للتوصل بجديد الموقع أدخل بريدك الإلكتروني ثم فعل اشتراكك من علبة رسائلك :






العودة   منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد > المنتديات الــــتــــربـــــويــــة الــــعــــــامــــة > منتدى الأنشطة التربوية > التعبير الجسدي و المسرح


إضافة رد
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2009-12-22, 23:33
الصورة الرمزية أشرف كانسي
 
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أشرف كانسي غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 4706
تـاريخ التسجيـل : Aug 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : القليعة
المشاركـــــــات : 9,559 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 3281
قوة التـرشيــــح : أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute
مسرحية : للشمس لا للوهج





كثرت في ايامنا هاته مسرحيات لا تمث للمسرح باية صلة ، لا شكلا ولا موضوعا و لالغة
فلما لا نحيي اللغة الحقيقية للمسرح ؟ لما لا نزرع في الجيل الحامل لمنبر الغد و مشعل الطفولة روح وعشق المسرح الهادف ، المسرح الموزون ، لتبقى امجاد الطفولة باقية بعد رحيلنا
هنا نص مسرحي ، يمكن ان يقدم ويترك اثارا في النفوس
للمؤلف : محي الدين السياري
وهي معتمدة على ملحمة قلقامش ترجمة طه باقر ومسرحية سالومي تأليف أوسكار وايلد.‏
مسرحية : للشمس لا للوهج

الشخصيات:

1 ـ حسن: شاب في الخامسة والعشرين.‏

2 ـ الأم: أم حسن..‏

3 ـ حماد : صاحب الفرن.‏

4 ـ أحلام: زوجة حماد.‏

5 ـ المؤلف: رجل في الستين من العمر.‏

6 ـ الرجل العقرب الأول.‏

7 ـ الرجل العقرب الثاني.‏

8 ـ الرجل العقرب الثالث.‏

9 ـ سيدوري: صاحبة الحانة.‏

10 ـ اورشنابي: الملاح.‏

11 ـ أوتونابشتم: الحكيم.‏

12 ـ قلقامش.‏

13 ـ المرأة الأفعى.‏

14 ـ الخادمة.‏

15 ـ حسن 1‏

16ـ حسن 2‏

17 ـ حسن 3‏

18ـ حسن 4‏


المـــــــــنـظر

(ثلاثة كتب كبيرة الحجم، كل كتاب يحمل عنوانه على قفاه، وهي: رواية قلقامش، رواية سالومي، رواية عبد الله الأخرس، تفتح الرواية الأخيرة يظهر منها حسن مع منظر فرن عتيق وسلّم متدلّ).‏

حسن : ارفع قلمك عن رقبتي أيها المؤلف.‏

الأم : اللهمّ أَبْرِئْ ولدي من هذا الكابوس، وأَرْجِعْ عقله إلى الصّواب.‏

حسن : أيّ صواب يا أمّي....‏

الأم : أرجوك أن تهدأ قليلاً يا حسن، ارْحَمِْني من عذابك.‏

حسن : المواجع تركبني ولا تريد أن تترجّل من على ظهري يا أمي.‏

الأم : ما الذي جرى لولدي أيها الناس؟ لقد كنتَ صبياً هادئاً يا حسن.‏

حسن : حليبك كان مهدّئي أيتها الأم.‏

الأم : ويحي ما بالك لا تناديني بأمّي يا حسن؟!‏

حسن : مللت الاختباء وراء الكلمات الحنونة، دعيني، دعيني أتنفس رجولتي.‏

الأم : خَسِئَ من يقول إنك لست رجلاً يا ولدي، ونِعْمَ الرجال أنت يا حسن، غدا أيها العزيز ستملأ هذا الـْ.. فُرْن أطفالاً عندما تتزوج صبريّة..‏

حسن : هذا ما أنتِ فالحة فيه يا أمي، أطفال وفُرْن، عائلة الفُرْنِ السعيد، ومِمَّن؟... من صبرية البلهاء أيضاً، لماذا لا تقولين سعدية مثلاً أيتها الأم العزيزة، أَمْ أنَّ هذا كثير على أمثال حسن؟...‏

الأم : سعدية ذات العينين الزرقاوين مرة واحدة يا حسن؟ هداك الله يا ولدي، كُلٌّ يمدّ رجليه على قدر غطائه...‏

حسن : لا أريد غطاء قماشُهُ صبر ودموع وحرمان أيتها الأم، اتركوني عرياناً وأنا كفيل بغطائي، اترُكْني عرياناً أيها المؤلف و سأصنع غطاء يدفئ كل قرّاء خيالك الخَرِف.‏

الأم : ويلي على خراب البيوت من طيش الفئران المشاكسة.‏

حسن : لابد أن تنجب الفئران قطاً يوقف زحف خوفها الأزلي أيتها الأم.‏

الأم : أهذا آخر الكلام يا حسن، أمك فأرة أيها العاق؟... واحسرتي على سنين التعب، أين ذهبت يا أبا حسن، لماذا لا تأخذني معك من جحيم هذا البقاء؟...‏

حسن : هكذا نحن دائماً أيتها الأم نهرب من جحيم الحياة إلى سكون الموت، أليس من الأفضل أن نبحث عن حلّ آخر؟...‏

الأم : حلَّ عني أنت وسوف أموت بسلام يا حسن.‏

حسن : قولي أعيش بسلام يا أم حسن.‏

الأم : لا أريد العيش يا ابن الحلال، أنت لست حسن، كان عليّ أن أسمّيك بَلْوَى، اتركني، اتركني وإِلاَّ رميت نفسي في الفرن.‏

حسن : مهلاً يا أم حسن، أَلَمْ يقولوا إن قلب الأم كبير... مالي أَرَاه حبّة حمص.‏

الأم : إنك لم تبق لي شيئاً منه يا حسن... واَشَقاءكِ يا سكينة على عمر لم ينجب غير بذرة جافّة، عاقّة.‏

حسن : هكذا مَرَّة واحدة يا أم حسن؟!...‏

الأم : وثالثة ورابعة يا حسن، أنت إبرة جلبها حظّي... كي توخز النائم من آلامنا.‏

حسن : ولماذا تنام هذه الآلام يا أمّي؟.....‏

الأم : اسكت يا حسن، اسكت، لِسانك سوط قاس لا يرحم... قاسٍ يا حسن.(دامعة).‏

حسن : دموعك هذه قيود أخرى يا أمّي، قيود ثقيلة جداً على هذا الجناح، إلى أين تريدين بي يا أمي؟(دامعاً).‏

الأم : أنت تبكي يا ولدي؟ لا عاش من يبكيك يا ولدي.‏

حسن : أنا لا أبكي يا أمّي، إنما أقلّم أجنحتي بسكين رغباتك أنتِ يا أمّي.‏

الأم : جناحك على ظهرك أيها العزيز، سأحميه بكفّي المجعّد هذا..‏

حسن : لكنه سيقودني إلى هواء آخر، إلى فضاء آخر يا أمّي، فضاء آخر....‏

الأم : هواجسك هذه تثقل أنفاسي أيها الشقي، أبوك أَفْرَدَ جناحيه تحت هذا السقف يا ولدي.‏

حسن : سقف الفرن؟...‏

الأم : طلب الرزق يا ولدي.. الرزق...‏

حسن : هذا سقف احتراقنا، وهو مكان لَمْ نَخْتَرْه نحن يا أمّي... ( يظهر عود ثقاب)... ما هذا؟....‏

الأم : عود وقيد.‏

حسن : (يشعله) ما الذي يحرقه الآن.‏

الأم : النار يا ولدي.‏

حسن : (يطفئه) ما الذي أطفأه الآن.‏

الأم : نفخة الهواء يا حسن.‏

حسن : انفخي عليّ قليلاً من الهواء أرجوك.‏

الأم : بل أنا التي ترجوك أن تمسك هذه المواجع يا حسن.‏

حسن : أَمَسَكَهَا أبي وهو شاب يتوهَّج اشتعالاً، فأطفأته نار هذا الفرن، لا أريد السير على خطى عود اشتعل ولم يَقُلْ آه.‏

الأم : من أجل رزقنا اشتعل هذا العود.‏

حسن : أيّ عيش، وأيّ رزق هذا الذي يفرض أن نخبز لصاحب الفرن أَرْغِفة! ولا يحق لنا حتّى أكلْ المحروق منها، أَهُوَ فرن هذا أَمْ محرقة.(يظهر من على شرفة حمّاد صاحب الفرن وقد سمع ما دار).‏

حمّاد : مَالَهُ الفرن يا ابن سكينة؟‏

حسن : حَرَقَ أعمارنا يا ابن العرجاء.‏

الأم : حسن... حسـ......‏

حسن : لا إحسان مع من لا يُحسن الكلام يا أم حسن..‏

حمّاد : هكذا هم الخبازون، دائماً يتعكّزون على ألسنتهم يا سكينة. دعيه يجرّب هذا، دعيه....‏

حسن : ويضربون بها الوجوه القبيحة أيْضاً يا سيد حماد.‏

الأم: اعذره يا سيدي وَامْسَحْ ما قال في وجهي.‏

حسن : لا داعي لهذا يا أمي، هو على معرفة جيدة بالوجوه التي تستحق مثل هذا الكلام.‏

حماد : تقصد وجه وليّ نعمتك يا حسن؟‏

الأم : إنه شاب طائش يا سيدي، أتوسل إليك أن لا تأخذ كلامه على محمل الغضب.‏

حماد : من أَرْضَعَه هذا الكلام يا سكينة؟‏

الأم : حظّي الأسْود هذا ياسيدي.‏

حسن : هو بيتك هذا الذي أرضعنا كلاماً لَمْ نتقيّأْهُ بعد أيها السيد.‏

حماد : زمان، والله زمان، ابن عبد الله الأخرس خطيب في مكان أَخْرَسْ؟‏

حسن : انزل إلى هنا اسمع كلام هذا المكان الأخرس يا حماد.‏

حماد : أوصاني المؤلف أَلاَّ أنزل إلى القاع يا أهل القاع، اصعد أنت... إن استطعت، وأسمعني الكلام يا بن سكينة...‏

حسن : لن يصلك إلا مِحْماش التنّور يا ابن العرجاء... (يحمل حديدة التنور ويهمّ بقذفها عليه، فتمسكه أمّه).‏

الأم : أمسك يدك أيها الغبي..‏

حسن : دعيني أحطّم رأسه.‏

الأم : الويل لك أيها الأحمق... (تصفعه)..‏

حماد : جاءتك من الأسفل أيها الشاطر، لا تأكل العقارب إلاّ العقارب..‏

الأم : سيدي!!...‏

حماد : ما وراءك يا سكينة، أَمْ أنها عدوى الكلام؟‏

الأم : أرجوك يا سيدي... أن لا يتكرر هذا ثانية..‏

حماد : أَوَعِيدٌ هذا أَمْ نَذِير أيتها الخبَّازة؟‏

الأم : بل رجاء يا سيدي.‏

حماد : ما كنتِ هكذا يا سكينة، استبشرنا خيراً عندما ولدت خبازاً صغيراً، كان أفضل لو ولدته أخرس مثل أبيه، أَمْ أنها طفرة وراثية في خراب البيوت، فاللّسان مهما طال يمكن أن يطرب النفوس بأغنية أو نواح، لكنه لا يصلح أن يكون سلماً إلاّ لمن يحسن القول به يا أُمّ الصغير، لقّنيه هذا جيداً، وإِلاَّ أَرَّثْنَاهُ إِرْثَ أبيه.الناس تنتظر في الخارج، لقد دفعوا ثمن الخبز ولا وقت للكلام...‏

حسن : لاَ خُبْزَ بعد اليوم يا ابن العرجاء..‏

الأم : حسن...‏

حماد : لا تخافي أيتها المرأة، هذه رغوة من كلام تطفو على السطح قليلاً ولا تلبث أن يحرقها أتون الفرن، أوقدي الفرن الآن يا أم حسن..‏

حسن : لا توقديه يا أمّي...‏

حمّاد : أيها الشقّي، انظر إلى ذراعي هذه، إنها قادرة... وهي في كتفي، أما إذا انفصلت عن الجسم فلن تستطيع قطف زهرة.‏

حسن :رأسي على كتفّي أيها المصلح النبيل، لا خبز بعد اليوم.‏

حمّاد : هذه وظيفتك أباً عن جد أيها الشاطر.‏

حسن : وأنا لا أرتضيها لنفسي أيها السيّد.‏

حماد : المؤلّف أراد لك هذا يا عزيزي.‏

حسن : سأخرج من رواية هذا المؤلّف وأتركها لك يا حمّاد.‏

حماد : (يغرق في الضحك) أضحكتنا يا هذا ونحن صيام عن الضّحك منذ زمن، حسن الذي خرج عن الرواية، حكاية مثيرة والله، اضحكي، اضحكي يا أم حسن، أو ابكي على جنون الوحيد الذي سيخرج من الرواية، إيه، تخرج، وماذا بعد أيها الشاطر؟!...‏

حسن : هناك سأراه يا ابن العرجاء.‏

حماد : ترى من أيها الخائب؟..‏

حسن : الزمن الذي لا تطوله عصا حماد.‏

حماد : قولي لـه يا سكينة أَنْ لا شَيْءَ هناك خلف هذا الباب.‏

الأم : ولدي يا حسن قد ضحكنا كثيراً، أرأيت كيف كان لطيفاً معنا السيد حماد، هيا الآن يا ولدي، لم يبق وقت على الخَبْزِ، قد طفح العجين.‏

حسن : أنا الذي طفحت يا أمي، الأَخرس الذي مات أَوْرَثَنِي كلاماً لم أَقُلْه بعد.‏

الأم : (وقد لاحظت شرود حسن إلى الباب)... بسم الله، ولدي ماذا هناك... إلى أين تنظر يا عزيزي؟..‏

حسن : إلى رواية بلا فرن يا أمّي.‏

حماد : خفَف الله عن هذا المصاب يا سكينة، والله لو كان المال تحت يدي لأرسلناه إلى الحكيم.‏

الأم : بُنَي حسن، ولدي يرتجف يا حماد، أنجدني ، أنزل إلى هنا أرجوك...‏

حماد : هذه الحالة لم تكتب في الرواية يا سكينة، أوصاني المؤلّف ألاّ أنزل إلى الفرن.‏

الأم : ولدي،ولدي، ساعدوني أيها الناس، سيموت وحيدي بين يدي.‏

حسن : الموتُ هو أَلاَّ نعرف سبيلاً لأحلامنا يا أمّي.‏

الأم : كلنا نحلم في الليل ويوقظنا الصباح إلى أرزاقنا يا حسن.‏

حسن : لابدّ أن أمسك بحلم هذا الصباح. لابدّ...‏

الأم : من أين لي بحلم الصباح كي أروي عطشك، عطش روحك الهائمة يا ولدي.‏

حماد : دعيه يعمل بالليل وينام في الصباح، وستأتيه الأحلام بلا حيرة ولا ارتخاء أيتها العجوز.‏

حسن : الدجاج لا يعرف معنى لهذه الأحلام أيها الديك الأجرب.‏

حماد : أدّبيه يا أُمّ حسن، وإلا نزلت إلى الفرن.‏

حسن : المؤلّف لا يسمح بذلك أيها الذكي.‏

حماد : آه من قيدي، جملة واحدة في هذه الرواية القاسية، جملة واحدة تمنحني النزول فأهشّم بها رأسك الوسخ هذا.‏

حسن : سأمنحك هذه الجملة إلى الأبد يوماً يا ابن العرجاء.‏

حماد : (مستهزئاً)... أحلام، أحلام... يا حالم يا ابن الحالمة.‏

حسن : أوصيك بالصبر يا أمّي.‏

الأم : عن ماذا يا حسن؟‏

حسن : أنا راحل عن هذه الرواية.‏

الأم : بعدها الضياع يا حسن، لا تفجع أمك يا حبة قلبي.‏

حسن : لابدّ أن نمسك بالقلم كي نكتب ما نشتهيه نحن يا غالية.‏

حماد : واجلب معك الحبر والأوراق إن استطعت يا سيد حسن.‏

الأم : لا، هذا جنون، ستحكم عليّ بالموت أيها الهارب.‏

حسن : لا أريد أن أسلّم جسدي لنسيان المؤلّف... سأعود يوماً يا أمي...‏

الأم : حسن...........‏

حسن :وداعاً يا أمّي...(يخرج حسن من الرواية، يغلق الكتاب خلفه، تبدو الأجواء في المكان غريبة بعض الشيء).‏

الأم : (تأخذ بالغناء) ..........................................‏

حسن : (لا يزال غناء أمه يتردّد، يندمج صوته مع صوت الأم حتى يعلو عليه....) سأعود بالقلم يوماً ما أيتها الأم الطيبة..... آه رأسي آه... أين غناؤك أيتها الأم الطيبة، لماذا سكت؟... ما هذا؟.. هل أنا في مكان أم لا مكان!... أهو فرن آخر، أجل فرن بارد، أريد قليلاً من الحطب يا أمّي... هل هو فرن للروايات!... أجل هذه تشبه روايتنا، يبدو عليها أنّها قديمة جداً... أزلية جداً... هل يموت سكان الروايات؟... كلاّ، لابدّ أنهم أنجبوا أحلاماً.... أنتم يَا مَنْ هُناك، افتحوا الأبواب...‏

المؤلف : (وهو يتدلّى بأرجوحة في أعلى المسرح)... أرأيت كم أنت صغير يا ولدي...‏

حسن : من.... من أنت؟!...‏

المؤلف : أنا قارئ دروب هذه الروايات، وشارب ضوضائها حتّى الثمالة.‏

حسن : هل ضاقت روحك من روايتك فخرجت إلى هنا؟‏

المؤلف : أنا لم أغادر روايتي أيها الشاطر.‏

حسن : تعني أني خرجت من روايتي إلى رواية أخرى؟‏

المؤلف : هذه رواية الروايات يا حسن.‏

حسن : كيف عرفت اسمي؟‏

المؤلف : قرأت حكايتك يا حسن.‏

حسن : إِذَنْ ستشهد معي أمام المؤلف.‏

المؤلف : أشهد عن ماذا؟‏

حسن : عن لعناته التي أفرغها على رأسي دون أن يغير حرفاً واحداً منها..‏

المؤلف : هكذا أراد لك أن تكون.‏

حسن : ما هكذا أردت أن أكون، لماذا أنا بالذات، هل تمعنّت جيداً في سطور شقائي...‏

المؤلف : لو لم تكن أنت لكان غيرك، لكلّ رواية قربان يا حسن.‏

حسن : سأكتب رواية بلا قرابين..‏

المؤلف :أنت حالم يا حسن.‏

حسن : سأمسك هذا الحلم، دلّني على المؤلف، سأفتكّ منه هذا السيف، الفرن، القلم الذي نام على أكتافي دهوراً..‏

المؤلف : (يرمي إليه القلم)... خذ.‏

حسن : ما هذا؟‏

المؤلف : السيف، الفرن، القلم واكتب حياتك كما تريد.‏

حسن : أمن هذه العصا الصغيرة كلّ هذا الشقاء الذي يعصف بنا إلى ما لا ندري.... (يخاطب القلم) أهذا أنت يا عزيزي، تعال إليّ يا نكد حياتي، سأشطب بك كلّ سطر يحمل اسم حماد حتّى يجفّ حلقك واملأه من لعابي... طوبى لك يا أم حسن ها هو القلم... ولكن قل لي يا سيدي، كيف يكتبون بهذا القلم؟..‏

المؤلف : أرأيت كيف وقفت عند المعنى الأول فقط يا حسن.‏

حسن : ما جئت هنا بحثاً عن المعاني أيها السيد.‏

المؤلف : أو تريد جنة بلا معرفة أيها الأمّي.‏

حسن : أو تريد جنة بلا معرفة أيها الأمّي.‏

المؤلف : وهل كان حمّاد عارفاً كي يمنح الجنة وحده ويلقي بي أنا في الفرن.‏

المؤلف : (ضاحكاً) أنت طيب وساذج يا حسن.‏

حسن : وأنت لعنة أخرى تتلاعب بالألفاظ على حساب الخائبين منّا، انزل إلى هنا حدثني، أينما ذهبت تصادفني شرفة وعلوّ فكلام..... عمودي يلطّخ رأسي بأقدامه قبل أن يهتدي إلى هذه الأذن التي سمعت الكثير.‏

المؤلف : أنا عاجز عن مجاراتك يا حسن، أنت متحمّس وذكي، لكنك مندفع وغبي... فلا ترفع يدك بوجهي ثانية أيها النرجسي، حمّاد يُمنح الجنة لوحده، نار فرنك أهون من جحيم جنته أيها الشاطر حسن.‏

حسن : جَبْر الخواطر هذا لا يُلغي اشتعالنا أيها السيد، أنا ذاهب....‏

المؤلف : إلى أين؟...‏

حسن : إلى من يعلمني الكتابة بهذا القلم.‏

المؤلف : خذ منّي حَرْفَاً تتكئ عليه..‏

حسن : حروفك لا تقوى على حلم همّي مادمت تعتقد بأن السيد حماد في جحيم..‏

المؤلف : هذه حقيقة..‏

حسن : احتفظ بها لنفسك؟‏

المؤلف :ليس قبل أن تراها بأم عينيك يا حسن... انظر(يفتح المؤلف باب رواية عبد الله الأخرس حيث يبدو المشهد في غرفة نوم السيد حماد وزوجته تجلس إلى المرآة).‏

حماد : (يقفز من نومه) أحلام... أحلام... أين أنتِ يا أحلام...‏

أحلام : مابالك تُصَرْصِرُ بأذني كأنك في فرن معطوب يا حماد،... آه، ما الذي تريده منّي في هذه الساعة؟... ألا تعرف أن هذا موعد حمّامي يا رجل؟‏

حماد : أحلام، هل رأيت زوجة لا تجلس قرب زوجها حتّى على الطعام، ستقتلني قسوتك هذه يا امرأة، اقتربي مني أرجوك.‏

أحلام : مَلَلْتُ من هذه المداعبة الفارغة يا حماد، لماذا لا تذهب إلى حكيم يا أخي؟‏

حماد : الحكيم قال... إنني سوف.........‏

أحلام : سوف تنجب أطفالاً عندما تتزوج المرأة الثالثة، أليس كذلك يَا ابْنَ أُمّك؟.....‏

حماد : أحلام... أنا لست أول رجل لا يُنجب.‏

أحلام : من لا ينجب أطفالاً، ينجب كلاماً طيباً، ينجب الحبّ ليعوض به زوجته ما فاتها.‏

حماد : أنجب لك ثروةً وذهباً يا أحلام.‏

أحلام : قل اشتريتُ بها شبابكِ يا أحلام.‏

حماد : بل اشتريتُ تعاستي، أي رواية مضجرة هذه التي يعيشها حماد.‏

أحلام : لماذا لا تشتري امرأة باستطاعتها أن تقاسمك ضجرك هذا يا حَمَّادْ؟...‏

حماد : إلى أين يا أحلام..‏

أحلام : أشمّ هواء لا يُشترى يا حماد.‏

المؤلف : (يغلق الرواية)... وسوف لن تجدّ هذا الهواء مادَامَتْ لا تعرف الاختيار..‏

حسن : ولماذا يكتب هذا المؤلف شخصياته مادامت كلّها لا تعرف؟‏

المؤلف : لأنه لا يعرف أيضاً..‏

حسن : لا يعرف!!؟‏

المؤلف : قرأ كلّ هذه المخطوطات وما زال يبحث عن المعرفة.‏

حسن : تعني.. عليّ أن أقرأ كلّ هذا؟‏

المؤلف : وربّما لن تعرف يا حسن، فالمعرفة جواد أصيل، إن لم يُحْسِن طالبه الصّعود عليه، يصبح ذكرى حافر حصان.‏

حسن : سأركبه أيها السيّد.‏

المؤلف : هذه مغامرة.‏

حسن : أفضل من عقل في فرن.‏

المؤلف : عودك طريّ يا حسن.‏

حسن : ستصلبه الرّيح.. ادفع معي..‏

المؤلف : أدفع ماذا أيها الطائش..؟..‏

حسن : هذا الباب.....(يحاول حسن فتح باب رواية ملحمة قلقامش)‏

المؤلف :اخترتَ المرْكَبَ الصّعب يا حسن.‏

حسن : لا أريد أن أعود لأمّي دون صيد أيها السيد.(يدخل حسن أجواء ملحمة قلقامش، أصوات وحوش وزئير أسود في غابة).‏

حسن : يا إلهي، ما هذه الأصوات؟... هَلْ كُتِبَ عليّ الموت فريسة للوحوش... آه فَاتَني أن أسأل السيد... أيها السيد..... هل تسمعني؟ أَيَحْدُث أن يموت شخص في رواية أخرى؟... أجبني أيها السيد...(تداهمه أشكال غريبة من الوحوش).....لا..... إليك عنّي... دعوني أكلمكم..... هل تنطقون؟.... أَمْ أنكم... (يداهمه أربعة من رجال العقارب كما في أصل الملحمة)... ما لكم تحدقون فيّ... أبي كان أخرس أيضاً لكنه يفهم الإشارة..يا إلهي ماذا أفعل، هل أختبئ، لكنهم سيجدونني، أجل يشمّونني وإلاّ لما كانت لهم هذه الأنوف الطويلة... الأفضل لكَ يا حسن أن تتظاهر بالهدوء، وإلاّ ضاع منك كلّ شيء....‏
العقرب 1 : اسمعوا يا أصدقائي، إن الذي جاء إلينا جسمه من مادّة الآلهة.

العقرب 2 : أجل إن ثلثه آلهة، وثلثه الآخر من مادة البشرية...‏

العقرب 1 : ما الذي حملك على هذا السفر البعيد، وعَلاَمَ قطعت الطريق الطويل وجئت عابراً البحار الشاقة؟... إِبْنِ لي القصيد وأَبِنْ لي القصد من المجيء إلى هنا..‏

حسن : أنا، أتيت قاصداً المعرفة ليس إلاَّ... صدّقوني...‏

العقرب 1 : لا يوجد إنسان يستطيع ذلك يا قلقامش.‏

حسن : أنا حسن..‏

العقرب1 : غيّر اسمك كما تشاء، فلم يستطع أحد من البشر أن يَعْبُرَ... مسالك الجبال، فالزمن بداخله مضاعف، والظلام حالك، لا نور بها، فلا مطلع شمس ولا مغرب لها.‏

حسن : إني قد عزمت أن أعرف مهما كان الظلام أيها المخلوق.‏

العقرب 1 : ادخل يا قلقامش، ادخل ولا تخف، أَذِنْتُ لك أن تعبر الجبال، وعَسَاكَ أن تقطع سلاسلها، وعسى أن تعود بك أقدامك سالماً، هاهو باب الجبل أمامك..‏

حسن : (يتقدم نحو باب الجبل برهبة، فيسقط بهُوّة سحيقة) لا... لا... إلى أين تقذفون بي؟.... أيها السيد، هل تسمعني؟... هل هذه رواية القيامة؟... وَلِمَ حذّرتني منها؟ ... أنجدني أرجوك...(صوت ضحك)... هل تضحك منّي أَمْ لأجلي أيها السيد؟... (يستقرّ حسن أمام حانة سِيدُورِي).‏

سيدوري : يبدو أن هذا الرجل قاتل، إلى أين تريد(توصد الباب).‏

حسن : افتحي أيتها المرأة ، ماذا دَهَاكِ حتّى أَوْصَدْتِ الباب بوجهي... أنا إنسان...‏

سيدوري : أنت قَلْقَامِشْ؟...‏

حسن : أنا حسن وأوراقي الرسمية تثبت هذا.‏

سيدوري : إن كنت كذلك حقّاً، فلماذا تختبئ وراء هذا القناع يا قلقامش؟‏

حسن : هذا ليس قناعاً، هذا وجهي...صدّقيني..‏

سيدوري : ألست أنت البطل الذي قتل حارس الغابة وأمسك بثور السماء وقتله، حتّى وإن كنت صاحب الاسم الجديد حسّان.‏

حسن : حـســن.................‏

سيدروي : حسن، حسن، لماذا تهيم على وجهك في الصحاري؟..‏

حسن :كيف لا أهيم أيتها الأخت، وقد استبدّ هذا الكاتب ووضعني في الدرك الأسفل من هذه الرواية دون أن يكلف نفسه عناء سطر واحد يجعلني في مصاف أهل النِّعَمِ... إن كنتِ عارفة بسرّ الروايات دَلِينِي أين أملأ قلمي هذا بماء الحياة التي أريد.‏

سيدوري : لن تجد الحياة التي تريد، لأن الآلهة العظام عندما خَلَقَتْ البشر قدّرت عليهم الموت والشقاء واستأثرت هي بالحياة التي تريد، أما أنت يا قلقامش...‏

حسن : ثانية هذا الاسم!....‏

سيدوري : لماذا تتشكّك في هويتك، فهذا ما يريده منك العدو... فَلْيَكُنْ بطنك مليئاً على الدوام، وفرحاً ومبتهجاً نهارَ مساء، وأَقِمْ الأفراح في كلّ يوم من أيامك وارقص والعب، واجعل ثيابك نظيفة زاهية واغسل رأسك واستحم، ودَلِلّ الصغير الذي يمسك بيدك، واَفْرِح الزوجة التي بين أحضانك... هذا هو نصيب البشرية.‏

حسن : أمّي كانت تقول هذا أيضاً، هذا قدرك وقسمتك يا حسن، لكني أبحث عن طريق آخر يا سيدتي.‏

سيدوري : هناك طريق لم يعبره غير "شَمْشْ" القدير.‏

حسن : أنا قادر على عبوره أيضاً أيتها السيدة.‏

سيدوري : إنه عبور شاقّ وعسير أيها الفتى.‏

حسن :لابدّ منه يا سيدتي، لقد وعدت أمي أن أعود لها بشيء.‏

سيدوري : وما عساك تصنع لو بلغت مياه الموت العميقة يا قلقامش؟‏

حسن : أليس في أرضكم غير قلقامش هذا؟‏

سيدوري : بهذا الاسم كتب لنا أن ننادي القادم في اللّوح التاسع من الطوفان.‏

حسن : لكنّ القادم اليوم هو حسن.‏

سيدوري : قلقامش ليس غير، الذي بلغ مياه الموت يصحبه أَورْشْنَابِي" ملاّح الحكيم "أُوتُونَابُشْتُمْ" القاضي.‏

حسن : الحكيم؟... وأين أجده؟... دلّيني عليه أرجوكِ.‏

سيدوري : هناك في الغابة يقطف النباتات، عساك أن تراه، وإذا أمكنك أن تعبر بصحبته، إفعل، وإلاّ عُدْ إلى وطنك بعيداً عن الأخطار.‏

حسن : لابدّ من العبور يا سيدتي.‏

سيدوري : ألم أقل إِنَّكَ قلقامش...‏

حسن : هل لكِ أن تعطيني قليلاً من الماء؟‏

سيدوري : ليس عندنا غير الماء القوي، خُذْ وَاشْرَبْ.‏

حسن : شكراً لك يا سيدتي... إلى أين يا سيدتي؟...‏

سيدوري : انتهى لوح سِيدُورِي يا قلقامش. (تتركه).‏

حسن : ولكن جهلي لّمْ ينتهِ، ما زلت لم أعرفْ بعد يا سيدوري، انتظري يا سيدتي (تختفي سيدوري).... تعبر مع الملاّح أَورْشْنَابِي.... وماذا بعد؟... ربما أسمع من أورشنابي هذا جواباً أفضل، (يشرب الماء القوي)... اللّعنة، ما هذا؟... احترق جوفي... أغيثوني... قَتَلْتِنِي أيتها الخَرِفَة.... آه يا أمّي أين أنتِ؟ ابنك سيموت في البلاد الغريبة، لقد دَسّوُا لي السمّ يا أُمّ حسن، من سيصدّق بعد الآن أن ابنك تحصّل على قلم المؤلف، وأتى إلى هذه الرواية ليملأه بما ء الحياة... لا شيء يشبه فُرْننا هنا يا أمّي، لا أصوات هنا للناس، لا تزاحم على الخبز.. غنّي لي قليلاً يا أمّي وسأسمعك..... غنّي لوحيدك قبل أن يموت يا أمّي...(ينطلق بأغنية فولكلورية وقد اتضح عليه السكر)... لَمَّا عَلِمَتْ بأن القَوْمَ قَدْ رَحَلوا، وراهب الدَّيْرِ في النَّاقُوسِ مُنْشَغِلُ... لماذا انْشَغَلْتَ عنّا أيها المؤلف الأحمق؟ ألا تريحك المناظر الحلوة؟... ألا يريحك أن أبتسم؟... ولكن سأبتسم رغم أنفك وأقف على أرض الرواية، هكذا.... (يسقط على الأرض)... مَا لأَقدامِكَ لا تعينك يا حسن؟... وبدأت تهذي أيضاً وأنت على أعتاب موت بلا شاهد...(يدخل قلقامش حتى يقف عند رأس حسن).‏

قلقامش : حتّى يسقط الدّود من أنفك كَخِلّيِ وصاحبي "أَنْكِيدُوا"..‏

حسن : ما هذا الفأل النحس أيها الرجل المتّسخ؟‏

قلقامش : كيف لا أتسخ ولا أهيم على وجهي وخِلِّي وأخي الصغير الذي طارد حمار الوحش واصطاد النمور في الصحاري، وارتقى قِمَمَ الجبال وقهر الغول "خِمْبَاباَ" ومسك ثور السماء، كيف لا أتعفّر وقد أدرك مصير البشرية أخي "أَنْكِيدوا"؟‏

حسن : أنا أيضاً بكيت على عبد الله الأخرس، أبي الذي لَمْ يَصْطَدْ شيئاً، بكيتهُ أربعين يوماً، وبعدها أربعين أخرى على نفسي أيها المخلوق.‏

قلقامش : سيدركني هذا المصير أيضاً، واضطجع ضجعة الأبد يا "أَورِشْنَابِي".‏

حسن : أَوَ تُريدُ أن تأكل عمر غيرك يا أخي؟.... كُنْ قنوعاً، ثم إني لستُ "أَورِشْنَابِي" هذا، عَجَبَاً، الكلّ يهديك إلى "أَورِشْنَابِي" اذهب إلى "أَورِشْنَابِي"، تعال من "أَورِشْنَابِي"، اجلس عند "أَورِشْنَابِي"...‏

قلقامش : أين الطريق إليه أيها الصديق؟‏

حسن : إسأل صاحبة الحَانْ، ستقول لك إنه يقطع النبات في الغابة وسيسقيك ماء يا صديقي... ولكن أيّ ماء، والله لو شربت قليلاً منه لأَنْسَاكَ اسْمَ أبيك وموت صاحبك "أَنْكِيدُو"، هذا، انتظر أيها الرجل، إلى أين؟...‏

قلقامش : إلى ركوب البحر مع "أَورِشْنَابِي"..‏

حسن : خذني معك، إن كنت مسافراً أيها الصديق، أنا وحيد وغريب في هذه الرواية، خذني لَرُبَّمَا كان قصدنا واحداً... جسدك هذا خير حماية لضعيف مثلي في هذه البلاد... انتظر، لا أستطيع اللّحاق بك أيها العملاق... التفت إليّ قليلاً وإلاَّ تُهْتُ.‏

(رحلة) ............ ........... ...... ...............................‏

أَورِشْنَابِي : هيه أنت، ما اسمك أيها القادم.؟‏

قلقامش : وأنت ما اسمك وَلِمَ السؤال عن اسمي؟‏

أَورِشْنَابِي : أنا "أَورِشْنَابِي" من التابعين لأُوتُونَابُشْتُمْ القاضي.‏

حسن : وأخيراً وصلنا أيها الصديق.‏

قلقامش : أنا قلقامش القادم من "أُورُوكْ".. لَقَدْ اجْتَزْتُ البحار وركبت الأسفار من مطلع الشمس كي أصل إليك.‏

حسن : وأنا حسن ابن عبد الله الأخرس، القادم من رواية عبد الله الأخرس، لمؤلفها سَيِّئ الصيّت الذي نسيت اسمه، تحمّلتُ عضّ الوحوش وغطرسة تلك المرأة، تحملت الماء القوي لأحْظَى بمَرْآكَ يا "أَورِشْنَابِي"...‏

قلقامش : يا "أَورِشْنَابِي"، وقد وجدناك فدُلنّا، على "أُوتُونَا بُشْتُمْ" الحكيم..‏

"أَورِشْنَابِي" : أنت قلقامش إذن.‏

حسن : وأنا حسن تابعه الوفي.‏

أَورِشْنَابِي : لِمَ ذبلتَ يا قلقامش وامتقع وجهك، وعَلاَمَ غمر الحزن قلبك وتبدّلت هيئتك؟..‏

حسن : كيف لا يذبل ولا يمتقع وجهه وقد أدرك صاحبه وخِلّهُ أَنْكِيدو الموت، يبدو أنك لا تقرأ صفحة الوفيات، وهذا خير لك من وجع القلب.‏

أَورِشْنَابِي : من أنت المخلوق الصغير..‏

حسن : أنا لست صغيراً، أنا حسن، كان من الممكن أن أبدو بهيئتكم لو رفع هذا المؤلف قلمه عنّي (يريه القلم) أنظر إليه يا أَورِشْنَابِي، إنه ميّت دون حكمة "أوتونابشتم" القاضي، ميت كَمَا "أنكيدو"..‏

قلقامش : أترك رقبتي يا قلقامش، أقرّ وأعترف أن "أنكيدوا" قتل الثور السماوي.‏

أَورِشْنَابِي : يداك يا قلقامش..‏

حسن : يقول لك يداك..‏

أورشنابي : يداك هاتان هما اللتان منعتاك من عبور البحر، لأنك حطمت صور الحجر وأتلفتها، وإذا تحطمت صور الحجر لا يمكننا العبور.‏

حسن : كيف لا تتحطّم بهذه الأكفّ القاسية؟ لماذا حطّمتها يا أخي؟‏

أورشنابي : أمّا عن تابعك هذا فَلْيَعُدْ من حيث أتى، فليس له اسم في لوح الطّوفان.‏

حسن : كيف أعود يا أَورِشْنَابِي، نحن متساويان في الخطأ يا عزيزي، هو، حطم صور الحجر، وأنا نسيت أن أدوّن اسمي في لوح الطّوفان.‏

أورشنابي : مادمت قد ضارعت قلقامش خطأه ووصوله إلى هذه الغاية أيها التابع فَلْتَرْحَل معه إذن، والآن انحدرا إلى الغابة واقْطَعَا منها مائة وعشرين مقذافاً طول الواحد ستون ذراعاً واطلياها بِالْقِيرْ.‏

قلقامش : هيا يا حسن..‏

حسن : إلى العمل يا صديقي..‏

قلقامش : أمسك طرف هذه العصا يا حسن..‏

حسن : هي عصا لمثل قوّتك يا قلقامش أما لمخلوق مثلي فهي عمود يا أخي.. أجل اضحك، هكذا اضحك يا قلقامش فالحزن لا يصنع قوارب العبور..‏

قلقامش : أنت تنطق الحكمة يا حسن..‏

حسن : لم أكن أعرف ذلك من قبل يا قلقامش.. احذر، احذر الوحوش تداهمك...‏

قلقامش : اختبئ خلف الأعشاب يا حسن.‏

حسن : كيف أتركك وحيداً؟‏

قلقامش : أنت لا تقوى علىمثل هذه المنازلة.‏

حسن : خذ هذه العصا يا قلقامش... احترس... من الخلف...‏

قلقامش : (يهزم قلقامش الوحش)... اخرج يا حسن لقد نجحنا...‏

حسن : عاش قلقامش بطل الأبطال... عاش... عاش... عاش....‏

قلقامش : هتافك هذا يثير فيّ أسى عميقاً يا حسن.‏

حسن : لا وقت للأسى، ليس لنا غير هدف الوصول إلى أوتونابشتم فإلى العمل يا قلقامش..‏

قلقامش : إلى العمل يا خِلّي الصغير (يعمل الاثنان على جمع الخشب مع الترديد لأغنية)........................................... ..................................‏

أَورِشْنَابِي : والآن أَنْزِلاَ القارب إلى البحر.. هيا يا قلقامش، خذ مقذافاً وادفع به في هذا الاتجاه.‏

حسن : وأنا سأدفع أيضاً يا أورشنابي.‏

أَورِشْنَابِي : حذار أن تَمَسَّا مياه الموت.. أسرعا.. خذا مقذافاً خامساً وسادساً وسابعاً...........................(رحلة) .......................................‏

حسن : لقد أصابني الدوار يا قلقامش...‏

قلقامش : امسك بي جيداً يا حسن.‏

أَورِشْنَابِي : بُنْيَتُك لا تساعدك على مثل هذا السفر، فلماذا أنت مُصِرّ عليه أيها الصغير؟‏

حسن : أمسكاني...‏

قلقامش : استلقِ على ظهرك يا حسن..‏

حسن : أنا خائف يا قلقامش...‏

أَورِشْنَابِي : لم يسبق أن صعد ثلاثة في قارب بهذا الحجم، ربما نغرق في مياه الموت يا قلقامش..‏

قلقامش : لا يمكنني التخلّي عن هذا المخلوق يا أورشنابي..‏

حسن : إني... ألم يخفق قلبكِ قليلاً يا أمّي، آه لو تعرفين أين وحيدك الآن...‏

قلقامش : شُدّ على أعصابك يا حسن، ففي مثل هذه النزالات لا وقت للخوف..‏

أَورِشْنَابِي : لم يبق غير مائة وعشرين دفعة مقذف يا قلقامش...‏

حسن : لقد وصلنا إِذَنْ...!!‏

قلقامش : ليس بعد يا حسن، ليس بعد، وَفّر فرحك...‏

أتونابشتم : (على الساحل يراقب القارب).. عَلاَمَ دمّرت صور الحجر الخاصّة بالقارب أيها البشري، وعَلاَمَ تركب عليها المخاطر الآن؟.. من ركب الإعصار معك يا أورشنابي، وماذا يريد؟...‏

أَورِشْنَابِي : إنه المخلوق الذي حَبَاهُ "شمش" السماوي بالحسن، وخصّه "أُدُدْ" بالبطولة، إنه سليل (أُورُوكْ) ابن البقرة الجليلة قلقامش، وهذا تابعه حسن.‏

حسن : قلقامش!.. وعَلاَمَ ملك الحزن قلبك وتبدّلت هيئتك، ولفح...... وجهك الحرّ يا ابننا العزيز؟....‏

قلقامش : كيف لا أهيم وقد أدرك مصير البشر خِلّيِ وأخي الصغير، فصار تراباً يا سيدي.‏

حسن : وأنا يا سيدي لَمْ أُحْظَ بمصير البشر الأسوياء، فَصَيَّرَنِي هذا المؤلّف ثوراً يجرّ محراثه إلى ما لا أدري.‏

أُتُونَابُشْتُمْ : وأنت يا قلقامش، فهل بنيت بيتاً يقوم إلى الأبد؟... ما أعظم الشبه بين النائم والميت، برأيك ألا تبدو عليهما هيئة السكون الأبدي؟... وهل تستطيع التمييز بين السيد والعبد إذا مَا وافاهما الأجل؟.. وأنت أيها التابع؟..و‏

حسن : حسن!!؟؟...‏

أُتُونَابُشْتُمْ : حسن، هل تبقى البغضاء في الأرض إلى الأبد؟‏

حسن : تبقى يا سيدي عندما يصرّ المؤلف عليها..‏

أُتُونَابُشْتُمْ : تبقى إذا أسلمت لها أمرك أيها الصغير.‏

قلقامش : قل لنا أيها الحكيم، كيف خلّدت بعيداً عن الموت؟‏

حسن : والمؤلّف!؟‏

أُتُونَابُشْتُمْ : تمسّكت بكل صبري وقواي، بلوح السفينة يوم الطوفان فبَارَكِنْي "إِنْلِيلْ" الخالد.‏

حسن : دُلّنا إذن على سفينة الطوفان أيها العزيز.‏

أُتُونَابُشْتُمْ : اختلط خشبها مع عظام الحيتان، فأصبحت الأرض أيها الصغير...‏

حسن : وفي أيّ بقعة من هذه الأرض نلمس سفينة الطوفان هذه؟‏

أوتونابشتم : ربّما في البقعة التي وُلدتَ فيها أيها الفراشة الهاربة..‏

حسن : ركبنا السفر الطويل وتحمّلنا مخاطر مياه الموت من أجل سماع حكمتك، فنجدك أكثر حيرة منّا يا "أوتونابشتم"!..‏

أُتُونَابُشْتُمْ : ومن يستطيع جمع الآلهة من أجلكما كي تعطيكم الحياة ... التي تريدان أيها الهاربان.‏

حسن : لسنا هاربان، بل جئناك بمحض إرادتنا...‏

أوتونابشتم : إرادة خاوية، وإلاّ لماذا لم تتحملا أقداركما؟‏

قلقامش : غلبتنا سُنّة الموت وتمكّنت من هذه الإرادة... آه يا "أنكيدو" أيها الخلّ والصاحب تَنْدُبُكَ المسالك التي سِرت عليها في غابات الأرز، ولا يبطل النواح عليكَ مساءَ نهار، فيرجع صدى البقاء في كل مكان...‏

حسن : هَوِن عليك يا قلقامش، كان علينا الركون للراحة بدلاً من رحلة الشقاء هذه، لو كنتُ بمثل قوّتك لما قدمت إلى هنا، لمسكت المؤلّف وغمست رأسه في مياه الموت... فلماذا يستمتع هؤلاء المؤلفون بعذابات شخوصهم؟..‏

أورشنابي : لأنهم منتدبون أيضاً يا حسن..‏

حسن : وهل نحن فَنَاجِينَهم يقرؤون في مصائبنا طَوَالِعَهم؟‏

أورشنابي : هم يبحثون فينا عن معنى لأفراح يحلمون بها..‏

حسن : تدافع عنهم أنت الآخر؟!‏

أورشنابي : بل أشفق عليهم أيها الصغير.‏

أوتونابشتم : كفاكم تَبَاكِيا أيها الكَسَالَى... أما أنت يا أورشنابي عَسَى أن لا يرحّب بك المرفأ ويبرأ منك العبور، فلتذهب مطروداً من الشاطئ أنت والرجال الذين قُدتهم إليّ..‏

حسن : نحن الذين حَمَلْنَاهُ على هذا السفر أيها الحكيم..‏

أوتونابشتم : ارحلوا كلكم إلى حيث أتيتم.‏

قلقامش : سيتمادى الموت في زحفه على أبناء "شمش" أيها الحكيم.‏

أوتونابشتم : احملهم أيها العاصي أورشنابي.‏

حسن : هيّا يا قلقامش انكفئ على جراحك وارجع.. لا أمل لنا في هذا المكان..‏

قلقامش : لا أقوى على هذا يا حسن، قل له أن يفعل شيئاً من أجلي أرجوك..‏

حسن : أيها الحكيم، قد جاءك قلقامش مسكوناً بالحزن، أيرضيك أن يعود مخذولاً أمام غريب مثلي، امنحه شيئاً كي أروي كرمك إلى أهل روايتي..‏

أُتُونَابُشْتُمْ : اسمع يا قلقامش وأنت أيها القادم من عالم آخر... سأفتح لكم سرّاً من أسرار الآلهة.. يوجد نبات مثل الشوك في أعماق البحر وشوكه يخزّ الأيدي، فإذا ما حصلت أيديكم على هذا النبات وجدتم الحياة الجديدة..‏

حسن : شكراً لك يا سيدي الحكيم، شكراً...‏

أُتُونَابُشْتُمْ : أما أنت يا أورشنابي، عُدْ إلى مرفئك وَزِنْ خطاك بثقل الخطيئة كي لا يقودك مركبك ثانية لمرافئ ليس لك فيها نصيب..‏

أورشنابي : أمر الحكيم مطاع..‏

حسن : هيا يا قلقامش اغسل وجهك من هذا الحزن، سيعود لنا كلّ شيء (يأتي بصخرة إلى القارب ويعالجها بحبل)..‏

أورشنابي : المياه مخادعة يا قلقامش، عليك أن تبحث عن حيلة توصلك إلى هذا النبات.. ماذا تفعل يا حسن.؟‏

حسن : حبل وصخرة وسنختصر بها مسافة المخاطر إلى قاع المياه............................................ ...................................(في عرض المياه).‏

حسن : اربط هذه الصخرة في قدميك كي تصل إلى الأسفل بأقصر وقت يا قلقامش، واربط هذا الحبل في ساعدك، أما أنا وأورشنابي سنمسك الطرف الآخر، وما أن تقطف النبات حتّى تهزّ الحبل فنصطادك، هيا يا قلقامش البطل غُصْ مثل السمكة، وأي سمكة.. سمكة تحمل معها نبات الحياة.. هيا...(يقفز قلقامش إلى الماء ويبقى حسن وأورشنابي ممسكين بالحبل)..‏

أورشنابي : هل كان أبناء مدينتك أذكياء يا حسن؟‏

حسن : أذكياء يا أورشنابي، لكن الذكاء عندنا يكسوه صدأ النفاق فيبدو الواحد منّا أبله.‏

أورشنابي : لم أسمع بهذه الكلمة من قبل، نفاق‍‍.. هل هي سيئة؟...‏

حسن : لقد دمّرت الكثير من الأسياد في روايتنا.‏

أورشنابي : أهو وباء أفنى أبناء قومك يا حسن؟‏

حسن : ومن يصاب به تزداد سرعة جريه على حساب أبناء جلدته، أرجو أن لا يسمع هذه الكلمة رجل طيب مثلك يا أورشنابي امسك الحبل جيداً يبدو أن صاحبنا قد وصل..‏

أورشنابي : شدّه حولك بقوة يا حسن..‏

حسن : آه كم أنت ثقيل يا قلقامش..‏

أورشنابي : إلى الوراء يا حسن، اجذب بقوة (يسحبان المرأة الأفعى)..‏

حسن : ما وراءك يا قلقامش؟.. خبرنا عن صيدك، هل وجدت نبات الحياة؟‏

المرأة الأفعى : أنا لست قلقامش أيها الفتى، انظر إليَّ جيداً..‏

حسن : يا إلهي.. امرأة أفعى سلاحك يا أورشنابي..‏

أورشنابي : لا يقوى السلاح على أرواح مخلوقات مثل هذه.‏

حسن : ما العمل إذن يا أورشنابي؟... ربما لدغت قلقامش في القاع؟....‏

أورشنابي : أين خبّأت قلقامش أيّتها الأفعى.‏

الأفعى : صاحبكم أكل نبات الحياة حتّى صغر وأصبح بحجم الرّضيع..‏
حسن : (بندم) أنا الذي فكّرت معه، أنا الذي دفعت به إلى قاع البحرمن أجل نبات الحياة.

الأفعى : فكرتك وحدها لا تساوي شيئاً إزاء مخاطر قلقامش يا حسن..‏

حسن : كيف عرفت اسمي أيتها الأفعى؟!....‏

الأفعى : أخبرنا قلقامش بذلك..‏

حسن : وهل قصّ لكم حكايتي؟.. أَلاَ أستحق المكافأة على ما عانيته أيتها الأفعى... أرجوك أن تتضرّعي للآلهة بأن تملأ قلمي هذا بماء الحياة، وسوف نشكركم أنا وأمّي كثيراً على هذا الجميل..‏

الأفعى : شكر العاجزين يزلزل الأرض تحت أقدام الآلهة أيها المخلوق.‏

حسن : أنا لست عاجزاً أيتها الأفعى الطيبة، أنا تحرّكت، دعوت، رحلت من أجل حياة أفضل..‏

الأفعى : وإلى أين مشيت؟‏

حسن : إلى المعرفة..‏

الأفعى : معرفة ماذا؟..‏

حسن : معرفة كيف أكون..‏

الأفعى : الآلهة تقول إن لا معرفة للكائنات إلاّ في أرحامها، فأعلنت على الهاربين من أقدارهم عقابها..‏

حسن : لماذا؟..‏

الأفعى : قلقامش يخاف الموت الذي أدرك صاحبه أنكيدو فطاف مجنوناً بالبحث عمّا لا يُدْرَكْ غير مبال بنعمة الزمن وأنت مثله يا حسن..‏

حسن : الزمن خائف من كلمته أيتها الأفعى..‏

الأفعى : أنتم الخائفون من أنفسكم..‏

حسن : أخافتنا الدّنانير، فصار حمّاد يمنح كلّ شيء..‏

الأفعى : عجبي من الخائفين ممّا صنعت أيديهم!‏

حسن : أخافنا النفاق أيتها الأفعى.‏

الأفعى : لأنكم خنقتم الحب بأيديكم.‏

حسن : أخافنا المجهول.‏

الأفعى : طمعكم في الغد أضاع عليكم صواب اليوم.. اسمع أيها التعس، ستأكل نبات الشيخوخة إلى الأبد..‏

حسن : لا.... لا...؟!!!..‏

الأفعى : نعم، كي تعرف مقام السيّد الذي قَتَلْتْ.‏

حسن : لم أقتل أحداً!...‏

‏الأفعى : قتلت الزمن أيها المخلوق..‏

حسن : أنا أحبّ الحياة أيتها الأفعى..‏

الأفعى : أنت لا تعرف مقامها، عندما تسير أقدامك في غير مكانك دون أن تستيقظ تجد أن هذا الحلم قد أكل من حرف عمرك... وآلهة البحر لا تمنح الحياة إلى من يحلم فقط، فأرسلت معي هذا النبات.‏

حسن : لي أنا!؟...‏

الأفعى : أجل، لك أنت عقاباً على ما أنزلته من قلق على أرواح سكّان رواية تسير منذ مئات القرون بحكمة الآلهة، ستأكل من هذا النبات يا حسن وستصبح كهلاً لا يقوى على حمل جذعه، كي تعرف أن الزمن الذي وهَبَتْنا إياه الآلهة لا يمكن أن يرجع... بالأماني.. خذ هذا يا حسن..‏

حسن : لا، أرجوك أيتها الأفعى... أتوسّل إليك.. دعيني كما أنا وسأرحل عن روايتكم..‏

الأفعى : ستحمل شارة هذه الرواية كي تتذكّر أن رواية الطوفان رسمت على جبينك حكمتها.. ستأكل يا حسن...‏

حسن : أورشنابي، سَاعِدْنِي على الحركة يا أخي..‏

أورشنابي : آلهة البحر تملك قوى خفية لا قدرة لنا عليها يا حسن.‏

الأفعى : لا تحاول يا حسن، جسمك لن يقوى على الحركة إلاّ بعد أن تأكل هذا النبات. (حسن يصرخ دون القدرة على الحركة حتّى تضع الأفعى النبات في فمه، تمطر السماء فيتحول المكان إلى ضباب حتّى يتغير جسم حسن وتظهر عليه علامات الشيخوخة)...‏

الأفعى : (صوت ذو صدى)... تذكّر يا حسن أن أكثر الزهور عطراً لا تشمّها غير أرض منبتها، وأن القلاع التي بنتها أحلامنا لا تساوي حجراً في أرض عطشى لعرقنا ودمنا، ولك من آلهة البحر الأماني أيها الشيخ (تغادر المرأة الأفعى).‏

حسن : (الشيخ)... أرجوك أيتها الأفعى، أعيدي لي شبابي، لا أريد شيئاً غير هذا، قل لهم ذلك يا أورشنابي، ربما سمعوا منك رجائي...‏

أورشنابي : لا تحاول يا حسن، لقد تجاوزتُ حدود دوري في هذه الرواية..‏

حسن : حدود....حدود.. أين ما تذهب حدود.. كلكم تخافون اجتياز أسمائكم في روايات مالكم فيها اختيار....‏

أورشنابي : أَرِنِي فوزاً واحداً يا حسن من هذه الرحلة، وسأكون كما تريد، ضَعْ على راحةِ يدي هذه جملة واحدة تصلح لحياة أخرى... وسأسير وراءك خارج حدود روايتي يا حسن.. تكلّم...‏

حسن : هي المعرفة يا أورشنابي.‏

أورشنابي : معرفة ماذا يا أخي؟... من يعرف الطوفان يرى كلّ شيء ولا معرفة أخرى هناك..‏

حسن : كلنا لا نعرف من نحن وماذا نريد يا أورشنابي، إني خائف أعطني قليلاً من الملح، أخشى أن أكون قد فقدت طعم الأشياء.‏

أورشنابي : أرأيت كم أنك تحب الحياة يا حسن ولذلك استعجلت فحرقت الزمن على أعتاب أول خطوة في الطريق.‏

حسن : أعيدوه لي يا أورشنابي..‏

أورشنابي : هذه ليست وظيفتي، ارجع إلى روايتك ربّما وجدت فيها سبباً لعودة هذا الزمن الضّال...‏

حسن : أراك مَلَلْتَنِي يا أورشنابي.‏

أورشنابي : كلاّ يا حسن، بل لي أحلام تنتظرني هناك على مَتْنِ الزوارق..‏

حسن : وأحلامي أنا؟..‏

أورشنابي : كان عليك أن تدعها تطفح هناك على صفحات روايتك ولربّما حذفت بعضاً من سطور الشقاء التي تغنّي..‏

حسن : كنت بين سطور المستحيل يا أورشنابي.‏

أورشنابي : عُدْ إلى هذا المستحيل، لابدّ أن الحنين قد شدّك إليه حتّى إلى الأسوأ فيه.‏

حسن : ولكن كيف، كيف سأنادي أمّي وأنا بهذا العمر، بل كيف ستصدّق أنّي ابنها!؟.. يا فرحة حمّاد فيك يا حسن، يا فرحة هذا المؤلّف.... من أين لي أن أعود شاباً، أتيت لقلم وعدتُ أتّكئ عليه..‏

أورشنابي : عُدْ إلى أهلك يا حسن، عد وتذكّر ما عرفته في رواية الطوفان.‏

حسن : افتح لي باب الرواية يا أورشنابي، صرت لا أقوى على ذلك..‏

أورشنابي : (يفتح باب الرواية لخروج حسن).. هيا يا حسن، رافقتك السلامة، أتمنى ألاّ تعود إلى هذه الرواية ثانية أيها الشيخ الشاطر حسن..‏

....(يخرج حسن من الرواية ويتردّد وراءه صوت أورشنابي بالصّدى). لا تدخل رواية أخرى دون معرفة يا حسن...‏

حسن : وداعاً يا أورشنابي، وداعاً (بخروج حسن من رواية قلقامش يُفَاجَأَ بالمؤلف ممدّاً على رواية سَالُومِي، وبقربه امرأة بعباءة لا يرى وجهها للوهلة الأولى)... ونائم بعد الذي جرى لي يا سبب المصائب.. الكون، الأخلاق، القيم، الخلود، وأفعى قلقامش.. كلّ هذه الرحلة، وأعود بثوبي المتآكل هذا...‏

أحلام : أنت أيها الرجل العجوز، هل أنت صديق هذا الميت من قبل؟‏

حسن : أنا كنت صديق البَلْوَى قلقامش أيتها المرأة.‏

أحلام : هل كان وسيماً كَيُوحَنَّا؟‏

حسن : وَهَبَتْهُ آلهة الشمس الجمال، ومنحته آلهة العواصف الشجاعة، صنعوه ثلث إنسان وثلثين من الآلهة، رأى الخبايا وعرف الطوفان، رحلتُ معه كي نمسك بكلّ الأسرار فضاع علينا سرّ حياتنا..‏

أحلام : حرام، هل ذبحوه على طبق فضّة من أجل هذا السرّ؟‏

حسن : كلاّ أيتها المرأة، بل أعطوه نبات الضُّمُور فتحوّل هذا البطل إلى حجم عصفور..‏

أحلام : أَوَ لَمْ يُدْرِكْ أنه مغدور؟!...‏

حسن : فقط كان يصبو نصرة الأخ المقهور..‏

أحلام : عظيم، يعني أنه الآن حرّ يطير ويرقص، يرقص في الفضاء من أجل رأس يُوَحَنَّا، إنه شبيه بعصافير اليهود، شبيه بي أنا أليس كذلك أيها العجوز؟(تبدأ أحلام برقصة غريبة، حتّى يرى حسن وجهها)... هُوِي آحِي، هُوِي آدُونْ".................‏

حسن : أحلام!..‏

أحلام : أنا ساَلُومِي ابنة هيروديا أميرة اليهود أيها المنتقل..‏

حسن : أنتِ أحلام... توقفي عن الرقص يا أحلام، توقفي أرجوك، متى خرجتِ من الرواية يا أحلام؟‏

أحلام : بل قل متى دخلتِ التاريخ يا سالومي.. هُوِي آحِي، هُوِي آدُونْ"................. هُوِي آحِي، هُوِي آدُونْ".................‏

حسن : كيف حال أمّي هناك؟... توقفي عن الرقصِ قلتُ لكِ.‏

أحلام : وعدتُ "هيروديس" ألاّ أتوقف عن الرقص مادام رأس يُوحَنّا فوق هذا الطبق، دُرْ أيها الرأس الأخرس حتّى تقبلني شفتاك، هل تكره اليهود يا يوحنّا، الشفاه التي لا تقبلنا، نقبلها نحن حتّى لو كانت باردة، لِمَ لا تنظر إليّ يا يُوحَنّا؟....‏

حسن : لستُ يُوحَنَّا المخدوع، أنا حسن.. حَسَنُ قلقامش اليُنبوع..‏

أحلام : وَعَدْتُ "هيروديس" ألا أتوقف عن الرقص قلت مادام رأس يوحنّا فوق هذا الطبق... دُرْ أيها الرأس الأخرس... كنتَ ثرثاراً.. وتدعي الحقيقة.. الحقيقة الآن هي أنا، أكيّفها كما أشاء، أحذف منها ما أشاء.. وأُنْطِقُ بها "كاهن الآلهة الأعلى"... (فجأة تشخص في المؤلف الذي بدأ ينتصب واقفاً)... لِمَ تنظر إليّ هكذا يا يُوحَنّا؟...‏

المؤلف : منذ الأزل كانت قُبلة اليهود ولا زالت قُبلة أفعى غادرة..‏

أحلام : في قاموس روايتك فقط تسمّى قبلة الحب غدر، قُبلتنا يا يُوحَنّا من اختراع مؤلف آخر هو مؤلف روايتنا، تسمّونه عَضّ لكنه عَسَلِّي المذاق.‏

المؤلف : تُذَاقُ منه حلاوة عابرة وآخره سُمٌّ زعاف.‏

أحلام : رؤى مؤلفنا لا يرقى لها يقين كيقينكم...‏

المؤلف : اليقين واحد، والحقيقة واحدة، من دهر الدّاهرين، فأين يقينكم من هذا الواحد الأحد؟.. يا ابنة إله صهيون.‏

أحلام : روايتك شاذة.‏

المؤلف : لا شذوذ كشذوذ نموّكم الذي لا يعتمد على النموّ الطبيعي كما هو الحال في جميع روايات هذه البسيطة. كلّ خلق طبيعي تسمّونه شذوذاً، كلّ ثابت في الصخر صَيَّرْتُمُوه ظلاً، كلّ فرع مكسور لا يُزْهِرُ أَحَلْتُمُوه إلى أصل حتّى وإن كان بلا جذر.... بلا حقيقة.‏

أحلام : (في رقصة هيستيرية): ... لا يا يُوحَنّا..... لا....لا.... قطعتُ رأسك من أجل هذا، شربتُ دمك لأجل هذا، نصبتُ لك المحرقة لكي ينطبق الشمال على الجنوب، لكي يذوب الشرق في الغرب، فتبزغ آلهة الشمس من شواطئ البراكين، ويحبل الكون برواية "البَغَايا المقدّسات" بنات "آدوني هَامِيلِيخْ".. "فَاتِكُ أورشليم"..‏

المؤلف : خليط... خليط... خليط...، ولا آجوج وماجوج، زحف، زحف، زحف فشرّد وشرّد وغرّد على أجنحة الغربان لمن لا ينتمي للرواية المختارة حسب الزعم الكاذب، يا أحلام.... أفيقي يا أحلام..‏

أحلام : أنا سالومي، ابنة سالومي، من سالومي التي وَلَدَت سالومي..... سالومي، سالومي (تنهار مجهشة بالبكاء) قبّلتك يا يُوحَنّا من أجل لملمة أشلائي.‏

المؤلف : أشلاء رواية بدائية، ولا مقومات تمدّن فيها، لا مقومات اجتماعية لها، ولا وحدة نشء ولا عِرق ولا لغة، سمومُكم أغضبت الرياح فنثرتكم وبعثرتكم في أقاصي الأرض بعيداً عن مدن الآلهة التي امتصصتم دمها المقدس... أفيقي يا ... أحلام... أنت أحلام ولستِ سالومي....‏

أحلام : (مبهوتة).. كيف استيقظت يا يوحنّا؟....‏

المؤلف : سترتدين الحُلّل القرمزية الثمينة، ستحمل يدك كأساً ذهبية ملأى بالآثام والشرور، ستلتهمك ديدان الأرض يا سالومي..‏

أحلام : كيف استيقظت يا يُوحَنّا وقد مسكت رأسك بيديّ هاتين... كيف؟...‏

المؤلف : أنا لستُ يُوحَنّا أيتها المرأة، كنتُ أُجاريك على هذا الجنون ريثما تعودين إلى الصواب يا أحلام.‏

أحلام : الجنون لا يمسك بثياب الأمراء يا يُوحَنّا..‏

المؤلف : أنا المؤلف يا أحلام.‏

أحلام : أنت يُوحَنّا... أعرفك كما أعرف نفسي.‏

المؤلف : حمداً لله.. إذن بدأت تعرفي نفسك يا أحلام..‏

أحلام : أنا أميرة البَغَايَا المُقَدَّسات، أنا سَالُومِي جميلة اليهود.‏

المؤلف : أنت أحلام ابنة سَلمان مربيّ الأبقار وزوجة حمّاد صاحب الفرن، هل فهمتِ هذا؟...‏

أحلام : لا أريد أن أفهم أيها المؤلف، دعني أرى نفسي كما أريد.‏

حسن : أنت هو المؤلف إذن، لماذا لم تقل لي هذا من قبل ياسرّ البلايا؟!...‏

المؤلف : اتركني يا حسن، سواء عرفتني أو لم تعرفني، إنك لست أوفر حظاً من الذي أنت عليه الآن..‏

حسن : لماذا فعلت بنا كلّ هذا؟...‏

المؤلف : بل قل ماذا فعلتم بأنفسكم أيها الهاربون، هل تريدون أن أكتب رواية بلا عقدة، بلا صراع؟....‏

حسن : اكتبها كوميديا يا أخي..‏

المؤلف : فقط أن ترجعي إلى روايتك يا...سالومي..‏

أحلام : لا تحاول الهرب منّي أيها الجميل.‏

المؤلف : لا تقتربي منّي يا ابنة سَلُوم واحتشمي بالنقاب، ذرّي الرماد على رأسك، وابحثي عن ابن الإنسان يا سالومي.‏

أحلام : أنت يُوحَنّا إذن؟...‏

المؤلف : أنا عبد الله الأخرس مؤلف هذه الرواية، صدّقيني.‏

أحلام : لابدّ أن تحشر رأسك في أيّ رواية أخرى يا حبيبي الأخرس كي تعرف الجحيم الذي تقيّأه قلمك على أجسادنا أيها المؤلف (تخنقه)..‏

المؤلف : أنجدني يا حسن.. يداك يا أحلام.. سالومي، أتركيني قليلاً... طيب أنا حبيبك يُوحَنّا، إليك عنّي.... لا.... (يغرق المؤلف وأحلام بين طيات الكتاب)...‏

حسن : لم تمنحني يوماً القدرة لأنجد أيّ أحد أيها المؤلف، لو فعلت لاستطعتُ فعل شيء من أجلك الآن، أيّ هدف ترانا نريده أيها المؤلف، ونحن لم نتذوق أيّ شيء بعد، كي نسعى إليه، كلّ شيءٍ خَاوٍ في هذه الروح، لا شيء ينتظرني غير أمّي... آه أمّي، قد تكون قَتَلْتَهَا من البكاء عليّ أيها المؤلف... أيها المؤلف.. أحلام.. أين أنتما أخبراني عن الذي جرى لأمّي، هل جُنّت على وحيدها العجوز؟... أورشنابي أين أنت، هل سأعود لأمّي يوماً ما شَاباً؟.. لماذا لم تخرجي من هذه الرواية بحثاً عنّي يا أمّي؟... لا....لا، لا تخرجي، المجانين وحدهم يبحثون عن أشياء بين أيديهم، هل ستقبلين أخطاء ابنك يا عزيزتي؟... الأطفال يفعلون ما لا يعرفون، ألم تقولي لي هذا يوماً، افتحي الباب لوحيدك يا عزيزتي، افتحي يا أمّي، ربما وجدت سبيلاً لطفولتي بين يديكِ الحنونتين... أنا عائد يا أمّي...(يحاول فتح الباب بحذر، يسمع صوت صراخ امرأة يبدو عليها أنها في مشاجرة)... يا إلهي ما الذي يحدث هنا؟.... هل فتحتُ باب رواية أخرى لا،لا، إنها رواية عبد الله الأخرس، أعرفها جيّداً ولكن ما الذي جرى... أين أمّي... أين أمّي أيتها المرأة؟.....‏

الخادمة : (وهي تبكي) اذهب عنّي أنت الآخر.. هاه يبحث عن أمّه وهو في سنّ جدّته (إلى الأم)... أقسم لك يا سيدتي أن الصغير حسن هو الذي كسّرها ولم أكن قريبة منه صدّقيني يا سيدتي...‏

الأم : (أم حسن وقد وضعت على وجهها المساحيق ولبست ثوباً ملوّناً) قلت لكِ احملي حاجياتك وارحلي، لا أريد خادمة رعناء، واخلي الغرفة لخادمة أخرى.‏

حسن : ما الذي جرى لك يا أختي؟‏

الخادمة : أختك أيها العجوز!... اذهب، اذهب من هنا يا وجه الشؤوم، بسبب صباحك السيء هذا طردوني من العمل، اذهب يا عمّي... اذهب لا أرزاق هذا اليوم، الخميس فقط تحطّ أرواح الموتى فتذبح لهم الذبائح، اغرب عنّي..‏

حسن : انتظري يا امرأة، ربما ساعدتك على العودة إلى العمل.‏

الخادمة : وهل أنت الآمر ولا يدري المأمور يا...‏

حسن : امسكي لسانك يا امرأة وإلاّ قطعته في فمك..‏

الخادمة : هل ترضيك شماتة أهل الشوارع لخادمتك يا سيدتي؟.. لقد كَالَ لك هذا الصعلوك السباب حتّى أدمى قلبي عليك يا سيدتي...‏

الأم : من يجرؤ على مثل هذا يا خديجة؟‏

الخادمة : مخلوق لم يُحسن تأديبه المؤلف، سقط سَهْوَاً على صفحات روايتنا يا أُمّ حسن.‏

حسن : أُمّ حسن؟‏

الخادمة : سيدتك وسيدة هذا البيت، قل شيئاً آخر عنها وسأحطّم رأسك بهذا المحماش..‏

حسن : المحماش؟...‏

الأم : ما الذي تريده أيها الشيخ، نشتري منك الانصراف بهذه الدراهم، خذ..‏

حسن : سأبيع لكم انصرافي بسؤال واحد يا سيدتي.‏

الخادمة : وقت السيدة ثمين يا هذا، خذ دراهمك وقبّل يدك وجهاً وقفا وانصرف..‏

الأم : دعيه يسأل يا خديجة..‏

حسن : السيدة أم حسن يا سيدتي؟!!..‏

الأم : أيّ حسن فيهم أيها الشيخ؟‏

حسن : أعلم أنه حسن واحد يا أمّي.‏

الأم : لم يحفل بيتي بمولد حسن عجوز أيها الرجل الطيب..‏

حسن : ألم يشخ أحدهم من تعب السنين يا ... أُمّ حسن؟..‏

الخادمة : السيدة لا تنجب إلاّ سيداً أيها العجوز.‏

الأم : دعيه يتحدث يا خديجة..‏

الخادمة : ربما كان وراء هذا الكلام غرض لا يقينا الشرّ يا سيدتي، إسأليني عن هذا النوع من البشر، أعرفهم جيداً، يلبسون لبوس الرهبان ليخبئوا تحتها الأفاعي، قل واختصر أيها العجوز حان موعد طعام سيدتي..‏

حسن : وماذا بعد الاختصار أيتها المرأة..‏

الخادمة : الانصراف طبعاً أيها الرجل.‏

حسن : إلى أين؟‏

الخادمة : من حيث أتيت يا جدّي...‏

حسن : أتيت من هنا، من هذا الوجه(يشير إلى الأم).‏

الخادمة : أخفض يدك أيها المجنون، لا تؤاخذيه يا سيدتي، يبدو عليه أنه من السكان القدامى لهذه الحارة، لا بأس أن نشغّله مربّياً للأولاد..‏

حسن : أيّ أولاد أيتها المرأة؟‏

الأم : أتعتقد أنك أتيت إلى مدينة العواقر أيها الرّجل؟... (تنادي).... حسن....‏

حسن : نعم يا أمّي..‏

الأم : حسن..‏

حسن 2 : نعم يا أمّي...‏

الأم : حسن......‏

حسن 3 : نعم...‏

الأم : حسن......‏

حسن 4 : ماذا هناك؟ (يلتفون حولها الأربعة)..‏

الأم : سوف يكون هذا الشيخ الطيب مربّياً لكم، أيروقكم هذا؟‏

حسن : (يصرخ) أمّي...‏

حسن1 : يبدو أنه حكيم.. بهذا العمر ويبحث عن أمّه، أمر عجيب.‏

حسن2 : ربما لا يعني بذلك أمّه، بل شيئاً آخر ضاع منه..‏

حسن 3 : دائماً أغبياء، هذا نوع من البشر يشتري عواطف الآخرين كي يبقى أكثر..‏

حسن 4 : أنا أرى بأنه مدمن خمر، تعتّق عمره فلم تعد تسكره خمرة اليوم فبكى....‏

الأم : ها... ماذا قلت، هل ترضى بهذه الوظيفة أيها الشيخ؟..‏
حسن : من أين جئت بهؤلاء الصبية يا أمّي!...

حسن4 : سأحطم رأسك بهذه الزجاجة أيها الوقح...‏

حسن1 : انتظر يا حسن، لا تلوث يدك بدم الغرباء...‏

حسن2 : دعه ينال عقابه يا حسن، لَمْ أَرَ شيخاً بهذه الوقاحة من قبل.‏

حماد : (من الدّاخل)... ما الذي يجري هناك يا سكينة؟‏

الأم : لاشيء يا رجل، لا تتعب نفسك... ما الذي أيقظك في مثل هذه السّاعة؟ أنسيت أن الحكيم أوصاك بالرّاحة؟...‏

حماد : قلبي على الأولاد يا سكينة، هل تشاجر أحدهم...؟‏

حسن : حماد!!؟ ... أما زلت هنا يا حمّاد؟‏

حماد : ما الذي أسمع، من يكون هذا؟..‏

حسن3 : الآن حلّ تأديبك أيها الوقح (يضربه)..‏

الأم : حسن..احترم وجود أبيك يا ولدي..‏

حسن : هؤلاء أولاد حماد يا أمّي؟... ما الذي فعلته كي أعاقب هكذا أيها الزمان؟.. كيف فعلتِ هذا يا أمّي... كان أهون عليّ أن أجدك ميتة.. ما الذي فعلتَهُ بنا أيها المؤلف المخبول؟...‏

حمّاد : أمسكوا هذا المجنون.‏

الأم : دعوه يتكلّم يا أولادي...‏

حسن : أتكلم عن ماذا يا أمّي؟..‏

حماد : هل أنجبت غير ابن عبد الله الأخرس يا سكينة؟‏

حسن 4 : لعبة قديمة هذه يا أبتي، يريد هذا النفر الضّال أن يدسّ اسمه في شجرة العائلة لينال من إرثنا منالاً.. أحلامُ سُرّاق هذه وبوضوح الشمس..‏

حسن : أيّ شمس هذه التي يتحدث عنها الأولاد يا أمّي.. ألم يكن فرن عبد الله الأخرس أكثر شعاعاً من شمس هذا البيت؟..‏

الأم : حسن؟..‏

حسن : حسن العشرة النبيلة يا أمّي...‏

حماد : ما الذي أرجعك بعد هذا العمر كي تقلق حياة السيدة أيها الهارب؟‏

الأم : ارحمني قليلاً يا حماد، دعني أتبيّن أمري... ولدي حسن.. ولدي حسن شابّ تهتزّ الأرض بخيلائه أيها الشيخ، هل سرقت منه الكلام وجئت تبيعه؟... قل لي أين هو؟ أين هو الآن وسأدفع لك ما تريد...‏

حسن : قولي لي أنت أين أمّي التي كانت وسأدفع لك ما لا تستطيعين دفعه.. لماذا لم تنتظريني قليلاً يا أمّي؟...‏

الأم : لو لم أختر حماد لأكلني الجوع وذئاب الليل.. لا، أنت لست ولدي حسن..‏

حسن : مَنْ حَاكَ لي هذا الحذاء يا أم حسن(يريها الحذاء)..‏

الأم : أنا...‏

حسن : من حرق ذراعه الفرن من أجل رغيف مرّ؟‏

الأم : ابني...‏

حسن : ابنك الذي كان، والذي ليس الآن يا أمّي؟..‏

حماد : هذا الرجل خطر كبير على الأولاد... إنه وباء.. أخرجوه من بيتي، بل اطردوه من هذه المدينة كلّها..‏

الأم : أتوسّل إليك يا حماد، دعه يعيش مع الأولاد، إنه ولدي..‏

حسن : ابن عبد الله الأخرس.. يا ... أمّي...‏

الأم : كان عليك أن تمسك بحبل الزمان معي في هذا المكان يا ولدي..‏

حسن1 : لابدّ أن يرحل.‏

حسن : ذهبتُ أبحث عن أقصى هذا الزمان فَتُهْتُ يا أمّي..‏

الأم : أمّك لم تخن العشرة الطيبة يا عزيزي..‏

حسن 3 : ادفعوه بالمحماش إلى الخارج.‏

حسن : من أجل هذا المكان رحل حسن ليعود بالقلم يا أمّي..‏

الأم : ومن أجل انتظارك قبلت حماداً يا حسن..‏

حسن 4 :افتحوا له باب الرواية ليخرج منها.‏

الأم : اسم هذه الرواية عبد الله الأخرس يا أولاد..‏

حسن : ليته ما نطق يا أمّي.‏

حماد : اقذفوا به إلى الخارج.‏

حسن : لن تقوى على ذلك يا حماد..‏

حماد : أنت عبء أيها الشاطر، القلم الذي رحلت تبحث عنه باعني إياه المؤلف بقطعة ذهب واحدة، هذا هو القلم، وما أتيتَ به من خشب، سأشطبك به من هذه الرواية يا حسن، احملوه إلى الخارج يا أولاد..‏

الأم : هذا أخوكم يا أولاد..‏

الأولاد : أخونا؟!...‏

حسن1 : لو قلت جدّنا لصدقنا يا أمّي.‏

حسن : لا تصدّقوا يا أولاد..‏

حماد : قلت لكم اقذفوا به إلى الخارج..‏

حسن : سأخرج أيها العقيم حماد.‏

حسن2 : ماذا قلت أيها الشيخ؟‏

حماد : لا تصدّقوه يا أولادي، أبوكم ينجب،، ينجب... منذ الأزل.‏

حسن : لكلّ منكم أب، لربّما يدعى عبد الله الأخرس، ابحثوا عنه يا أخوتي..‏

حسن4 : هل هذا صحيح يا أمّي؟.. تكلّمي..‏

حماد : قولي لهم لا يا سكينة..‏

الأم : بلى..‏

حماد : (يمسك بالقلم صارخاً فتتوقف الحركة).. الويل لك إن لم ترحل يا حسن..‏

حسن : لا... لا.. ارفع قلمك عن رقبتي يا حمّاد..‏

( انتهت )..‏



توقيع » أشرف كانسي



" أن تنتظر مجرد الثناء على فعلك التطوعي، فتلك بداية الحس الإنتهازي ''
محمد الحيحي

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are معطلة

منتديات الأستاذ

الساعة الآن 18:29 لوحة المفاتيح العربية Profvb en Alexa Profvb en Twitter Profvb en FaceBook xhtml validator css validator



جميع المواد المنشورة بالموقع تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع ولا يتحمل أي مسؤولية عنها

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd