عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 2009-12-22, 23:38
الصورة الرمزية أشرف كانسي
 
أشرف كانسي
بروفســــــــور

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 من مواضيع العضو
  أشرف كانسي غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 4706
تـاريخ التسجيـل : Aug 2009
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الإقــــــــــامــــة : القليعة
المشاركـــــــات : 9,559 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 3281
قوة التـرشيــــح : أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute أشرف كانسي has a reputation beyond repute
new1 مسرحية : قاضي الطلاق





مسرحية

ميغيل دي ثربانتس

قاضي الطَلاق

ترجمة: د.محسن الرملي


( يدخل القاضي ومعه اثنين، هما: الكاتب ووكيل النيابة، ثم يجلس على كرسي.
يدخل العجوز وزوجته ماريانا )
ماريانا - وأخيراً.. ها هو السيد القاضي جالساً على كرسيه وسط مجلسه، وعليه فإنني، هذه المرة، إما أن أبقى في الداخل أو أُطلق في الخارج.. لا بد لي هذه المرة أن أتحرر من كل تبعة قانونية أو كفالة.. سأكون حُرة مثل طائر الباشق.
العجوز - بحق محبة الرب؛ لا تثرثري كثيراً يا ماريانا. تكلمي بإنصاف ورويّة كما يرغب الله بذلك. فانظري كم أزعجتي الجيران بصراخك. وها أنت أمام السيد القاضي حيث يمكنك أن تخبريه بما تشائين حول قضيتك.. وبصراخ أقل.
القاضي - أية قضية أتيتم بها أيها الناس الطيبون؟.
ماريانا - سيدي: الطلاق، الطلاق ثم الطلاق.. وألف مرة الطلاق.
القاضي - مِـمّـن؟ ولماذا أيتها السيدة؟.
ماريانا - مِـمّـن..!؟ من هذا العجوز الحاضر هنا.
القاضي - لماذا ؟.
ماريانا - لأنني لا أستطيع احتمال لجاجته وكثرة طلباته.. ولا أن أظل رهينة أعالج كل أمراضه التي لا تحصى، فلم يربني أبويّ لكي أكون مضمِدة أو ممرضة. لقد كانت هديتهم، بمناسبة زواجي، كبيرة إلى هذا الهيكل العظمي.. هذا الذي يستهلك أيام حياتي؛ فحين دخلت في عصمته كان لي وجهاً ساطعاً كالمرآة، أما الآن فلي وجه مجعّد كخرقة قماش عتيقة... أرجو من سعادتكم يا سيادة القاضي أن تُطَلقني منه.. إذا أردتم لي ألا أنتحر... أُنظر، أُنظر إلى هذه الأخاديد في وجهي؛ إنها من كثرة الدموع التي أسكبها كل يوم لأنني متزوجة بهذه الجثة.
القاضي - لا تبكِ أيتها السيدة... اخفضي صوتك وكفكفي دموعك، فسوف أحكم بالعدل فيما بينكم.
ماريانا - دعني أبكي يا سيدي، فهذا يريحني... لقد آن للمملكات والجمهوريات جيدة التنظيم أن تضع حداً لفترة الزواج.. كأن يجعلوه عقداً لمدة ثلاث سنوات يتم فسخه بعدها أو تجديده.. تماماً مثل عقود الإيجار، وليس لها أن تكون عقوداً تمتد طوال الحياة.. وعذاباً مؤبداً يكابد منه كلا الطرفين.
القاضي - نعم. هذا المشروع ينبغي تطبيقه مثلما تم تطبيقه فعلاً فيما يتعلق بالشؤون المالية. ولكن دعك من هذا الآن أيتها السيدة وواصلي إيضاحاتك أكثر حول دوافع وأسباب مطالبتك بالطلاق.
ماريانا - أن زوجي في خريف أيامه أما أنا ففي ربيع عمري. إنه يقطع عليّ نومي فأستيقظ في منتصف الليل لأسخن له الماء وأعد له الكمادات كي أضعها على خاصرته.. ضعي لي هذا هنا، وضعي الآن الكمادة.. عسى أن تشنقه كمادة على عصا فأخذ حقي وأتخلص من رعايتي له في آخر الليل؛ ترتيب وسادة السرير، إحضار الدواء المنعش كي لا يختنق صدره واضطراري على تحمل رائحة فمه الكريهة التي تنبعث حتى مسافة ثلاثة إطلاقات من بندقية.
الكاتب - قد يكون أحد أضراسه متعفناً.
العجوز - لا يمكن ذلك لأنني لا أملك ولا حتى سن واحد في فمي، لقد ألقيتها كلها إلى العفاريت.
الوكيل - ثمة قانون يقول، وفق ما سمعت، بأن رائحة الفم بمفردها يمكن أن تكون سبباً مقبولاً لطلاق المرأة من زوجها أو الرجل من زوجته.
العجوز - في الحقيقة أيها السادة إن الرائحة الكريهة التي ذكرتها زوجتي لا تنبعث عن تعفن أضراسي لأنه ليس لدي أية أضراس، ولا هي تنبعث من معدتي لأن بطني معافاة.. ولكن تنبعث من النية السيئة في صدرها هي. إن حضراتكم لا تعرفونها جيداً، فلو عرفتموها لخفتم منها.. بل وصلبتموها. لقد عشت معها ثلاث وعشرين سنة .. شهيداً، دون أن أشتكي من وقاحتها لأحد أبداً، ولا من صراخها وأوهامها. وها نحن على وشك إكمال عامين منذ أن بدأت تدوّخني ذهاباً وإياباً وتدفعني صوب القبر. لقد جعلني صوتها نصف أطرش وأحالني إلى شخص عصبي المزاج بلا منطق... أما إذا كانت تعالجني، كما قالت، فإنها تعالجني وهي مكرهة بينما يجب ويشترط في أن تكون يد الطبيب ناعمة ورحيمة... وعلى أية حال أيها السادة ففي الحقيقة إنني أنا الذي أختنق تحت عصمتها وسلطتها وهي التي تحيى في عصمتي وسلطتي.. لأنها امرأتي وتَؤول إليها ممتلكاتي.
ماريانا - ممتلكاتك..!؟.. أية ممتلكات لك أنت؟. ألم تكن هي ما ربحته بفضل المتاجرة بهدية زواجي؟ فلي نصف الأرباح رغماً عن أنفك؟ ولن أترك لك من حصتي ومن صداقي، إذا ما متُ أنا الآن، ولا حتى ما قيمته مرابطي واحد.. ها أنت ترى الحب الذي أكنه لك!؟.
القاضي - قل لي أيها السيد؛ متى دخلت في عصمة وسلطة زوجتك؟ ألم تدخل شهماً موقراً وبكل صحتك ومؤهلاتك؟.
العجوز - لقد قلت لكم بأنني قد دخلت في عصمتها منذ اثنين وعشرين عاماً، كأسير أُجبِر على التجذيف في مركب كبير،ولكنني قد دخلت قوياً صحيحاً وكنت أفعل ما أقول بيسر كمن يلعب بالورق.
ماريانا - حماسة عابرة، ثلاثة أيام وانتهت.
القاضي - أصمتي، أصمتي.. يالها من ساعة نحس. اذهبي أيتها المرأة برعاية الرب فأنا لا أجد مبرراً كافياً لتطليقكم. لقد أكلتي الطيبات فاحتملي الحصرم. وليس مجبراً أي زوج على أن يتحدى الزمن بسرعته وركضه، فلن يستطيع أن يهرب من الوقت العابر أمام بابه وعبر أيامه. وهكذا فاطرحي الأيام السيئة التي يسببها لك الآن من تلك الأيام الطيبة التي منحها لك حين كان يستطيع.. ولا تضيفي كلمة واحدة.
العجوز - إذا كان بالإمكان فلسوف يكون فضلاً كبيراً علي من سعادتكم إذا ما عفوتم عني سيادتكم وترفعون عني هذه المظلمة. لأن تركي هكذا سيوصلني إلى حتفي ويقودني من جديد إلى الجلاد الذي يعاقبني، وإلا فأنا أرى بأن نقتسم الممتلكات ويُحجر عليها في دير، وأنا في دير آخر.. وهكذا نستطيع أن نعيش بسلام ونكون في خدمة الرب ما تبقى لنا من سنوات العمر.
ماريانا - سنوات تعيسة.. هـه.. ما أحلاني وأنا معتزلة محبوسة!؟. لا لن أكون تلك الطفلة المرافقة لشبكات عزلة الدير، بين القضبان والمتلصصات، فلتعتزل أنت يا مَن تستطيع احتمال ذلك وتطيق المعاناة، لأنك بلا عيون ترى ولا آذان تسمع ولا أقدام تمشي.. ولا حتى يد تتحسس. أما أنا فأنني صحيحة معافاة ولدي كامل حواسي الخمس واعية وحيّة، وأريد أن أستمتع بها وأنا حرة طليقة.
الكاتب - فلتكن المرأة حـرة.
الوكيل - ويُحـذَّر الرجل.. فلا يمكن فعل أكثر من ذلك.
القاضي - إذن فأنا لا أستطيع أن أقضي بهذا الطلاق، ولنؤجل البت بالقضية لعدم توفر الأدلة.
(يدخل جندي مكتمل الملبس، ترافقه زوجته السيدة غيومار)
غيومار -ما أحفظ الرب الذي حقق لي رغبتي بالمثول أمام سيادتكم كي أرجوكم وأتوسل إليكم بشدة أن تطلقونني من هذا.
القاضي - ما هذا الـ " هـذا "؟ أليس له أسم آخر؟.. فعلى الأقل كان بإمكانك القول:" هذا الرجل "!.
غيومار - لو كان رجلاً بحق لما طالبت بالطلاق منه.
القاضي - فماذا يكون إذاً !؟.
غيومار - إنه لوح خشب.
الجندي - (جانباً) بحق الرب.. أعليّ أن أكون خشبة في الصمت والمعاناة.. ربما لأنني لا أدافع عن نفسي ولا أواجه هذه المرأة، فقد يميل القاضي إلى إدانتي، مفكراً بمعاقبتي، ويخرجني من أسر صمتي، كمن يخرج بمعجزة متحرراً من سجون تطوان.
الوكيل - تكلمي بكل حرية أيتها السيدة واعرضي قضيتك بلا شتائم لزوجك، فالسيد قاضي الطلاق الذي ترونه أمامكم سينظر بجدية في قضيتكم.
غيومار - إذن، فحضراتكم لا تريدونني أن أسميه لوحاً، هذا الصنم الذي ليس له حركة أكثر من الخشب؟.
ماريانا - إن هذه السيدة وأنا نشتكي، بلا شك، من الوجع ذاته.
غيومار - على أية حال، فأنا أقول يا سيدي: لقد زوجوني بـ "هذا الرجل " ، كما تريدني حضرتك أن أسميه هكذا، ولكنه ليس هو الرجل الذي تزوجت معه.
القاضي - وكيف ذلك.. فأنا لا أفهمكِ!.
غيومار - أريد القول، أنني كنت أعتقد بأني قد تزوجت برجل عادي وطبيعي، وبعد أيام قليلة أدركت بأنني قد تزوجت بلوح.. تماماً كما أقول: لأنه لا يعرف أي يديه هي اليمنى، ولا يبحث عن وسائل أو سبل يستطيع مقايضتها بريال يساعد به على إعالة بيته وعائلته. إنه يمضي الصباحات مستمعاً إلى القداس، قابعاً أمام بوابة "الوادي الكبير" حيث السوق، يدمدم هناك، يستمع ويتعلم قول الأكاذيب الجديدة، أما في المساءات، وحتى في كثير من الصباحات أيضاً فيذهب من صالة إلى صالة في بيوت اللعب وهناك يعمل كمهرج لإضحاك المتفرجين الذين حسب ما سمعت؛ يُقال: أنهم صنف من الناس يكرههم حتى اللاعبون. وفي الثانية ظهراً يأتي للغداء، دون أن يعطوه ريالاً واحداً كبخشيش، لأنهم قد تركوا هذه العادة... ثم يعاود الذهاب ولا يرجع حتى منتصف الليل. يتعشى إذا وجد طعاماً وإذا لم يجد فيصلي ويتثاءب وينام، ولا يهدأ طوال الليل لكثرة تقلبه. أسأله: ما به؟ فيجيبني بأنه ينظم قصيدة في ذهنه لصديق قد طلبها منه، وكما تعرفون فإن مهنة الشعر قد أصبحت خاسرة وليس لها علاقة باحتياجات الناس.
الجندي - إن زوجتي السيدة غيومار، وفي كل ما قالته، لم تخرج عن حدود الصواب، وعليه فلو لم أكن أنا مصيباً فيما أعمله كما هي مصيبة فيما تقوله.. إذاً لأذعنتُ للأمر هنا أو هناك ولحاولت أن أرى نفسي كما يرى أزلام آخرين، من جنود أمثالي، مستظرفين أنفسهم وصخّابون. يحملون عصي في أيديهم ويمتطون بغلة مؤجرة، صغيرة، ضامرة، محتالة ولعينة، بلا صبي يرافقها لأن تلك البغلة لا تؤجر أبداً لأناس مقتدرين، فهي عادة ما تكون عنيدة وحرونة. تتدلى سيقان الواحد منهم فوق البردعة كسيقان الضفدعة، لاماً رقبته بياقة القميص وفي يده الأخرى قطعة جبن وخبز وقربة تلتصق فيها العليقات أثناء الطريق... فضلاً عن ملابسه التي يرتديها هي نفسها دائماً في الشارع وأثناء السفر، وجزمة طويلة بمهماز، وبورقة تصريح: وكالة أو مأمورية في جيبه. خارجاً من تلك البوابة الطليطلية مسرعاً رغم العادات السيئة للبغلة الحرونة. وبعد أيام قليلة يبعث إلى بيته قطعة لحم وقطعة قماش خشنة.. بضعة نماذج من تلك الأشياء الرخيصة في الحي الذي هو تحت رقابته، وبهذا يعول بيته على قدر ما يستطيع. أما أنا الذي لا حرفة لي ولا مربح، لا أدري ماذا أفعل لأنه لا يوجد سيد يقبل خدمتي، ولا توكل إلي مأموريات كهذه .. وذلك لأنني متزوج، وعليه فأنا مرغم أن أترجى سيادتكم... سيدي القاضي، فالفقر يجبر حتى النبلاء على الشكوى... ولهذا أيضاً تطلب امرأتي الطلاق.
غيومار - وهناك أشياء أخرى في هذا الموضوع سيدي القاضي، فبما أنني كنت أرى زوجي لا يقدر إلا على القليل وهو دائماً في عوز.. فقد كنت أستميت من أجل إصلاحه ولكن لا أقدر لأنني في النهاية مجرد امرأة طيبة... وكذلك لا أستطيع أن أكون غير مبالية.
الجندي - لهذه الصفة وحدها تستحق هذه المرأة كل الحب، ولكنها في الحقيقة تخفي تحت هذه المظاهر أسوأ خلق الأرض، فهي غيورة بلا مبرر، تصرخ بلا سبب، تتباهى بما ليس لديها، وبما أنها تراني فقيراً فلا تحترمني. والأسوأ من هذا يا سيدي القاضي أنها تريد مقابل إخلاصها لي أن أصبر وأدعي عدم المعاناة.. من آلاف الآلاف من وقاحاتها وتفاهاتها.
غيومار - كلا.. فلماذا إذاً لا تحترمني أنت وتحفظ كرامتي ما دمت طيبة كما أنا.؟.
الجندي - اسمعي، يا سيدة غيومار. هنا وأمام هؤلاء السادة أريد أن أقول لك؛ لماذا تريدين أن أدفع ثمن كونك طيبة رغم أنك ملزمة بأن تكوني كذلك لأنك ابنة أبوين طيبين، ولأنك مسيحية ولأنك يجب أن تكوني كذلك؟.. حسناً فالنساء يردن أن يحترمهن أزواجهن لأنهن ورعات ومخلصات، كأنما كل الأمر يتمحور في ذلك ولا ينظرن إلى الممرات التي تعبر منها آلاف الخصال الرقيقة التي تنقصهن، فما الإضافة في أن تكوني كما يجب عليك أن تكوني؛ ورعة مع نفسك؟ بينما سيختلف الأمر لو أنك تهملين نفسك بحيث تكون خادمتك أشد ورعاً منك، أو إذا ما مشيتي دائماً خائبة الوجه، غاضبة، غيورة، متفكرة، مبذرة، نائمة، كسولة، عربيدة، مدمدمة، ومساوئ أخرى تكفي للقضاء على حياة مائتي زوج... ولكن مع ذلك كله أقول يا سيدي القاضي ليس هناك أية صفة من هذه الصفات في امرأتي غيومار. أعترف بأنني أنا اللوح،الخشبة، الفاشل، المهمل لنفسه، الكسول... وهكذا فلو كان فقط بموجب قانون حكومة صالحة وليس بغيره، فإن سيادتكم ملزمين بأن تطلقونا. ومن هنا أقول بأنه ليس لدي أي تعقيب على ما قالته امرأتي... ولذلك اعتبر أن القضية منتهية وأتقبل الحكم بكل سرور.
غيومار – أ لديك تعقيب على ما قلته أنا؟!!.. يا من لا تطعمني لا أنا ولا خَدَمي، والحقيقة فإن خَدَمي ليسوا بكثير، إنما هي واحدة، وهي سباعية وتأكل مثل صرصار.
الكاتب - هدوء.. فقد جاء الآن متنازعون جدد.
(يدخل رجل يرتدي بدلة طبيب، بينما هو جراح بسيط، ترافقه زوجته السيدة الدونثا مينخاكا)
الجراح - لأربعة أسباب أتيت إلى حضرتكم سيادة القاضي راجياً أن تطلقونني من زوجتي السيدة الدونثا مينخاكا الماثلة هنا.
القاضي - سننصفك.. قل أسبابك الأربعة.
الجراح - السبب الأول: أنني حين أراها فإنني أرى كل العفاريت. السبب الثاني: لِما تعرفه هي. السبب الثالث: لما أسكت عليه أنا. السبب الرابع: لأنني أصاب بالجنون حين أفكر بأنني سأعيش كل حياتي معها.
الوكيل - لقد عرضت قضيتك بكل وضوح.
مينخاكا - سيدي القاضي، اسمعني سيادتكم، ثم احكم، فإذا كان زوجي يطلب الطلاق لأربعة أسباب فقط، فأنا أطلب الطلاق لأربعمائة سبب. السبب الأول: في كل مرة أراه فيها فكأنني أرى إبليس نفسه. السبب الثاني: لأنني قد خُدعت حين تزوجت به، فقد قال لي بأنه طبيب عام وهو في الحقيقة مجرد جراح، رجل يخيط الجروح ويداوي بضعة أمراض أخرى. وهكذا فشتان ما بينه وبين الطبيب. والسبب الثالث: لأنه يغار عليّ حتى من الشمس التي تلفحني. والسبب الرابع: وبما أنني لا أطيق رؤياه أريد أن أكون بعيدة عنه بمليون ميل.
الكاتب - أي شياطين ستتمكن من ضبط هاتين الساعتين مادامت عجلاتهما متفاوتة؟!.
مينخاكا - والسبب الخامس......
القاضي – يا سيدة، يا سيدة، إذا كنت تظنين بأنك ستسردي كل أسبابك الأربعمائة فلن أكون هنا لكي أسمعك، وليس ثمة مكان لشيء كهذا... إن قضيتكم سننظر فيها لاحقاً عند اكتمال الأدلة، فانصرفوا الآن على بركة الله لأن هناك قضايا أخرى للنظر فيها.
الجراح - أي أدلة أخرى أكثر من أنني لا أريد الموت معها ولا هي تحب العيش معي؟.
القاضي - لو كان هذا يكفي كي يطلق المتزوجون فما أكثر الذين سينفضون من على أكتافهم عبء الزواج.
(يدخل رجل يرتدي ثياب حمّال، واضعاً على كتفيه عباءة مرقعة)
الحمّال - سيدي القاضي، أنا حمّال ولا أنكر ذلك ولكنني مسيحي قديم ورجل طيب، ولولا أنني في بعض الأحيان أتناول الخمر أو هو يتناولني وهذا هو الأرجح، لكنت الآن أحد أعضاء رابطة أخوان حملة الصليب، ولكن فلندع ذلك جانباً. لأن الكلام فيه يطول. أريد أن تعرف سيادة القاضي بأنني ذات مرة وخلال معاناتي من شدة مرض الثمالة حد الإغماء، كنت قد وعدت امرأة غير صالحة بالزواج، ولما صحوت وعوفيت، وفيّت بوعدي وتزوجت المرأة فأبعدتها عن المعاصي، وجعلت منها بائعة محترمة، ولكنها سرعان ما صارت متعالية وعلى أسوأ الخصال بحيث لا أحد يصل إلى طاولة بيعها إلا وتخاصمت معه أو غشته في الميزان، ويصل الأمر إلى حد ضربه بالفاكهة أو أحياناً تضربهم بالمكيال على رؤوسهم أو على أين ما يقع، وتشتمهم حتى الجد الرابع، كما أن ليس لها ساعة سلام مع جاراتها الثرثارات. وهكذا فهي تحتم عليّ أن يكون سيفي مسلولاً دائماً للدفاع عنها فلا نربح حتى ما يكفي لدفع ثمن المكاييل الناقصة ولا أضرار النزاعات.. فيا حبذا لو أن سعادتكم يتفضل عليّ بإنصافي وذلك بأن يبعدها عني أو على الأقل أن يحد من سلوكها الهائج ويقلله إلى سلوك أكثر هدوء ورويّة. وأعد سيادتكم بأن أجلب لها الفحم بلا مقابل، الفحم الذي سأشتريه هذا الصيف، فأنا قادر على حمله لأني أقوى من أعضاء رابطة أخوان حملة الصليب.
الجراح - إنني أعرف زوجة هذا الرجل الصالح، إنها سيئة كامرأتي الدونثا.. ولا أقول أكثر من ذلك.
القاضي - انظروا أيها السادة، رغم أن البعض من الحاضرين هنا قد أدلوا بأسباب تؤدي إلى الطلاق، ولكن فإنه من الواجب أن تُدوّن كتابةً وأن تُدعم بشهود. وهكذا فسوف نؤجل البت في القضايا بانتظار الأدلة.. ولكن.. ما هذا؟.. موسيقى وقيثارات في محكمتي؟! أهذه قضية جديدة أكبر؟!.
( يدخل موسيقيان )
موسيقيون - سيادة القاضي، إن أولئك الزوجين المتخاصمين الذين حكمت بينهما سيادتك وقلصت من اضطراباتهم وهدأتهم قبل أيام... إنهما ينتظران قدوم سيادتك الآن إلى حفلة كبيرة في بيتهما، وقد بعثانا لندعوك كي تشرفهما بحضورك.
القاضي - هذا ما سأفعله بكل سرور، وأطلب من الله أن يجعل كل الحاضرين هنا أكثر رويّة وهدوءً ويتصالحوا مثلهم.
الوكيل - ولكننا بهذه الطريقة سنموت من الجوع، نحن الكتاب ووكلاء النيابة في هذه المحكمة. كلا، وكلا.. بل على الجميع أن يطالبوا بالطلاق. وفي النهاية إذا ما عادت المياه إلى مجاريها فعلى الأقل نكون قد استمتعنا بنزاعاتهم وتشاتمهم.
موسيقيون - في الحقيقة، علينا أن نبدأ التمتع بالحفلة انطلاقاً من هنا.
( يغني الموسيقيون )
" بين الأزواج الشرفاء
حين توجد خصومة علنية
فإن أسوأ اتفاق
سيكون أفضل من طلاق جيد.
وحين لا تُعمي الخيانة أحداً
ستكون بعض الخصومات في يوم الحب
هي سلام دائم طوال العام.
هنا سيحيى الشرف
وتحيى المتعة التي كانت ميتة.
لأن أسوأ اتفاق
هو أفضل من طلاق جيد.
وإن كان غيض الغيرة جارفاً
.. قوياً وحاسماً.
فلو جاء من جميلة حسناء
لن يكون غيرة .. وإنما سماء.
للحب هذا الرأي
وهو أحنك الحكماء:
إن أسوأ اتفاق
هو أفضل من طلاق جيد ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
*ميغيل دي ثربانتس: هو الملقب بـ( أمير الأدب الإسباني )ولد في خريف عام1547 في مدينة الكالا دي هيناريس(قلعة النهر). ومات في مدريد بتاريخ 23 نيسان 1616. كان والده جراحاً متواضعاً تنقل بين العديد من مدن إسبانيا بحثاً عما يعيل به أسرته، وقد رافقه ميغيل صغيراً في هذا الترحال. وحين تجاوز العشرين من عمره سافر إلى إيطاليا سنة 1568 وتعرف فيها على كبريات معالم ثقافة عصر النهضة. والتحق هناك كجندي بسيط في بحرية جيش التحالف، حيث فقد ذراعه اليسرى في معركة ليبانتو ضد الإمبراطورية العثمانية سنة1571. ثم أُسر من قبل بحارة جزائريين كانوا يجوبون البحر الأبيض المتوسط في طريق عودته إلى إسبانيا سنة 1575. بقي أسيراً في الجزائر خمسة أعوام كانت قاسية، حاول خلالها الهرب لأربعة مرات لكنه فشل وتعرض للتعذيب. وقد شكلت هذه التجربة أكبر منعطفاً في حياته وأثرت كثيراً على شخصيته وإبداعه بحيث لا يكاد أي عمل من أعماله أن يخلوا من إشارة إلى ذلك، وبعضها قد برز ابتداءً بالعنوان كمسرحيتيهمعاملات الجزائر) و(حمامات الجزائر). عاد ثربانتس إلى إسبانيا سنة 1580 بعد أن تم دفع مبلغ من المال من أجل إطلاق سراحه. وفي أسبانيا تزوج وبدأت متاعب رحلة البحث عن عمل، ومن ذلك اشتغاله كجابي لجمع الضرائب من قرى الأندلس وتعاطفه مع الفلاحين الفقراء الأمر تسبب له بالديون ودخوله السجن لأكثر من مرة. حتى قيل أنه قد بدا بكتابة الجزء الأول من (الدون كيخوته) في سجن مدينة بايادوليد (بلد الوليد). هذا وقد ترك ثربانتس أعمالاً أدبية خالدة إلى جانب عمله الرئيسي بجزئيه(الدون كيخوته) فقد كتب العديد من الروايات المثالية القصيرة وكتب الشعر وأبدع في المسرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
*د.محسن الرملي: كاتب ومترجم عراقي يقيم في إسبانيا، وهذا النص واحد من بين الأعمال المسرحية القصيرة لثربانتس التي ترجمها د.الرملي كاملة وصدرت عن دار أزمنة وألواح سنة 2001.





توقيع » أشرف كانسي



" أن تنتظر مجرد الثناء على فعلك التطوعي، فتلك بداية الحس الإنتهازي ''
محمد الحيحي

رد مع اقتباس