُ والنار؟ فشقَّ ذلك عليهم فنزلت { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ظ±لْغَفُورُ ظ±لرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ظ±لْعَذَابُ ظ±لأَلِيمُ } ".

التفسِير:
{ إِنَّ ظ±لْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } أي إن الذين اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة بالماء والسلسبيل والخمر والعسل { ظ±دْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } أي يقال لهم: أُدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال هذا النعيم { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } أي أزلنا ما في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء { إِخْوَاناً عَلَىظ° سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } أي حال كونهم إخوةً متحابين لا يكدّر صفوهم شيء، على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه قال مجاهد: لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض زيادةً في الانس والإِكرام، وقال ابن عباس: على سررٍ من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت والزبرجد { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } أي لا يصيبهم في الجنة إعياءٌ وتعب { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } أي لا يُخرجون منها ولا يُطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء والسرور { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ظ±لْغَفُورُ ظ±لرَّحِيمُ } أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب { وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ظ±لْعَذَابُ ظ±لأَلِيمُ } أي وأخبرهم أنَّ عذابي شديد لمن أصرَّ على المعاصي والذنوب قال أبو حيان: وجاء قوله { وَأَنَّ عَذَابِي } في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذّب المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإِهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمانٍ حسانٍ معهم جبريل { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً } أي حين دخلوا على إبراهيم فسلَّموا عليه { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي قال إبراهيم إنّا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق { قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىظ° أَن مَّسَّنِيَ ظ±لْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد { قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ظ±لْقَانِطِينَ } أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعدْه ولا تيأس من رحمة الله { قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ظ±لضَّآلُّونَ } استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإِيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام باعتماد العادة دون القدرة فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ظ±لْمُرْسَلُونَ } أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرامُ؟ { قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىظ° قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } أي أرسلنا ربنا إلى قومٍ مشركين ضالين لإِهلاكهم يعنون قوم لوط { إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } أي إلا أتباعَ لوط وأهلَه المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ظ±لْغَابِرِينَ } أي إلا امرأة لوط فقد قدَّر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين قال القرطبي: استثنى من آل لوطٍ امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك { فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ظ±لْمُرْسَلُونَ } أي فلما أتى رسلُ الله لوطاً عليه السلام { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ { قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي قالوا له بل نحن رسل الله، جئناك بما كان فيه قومك يشكُّون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به { وَآتَيْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ظ±لَّيلِ } أي سرْ بأهلك في طائفةٍ من الليل { وَظ±تَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ } أي كنْ من ورائهم وسرْ خلفهم لتطمئنَّ عليهم { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } أي لا يلتفتْ أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع { وَظ±مْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل قال ابن عباس: يعني الشام { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ظ±لأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ } أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم أن أولئك المجرمين سيُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ { مُّصْبِحِينَ } أي إذا دخل الصباح تمَّ هلاكهم واستئصالهم { وَجَآءَ أَهْلُ ظ±لْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوطٍ - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعاً في ارتكاب الفاحشة بهم، ظناً منهم أنهم أناسٌ أمثالهم قال المفسرون: أُخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوطٍ شباناً مرداً حساناً فأسرعوا فرحين يبشّر بعضهم بعضاً بأضياف لوط { قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ } أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم بسوء فتُلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم { وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } أي خافوا الله أن يحلَّ بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم بالمكروه { قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ظ±لْعَالَمِينَ } أي قالوا ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحدٍ من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ { قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } أي هؤلاء النساء فتزوجوهنَّ ولا تركنوا إلى الحرام إن كنتم تريدون قضاء الشهوة قال المفسرون: المراد بقوله { بَنَاتِي } بناتُ أمته لأن كل نبيٍّ يعتبر أباً لقومه { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسماً بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تكريماً له وتشريفاً قال ابن عباس: " ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرمَ على الله من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعتُ اللهَ أقسم بحياة أحدٍ غيره " { فَأَخَذَتْهُمُ ظ±لصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } أي أخذتهم صيحةُ العذاب المهلكة المدمرة وقت شروق الشمس { فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا } أي قلبناها بهم فجعلنا أعالي المنازل أسافلها قال المفسرون: حمل جبريل عليه السلام قريتهم واقتلعها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } أي أنزلنا عليهم حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } أي فيما حلَّ بهم من الدمار والعذاب لدلالات وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه، لبطريقٍ ثابتٍ لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } أي لعبرةً للمصدّقين { وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ظ±لأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ } أي وإنه الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير المتلف - لظالمين بتكذيبهم شعيباً، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان { فَظ±نتَقَمْنَا مِنْهُمْ } أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظُلَّة قال المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله عليهم سحابة كالظلة، فالتجئوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها ناراً فأحرقتهم جميعاً { وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة؟ { وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ظ±لحِجْرِ ظ±لْمُرْسَلِينَ } هذه هي القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام أي كذبت ثمود نبيَّهم صالحاً - والحجرُ وادٍ بين المدينة والشام وآثاره باقية يمرُّ عليها المسافرون - قال البيضاوي: ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال { ظ±لْمُرْسَلِينَ } { وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتَّعظون قال ابن عباس: كان في الناقة آيات: خروجُها من الصخرة، ودنوُّ ولادتها عند خروجها، وعظمُ خَلْقها فلم تشبهها ناقة، وكثرةُ لبنها حتى كان يكفيهم جميعاً فلم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها { وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ظ±لْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ } أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتاً آمنين يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله { فَأَخَذَتْهُمُ ظ±لصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا { فَمَآ أَغْنَىظ° عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي ما دفع عنهم عذابَ الله ما كانوا يشيدونه من القلاع والحصون { وَمَا خَلَقْنَا ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِظ±لْحَقِّ } أي وما خلقنا الخلائق كلَّها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقاً ملتبساً بالحق، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد { وَإِنَّ ظ±لسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَظ±صْفَحِ ظ±لصَّفْحَ ظ±لْجَمِيلَ } أي وإن القيامة لآتيةٌ لا محالة فيُجازى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ظ±لْخَلاَّقُ ظ±لْعَلِيمُ } أي الخالق لكل شيء، العليمُ بأحوال العباد { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ظ±لْمَثَانِي } أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات هي الفاتحة لأنها تثنّى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث
" الحمدُ للهِ رب العالمين هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه " وقيل: هي السور السبع الطوال، والأول أرجح { وَظ±لْقُرْآنَ ظ±لْعَظِيمَ } أي وآتيناك القرآن العظيم الجامع لكمالات الكتب السماوية { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىظ° مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } أي لا تنظر إلى ما متعنا به بعض هؤلاء الكفار، فإن الذي أعطيناك أعظم منها وأشرف وأكرم، وكفى بإِنزال القرآن عليك نعمة { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي لا تحزن لعدم إيمانهم { وَظ±خْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي تواضعْ لمن آمن بك من المؤمنين وضعفائهم { وَقُلْ إِنِّيغ¤ أَنَا ظ±لنَّذِيرُ ظ±لْمُبِينُ } أي قل لهم يا محمد أنا المنذر من عذاب الله، الواضح البيِّن في الإِنذار لمن عصى أمر الجبار { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ظ±لْمُقْتَسِمِينَ } الكاف للتشبيه والمعنى أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فانقسموا إلى قسمين { ظ±لَّذِينَ جَعَلُواْ ظ±لْقُرْآنَ عِضِينَ } أي جعلوا القرآن أجزاءٌ متفرقة وقالوا فيه أقوالاً مختلفة قال ابن عباس: آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم له بقولهم سحر، وشعر، وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب مثل فعل كفار مكة { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي فأقسمُ بربك يا محمد لنسألنَّ الخلائق أجمعين عما كانوا يعملون في الدنيا { فَظ±صْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ظ±لْمُشْرِكِينَ } أي فاجهر بتبليغ أمر ربك، ولا تلتفت إلى ما يقول المشركون { إِنَّا كَفَيْنَاكَ ظ±لْمُسْتَهْزِئِينَ } أي كفيناك شرَّ أعدائك المستهزئين بإهلاكنا إياهم وكانوا خمسة من صناديد قريش { ظ±لَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ظ±للَّهِ إِلـظ°هاً آخَرَ } أي الذين أشركوا مع الله غيره من الأوثان والأصنام { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } أي يضيق صدرك بالاستهزاء والتكذيب { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ظ±لسَّاجِدِينَ } أي فافزع فيما نالك من مكروه إلى التسبيح والصلاة والإِكثار من ذكر الله { وَظ±عْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىظ° يَأْتِيَكَ ظ±لْيَقِينُ } أي اعبد ربك يا محمد حتى يأتيك الموت، سمي يقيناً لأنه متيقن الوقوع والنزول.

البَلاَغَة:[/u]
تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:

1- الإِيجاز بالحذف في { ظ±دْخُلُوهَا بِسَلامٍ } أي يقال لهم أدخلوها.

2- المقابلة اللطيفة في { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ظ±لْغَفُورُ ظ±لرَّحِيمُ } مع الآية بعدها { وَأَنَّ عَذَابِي } فقد قابل بين العذاب والمغفرة وبين الرحمة الواسعة والعذاب الأليم، وهذا من المحسنات البديعية.

3- الكناية في { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ } كنَّى به عن عذاب الاستئصال.

4- المجاز في { قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ظ±لْغَابِرِينَ } أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مجازاً وهو لله وحده وذلك لما لهم من القرب والاختصاص لأنهم رسل الله أُرسلوا بأمره تعالى.

5- الجناس الناقص في { ظ±لصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ } وجناس الاشتقاق في { فَظ±صْفَحِ ظ±لصَّفْحَ }.

6- صيغة المبالغة في { ظ±لْغَفُورُ ظ±لرَّحِيمُ } وفي { ظ±لْخَلاَّقُ ظ±لْعَلِيمُ }.

7- الطباق في { عَالِيَهَا سَافِلَهَا }.

8- السجع بلا تكلف في مواطن عديدة مثل { آمِنِينَ، مُّصْبِحِينَ، مُعْرِضِينَ }.

9- عطف العام على الخاص في { سَبْعاً مِّنَ ظ±لْمَثَانِي وَظ±لْقُرْآنَ ظ±لْعَظِيمَ }.

10- الاستعارة التبعية في { وَظ±خْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } حيث شبّه إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كلٍ واستعير اسم المشبَّه به للمشبَّه، وهذا من بليغ الاستعارات لأن الطائر إذا كف عن الطيران خفض جناحيه.

تنبيه: الجمع بين هذه الآية { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وبين قوله
{*وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ظ±لْمُجْرِمُونَ*}
[القصص: 78] وقوله
{*فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ*}
[الرحمن: 39] أن القيامة مواطن، فموطنٌ يكون فيه سؤال وكلام، وموطنٌ لا يكون ذلك فيه، هذا قول عكرمة، وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟
خادم المنتدى شكر صاحب المشاركة.
توقيع » أم سهام
  رد مع اقتباس
قديم 2017-08-26, 17:56   رقم المشاركة : ( 3 )
مدير التواصــل

الصورة الرمزية خادم المنتدى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12994
تـاريخ التسجيـل : Oct 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الإقــــــــامــة : أرض اللـه الــواســعـــة
المشاركـــــــات : 32,928 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 18732
قوة التـرشيــــح : خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute خادم المنتدى has a reputation beyond repute

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو

خادم المنتدى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: تفسير سورة الحجر

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 10:52 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd